آراء

كمال جاب الله يكتب: الفرق بين سقوط كابول وتحرير سايجون

23-8-2021 | 00:05
Advertisements

في الملمات والشدائد والحروب، تقاس وتختبر قوة الدول، والأمم، والحكومات، هل هناك ما هو أشد وأقسى مما يواجه العالم الآن من تحديات ومحن ومصائب؟ عندما سلطت وسائل الإعلام العالمية المقارنة بين سقوط كابول، وتحرير سايجون، واصفة حرب أفغانستان التي قادتها أمريكا بالفشل الذريع، تبادر إلى الذهن تصريحات منسوبة للرئيس بايدن في فبراير الماضي، جاء فيها: أن الولايات المتحدة أنفقت تريليون دولار، ودربت أكثر من 300 ألف جندي وشرطي في أفغانستان، خلال العقدين الماضيين، مؤكدًا أن أمريكا عادت!!

كلام الرئيس بايدن صحيح، فالأمريكان عادوا بالفعل بخفي حنين إلى بيوتهم وثكناتهم من كابول، كما خرجوا مذعورين من مدينة سايجون الفيتنامية عام 1975.

كبدت الحرب الأمريكية المستمرة لـ 20 عامًا خسائر فادحة بـ أفغانستان، حيث أدت إلى مقتل نحو 174 ألف أفغاني، أي بمعدل 23 قتيلًا كل يوم، إضافة إلى نزوح 2 مليون و600 ألف أفغاني، ولم يتمتع الأفغان بحياة كريمة بعد كل هذه التضحيات.

لقد تسبب الانسحاب الأمريكي المتعجل من أفغانستان في إحداث حالة من الخوف والذعر لدى حلفاء واشنطن، وهم يفكرون فيمن ستتركه أمريكا في المرة المقبلة؟

تحرير سايجون جاء بعد حروب شرسة مع المستعمرين الفرنسيين واليابانيين والأمريكيين، وبلغت فاتورتها المليارات، فضلا عن سقوط 58 ألف قتيل أمريكي.

ما من دبلوماسي أو سياسي أو خبير، أو حتى عابر سبيل، ألتقيه، وتأتي سيرة فيتنام، إلا ويبادر لي بالتعبير عن درجة عالية من الإعجاب بتجربتي المقاومة والتنمية في هذا النمر الآسيوي الصاعد، رغم كل التحديات والمصاعب، التي واجهت، وتواجه هانوي، وآخرها التداعيات الخطيرة لـ كوفيد- 19، كورونا الجديد.

في الوقت نفسه، ما من أحد استمعت إليه أو التقيته في أفغانستان، خلال زيارتي لها في عامي 2018 و2019، وفيما بعد تلك الزيارتين، إلا وتساوره مشاعر المخاوف من المصير المظلم والمجهول، الذي ينتظره الأشقاء الأفغان، وجيرانهم، بل والعالم أجمع، بعد سقوط كابول - من جديد - في أيدي حركة طالبان المتطرفة.

بعد 46 عامًا من الهزيمة العسكرية المدوية للولايات المتحدة في فيتنام، وتزامنًا مع الاحتفالات التي تشهدها تلك البلاد بهذه المناسبة، تصل نائبة الرئيس الأمريكي، كمالا هاريس، إلى هانوي غدًا، الثلاثاء، في أول زيارة لنائب رئيس أمريكي، وقد تخلصت فيتنام من آثار الحروب، وحققت نهضة تنموية ملهمة للعديد من الدول.

ترى، هل سيأتي اليوم في كابول، بعد مرور ما يزيد على 4 عقود من الآن، ليشهد العالم في أفغانستان، تحت راية حكم الملالي، الديني المتطرف، ما بلغته فيتنام؟!

في النصف الأول من عام 2021، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الفيتنامي بنسبة 5.64 في المائة، أي أعلى 3 مرات، مقارنة بالفترة نفسها في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل معدل النمو في العام الحالي إلى 6.5 في المائة، فيما يتوقف التضخم عند حدود أقل من 4 في المائة.

وفيما يتعلق بالصناعة الفيتنامية في النصف الأول من العام الحالي، 2021، فقد زادت بنسبة 8.91 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020، كما بلغت الشركات المسجلة الجديدة 67.1 ألف شركة، وبزيادة نسبتها 34.4 في المائة في رأس المال المسجل، وعادت 26.1 شركة إلى العمل، بزيادة 3.9 في المائة.

أيضًا، بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفق على فيتنام حتى 20 يونيو 2021 نحو 15.27 مليار دولار، وبلغت الاستثمارات الفيتنامية المباشرة في الخارج حوالي 547 مليون دولار، بارتفاع نسبته 2.5 في المائة مقارنة بعام 2020.

في النصف الأول من عام 2021، حقق حجم التبادل التجاري لفيتنام زيادة مثيرة للإعجاب، حيث وصل إلى نحو 317 مليار دولار، بزيادة تصل إلى 32 في المائة، وبلغت الصادرات 157.6 مليار دولار، بزيادة 28.4 في المائة، مقارنة بعام 2020.

في مواجهة الجائحة، قررت فيتنام أن الاعتماد على اللقاحات هو الحل طويل الأمد، وتسلمت 22 مليون جرعة لقاح، وجرى تطعيم 16.3 مليون جرعة منها، كما قامت الحكومة الفيتنامية بتوجيه الأبحاث ونقل التكنولوجيا وإنتاج اللقاحات، وحتى الآن، نجحت فيتنام في تطوير لقاحين محليين بعد إجراء تجارب سريرية عليهما، هما: Covivac  وNano Covax.

رغم تسجيل هذه المؤشرات الإيجابية، طبيعي أن يواجه الاقتصاد الفيتنامي بعض الصعوبات نتيجة لتفشي جائحة كورونا، مثل توقف الأنشطة في عدد من المؤسسات، وقد بلغت نسبتها 22.1 في المائة، وارتفاع معدل البطالة بنسبة 0.2 في المائة، إضافة إلى التأثير السلبي الفادح على قطاع السياحة، حيث تراجع عدد السائحين بنسبة 97.6 في المائة، وانخفض إجمالي مبيعات التجزئة للسلع والخدمات بنسبة 8.4 في المائة.  

أعود إلى أفغانستان حيث تبدو الصورة أكثر قتامة، وهي الدولة التي تختزن في جبالها ثروات معدنية، تتراوح فيما بين 1 إلى 3 تريليونات دولار، فضلا عن مواردها الحضارية والبشرية الهائلة، وموقعها الجيو- إستراتيجي في قلب آسيا.

 لقد تبددت - بكل أسف - هذه المكتسبات الطبيعية والبشرية والحضارية، في حروب وغزوات خارجية مفروضة عليها، من جانب، وبتواطؤ فج ممن ابتليت بهم من ميليشيات وأمراء الحرب، حاملي راية الإسلام الحنيف، وهو بريء منهم ليوم الدين.

ما حدث، ويحدث، في أفغانستان اليوم، سبق وحذرت من وقوعه علنًا، في سلسلة مقالات وتحقيقات ميدانية، من داخل أفغانستان، نشرتها لي "بوابة الأهرام" الموقرة، بعد زيارتي الأولى لأفغانستان في عام 2018، وتكررت التحذيرات - كذلك - في كتاب صدر لي العام الماضي، بعنوان "بردًا وسلامًا على أفغانستان".

لم أكن أتصور أن زيارتي الثانية للعاصمة الأفغانية كابول، لحضور مؤتمر دولي مخصص لتخليد ذكرى رائد الحرية والتجديد، العلامة جمال الدين الأفغاني، سوف تكون الأخيرة.

فكل المؤشرات المقبضة الآتية من أفغانستان تؤكد أن الإرهاب والتطرف الديني (عدو الحرية والتجديد) قد "كبس على أنفاس" الأشقاء الأفغان، من جديد، ليصبح قدر الأفغان حروبًا للأبد، بدلًا من أن تصبح أفغانستان دولة ملهمة مثل فيتنام.     

هنا يكمن الفرق عند الحديث عن سقوط كابول 2021، وتحرير سايجون 1975. 
 
[email protected]

اقرأ أيضًا:
Advertisements
كمال جاب الله يكتب: هل تعود تايوان للصين قبل 2025 سلميًا؟

فرضت المشكلة التايوانية نفسها، بقوة، على خريطة الاهتمامات الدولية، خلال الأيام القليلة الماضية، وبات تاريخ عودة الجزيرة لأحضان الوطن الأم مسألة وقت.

"ديك اليابان" يفوز بحكمها

بات في حكم المؤكد أن يصوت البرلمان الياباني اليوم على تعيين السيد كيشيدا فوميو رئيسا للحكومة، عقب فوزه بزعامة الحزب الحاكم، وتتعلق الأنظار على ما سوف تسفر

كمال جاب الله يكتب: هل يفوز "الصديق كونو" بحكم اليابان؟

بعد يومين، وبالتحديد بعد غد الأربعاء 29 سبتمبر، سوف يختار الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان رئيسا جديدا له، من بين 4 مرشحين، يتقدمهم في سباق

كمال جاب الله يكتب: "تعظيم سلام" للمرأة الأفغانية

هذا العنوان كتبته نصًا على رأس موضوع مطول، تضمنه كتابي بردًا وسلامًا على أفغانستان ، الصادر في يوم 30 يونيو من العام الماضي.

كمال جاب الله يكتب: تهانينا لـ سايجون.. تعازينا لـ كابول

الأسبوع الماضي، كتبت عن الفرق بين سقوط كابول الكارثي، في أيدي الحكم الديني المتطرف، وبين تحرير سايجون البطولي، من الاحتلال الأمريكي البغيض.

كمال جاب الله يكتب: الفرق بين سقوط كابول وتحرير سايجون

في الملمات والشدائد والحروب، تقاس وتختبر قوة الدول، والأمم، والحكومات، هل هناك ما هو أشد وأقسى مما يواجه العالم الآن من تحديات ومحن ومصائب؟ عندما سلطت

كوبا: "الوطن أو الموت .. سننتصر"

يلجأ الكوبيون إلى استلهام عبارة فيدل كاسترو: الوطن أو الموت.. سننتصر ، تعبيرًا عن تصميمهم على النصر، حتى عندما يعتقد البعض أن كل شيء قد ضاع.

كمال جاب الله يكتب: شكر واجب .. وذهبية لليابان

سببان يدفعانني بشدة لتوجيه الشكر لليابان، أولهما: تعاونها - الإضافي - لبناء مرفق العيادات الخارجية بمستشفى أبو الريش للأطفال بالقاهرة، والثاني: نجاحها

سلامة والحفني و"تسييس" الجائحة

قامتان مصريتان مرموقتان تشرفت بمزاملتهما أمس الأول، والاستماع إليهما، والتعلم منهما، خلال حديثهما الأكاديمي والدبلوماسي والقانوني، بخصوص إعادة فتح ملف

جمهورية السيسي من شرفة البرج الأيقوني

بعد انقطاع عن زيارة العاصمة الإدارية امتد لنحو عام ونصف العام، عدت إليها منذ أيام، لأشهد بعيني ملحمة وطنية، وسواعد فتية مصرية، وصديقة، يرقى إنجازها إلى

يابانيون يهتفون: أوقفوا الأولمبياد!!

بينما يجب ألا يشهد أحد مجددًا اللهب الناجم عن الانفجار الذري، آمل أن تكون الألعاب الأولمبية ناجحة، وأن تستمر شعلتها لفترة طويلة .

أغرب "أولمبياد متحورة" في التاريخ

الباقي من الزمن أيام معدودة لانطلاق أغرب أولمبياد في التاريخ بالعاصمة اليابانية طوكيو؛ حيث ستعقد بدون جمهور وبأقل عدد من التمثيل الدولي، رسميًا ورياضيًا.

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة