آراء

ثابت أمين عواد يكتب: آيس كريم طالبان

21-8-2021 | 12:38
Advertisements

تظل أفغانستان بأهميتها وموقعها، نموذجا يعكس الصراع السياسي محملا بالتاريخ والجغرافيا والعقيدة الدينية.. وأرض الأفغان التي كانت تعرف ب "خراسان"  وتعني مشرق الشمس، نشأ فيها علماء وأعلام المسلمين مثل ابن سينا، والخوارزمي، وعمر الخيام، و الفارابي، وجلال الدين البلخي، و أبو حنيفة النعمان، والإمام البخاري، والترمذي.. 

وإذا كانت تمثل البوابة الرئيسية لآسيا الوسطى في السابق، فقد شاء قدرها اليوم لتصبح مسرحًا للصراع العالمي علي مدى العقود الأربعة الماضية، فقد دفعت ثمنا باهظا لقربها من روسيا التي حاربتها لمدة 14 عاما، واندلعت فيها 3 حروب أهلية أنهكت هذا البلد الطيب أهله،  ثم قامت الولايات المتحدة بغزوها عام 2011 لتنسحب، بأسبابها، أمام زحف حركة طالبان.. 

ولم تكد الحركة  تدخل القصر الرئاسي في العاصمة "كابول"، الأحد الماضي، بعد فرار رئيسها أشرف غني، وانهيار القوات الحكومية، حتي انطلقت، في الجانب الآخر، حملات حرب إعلامية تم إعدادها وتجهيزها لبث الشائعات ونشر الزيف حول سلوكيات المسلمين، وكانت مناسبة نادرة لنصب السيرك الإعلامي لتشويه صورة الإسلام.. 

بداية نوضح ان هناك ممن ينتسب إلى الإسلام، أو من المسلمين يسبب ضررًا للدين، ويقوم "بغرض أو بجهل"، بتشويه مقاصده اكثر مما يفعله أعداؤه، وهذه حقيقة أزلية تتعرض لها العقائد والأوطان في كل مكان وزمان، "اعداء منهم فيهم"، ودائما يسعى المتربصون بالدين للبحث عن مناسبات وفرص للنيل من هذا الدين، ولا توجد مناسبة أفضل من استيلاء جماعة دينية على عاصمة إسلامية ودخولهم القصر الرئاسي فيها، للقيام بمهمة التشويه والترصد واختلاق المواقف وتزييفها.. 

لا ندافع هنا عن طالبان، أو نهاجم حروب القوى العظمى علي أرضها، ولا نتحدث عن الإرهاب أو تهريب الأفيون هناك، لأن ذلك كله من تداعيات سياسة "الولايات المتحدة" المقاول الرئيسي للنزاعات والحروب على الكرة الأرضية، ولكن نعرض لفقرات هذا السيرك الإعلامي الزائف الذي تم نصبه بالتزامن مع انتصار طالبان بعد حروب استمرت نحو 4 عقود، عبر مشاهد تجسد هذا السيرك، بالصور والفيديو لهؤلاء المنتسبين للإسلام حقًا أو زيفًا.. 

اللقطة الأولي جاءت بنشر  خبرٍ مصحوبا بفيديو بعنوان: "عناصر طالبان في القصر الرئاسي في كابول"، و"عناصر طالبان يشربون الشاي في قصر الرئاسه الأفغانيه"،.. وتبين أن الفيديو المتناقل لا علاقة له بدخول عناصر طالبان قصر الرئاسة الأفغاني في كابول، في 15 أغسطس الحالي، بعد أن أظهرت المشاهد أشخاصًا جلسوا على كراس كبيرة في صالون، وهم يتناولون الطعام، عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تبين أن المشهد، بعد تأكد لفريق التحقق بجريدة النهار اللبنانية، أن حقيقة اللقطة تعود لموقف حدث في  12 أغسطس 2021، اي قبل ثلاثة أيام من دخول طالبان إلى كابول، وتظهر "عناصر طالبان في قصر حاكم نيمروز، بعد سقوط مدينة زرنج"، عاصمة الولاية، في يد طالبان.. ولا علاقة لما نشر بدخول عناصر طالبان قصر الرئاسة الأفغاني في كابول..   

وكذلك عندما عقدت الحركة أول مؤتمر صحفي لها في كابول، بعد يومين على استيلائها على السلطة، حاولت طالبان  طمأنة الدول وتهدئة المخاوف سعيًا للاستقرار، إلا أن محاولة الطمأنة والتهدئة، بعيدًا عن مدى مصداقيتها، لم تجد اهتمامًا مناسبًا من قبل السيرك الإعلامي الدولي المشغول بقضايا التشويه علي الجانب الآخر..  

مشهد زائف آخر لصورة رجل يرتدي زيًا أفغانيًا، يحمل في يديه  "آيس كريم" وكان العنوان الذي نشر أسفل الصورة وفوقها: "أيس كريم طالبان".. واكتظث وسائل التواصل الاجتماعي حول الخبر والتعليقات  الساخرة الهادفة إلى تشويه كل ماهو أفغاني، مثل: "إعلان آيس كريم طالبان بالمتفجرات"، و"طالبان توزع آيس كريم على المواطنين".. وتبين أن المصور الصحفي الأمريكي ستيف ماكوري "Steve McCurry"، كان قد نشر الصورة في موقعه الإلكتروني بعنوان: "وجوه من أفغانستان"، وأيضا في حسابه في إنستجرام ، وتويتر. وأرفقها بالشرح مدونا: "رجل يشتري الآيس كريم لأطفاله في "بول الخمري"، أفغانستان، وذلك عام 2002..  

مشهد آخر، تداوله مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، عبر مقطع فيديو يدّعي ناشروه أنه يصوّر "احتفالات لعناصر من حركة طالبان بدخول العاصمة الأفغانيّة كابول، وتظهر في الفيديو مجموعة من الرجال يحملون الأسلحة ويرقصون. وعلّق ناشرو الفيديو بالقول: إن المشاهد هي لـ"احتفالات عناصر حركة طالبان بدخول العاصمة الأفغانية كابول"..إلا أن هذا الادعاء كان خاطئا، والفيديو الحقيقي ملتقط قبل أشهر من حفلة زفاف لأحد المواطنين هناك.. 

أسباب ومسببات هذا السيرك الإعلامي عديدة، من بينها تقصير وعجز ومنع الإعلام والإعلاميين من تغطية الأحداث في منطقتنا، التي بالرغم من أنها المنطقة الوحيدة في العالم التي تشتعل ببؤر الصراع العسكري والسياسي والمذهبي والديني، إلا أنه يندر ان تجد صحفي أو إعلامي واحد منتم للمنطقة ينقل لك الحقيقة، وهنا يكون المجال متاحا لمن يروج لمصالح، ويزيف لوقائع، وإذا نشرت بعد ذلك الحقيقة، فإنه على الأقل حقق في نظره مكسبا، وإن كان مؤقتا.. 
 
[email protected]

اقرأ أيضًا:
Advertisements
ثابت أمين عواد يكتب: مصر والأردن معًا ضد "التصحر"..

جفاف فتصحر فهجرة.. ثلاثة أضلاع لكارثة مكتملة الأركان تتوالد منها مستوطنات عشوائية بامتياز.. ظواهر طبيعية وبشرية كانت في الماضي تبدو بعيدة، إلا أنها اليوم

ثابت أمين عواد يكتب: طموحات فضائية بدون توقف.. (3 - 3)

بعد التعرف على برنامج الفضاء المصري، واستئناف المنظومة لنشاطها عبر خارطة وضعت مدارات فضائية طموحة، واستعراض البرنامج بشقيه، الأول صناعة وبناء وتجميع وإدارة

ثابت أمين عواد يكتب: طموحات فضائية بدون توقف.. (2 - 3)

نعم.. اليوم نستطيع القول: إن الفضاء المصري اليوم يختلف، بعد التعرف عن قرب على منظومة البرنامج المصري الجاد لارتياد الفضاء من خلال مركز فائق التطور لبناء

ثابت أمين عواد يكتب: عند القناة .. تأتي الرياح بما تشتهي السفن..

أي سر في قناة السويس، وأي كيان هذا الذي يقفز على كل الصخور، إما بفعل الطبيعة، أو ما يصنعها أعداؤها، لتوضع أمامه لإعاقته، أي سر تجعله يرتقي فوق العقبات

ثابت أمين عواد يكتب: طموحات فضائية بدون توقف.. "1 - 3"

قد لا تستطيع معرفة عدد هؤلاء المشاركين في إعمار الأرض، ولكنك لن تجد مشقة في التعرف على المهتمين بإعمار الفضاء.. نعم إعمار الفضاء الذي هو مقياس التطور على الأرض والماء والهواء.

ثابت أمين عواد يكتب: نواب سيناء

أثار رحيل أول نائبة برلمانية عن سيناء السيدة سهير جلبانه الأسبوع الماضي، شجون وأحزان أبناء سيناء، بعد أن ترك رحيلها فراغا على المستوى الشعبي والتشريعي

ثابت أمين عواد يكتب: عرب وأجانب على باب مصر

رغم صعوبة الوصول إلى الرقم الدقيق لأعداد العرب والأجانب المقيمين في مصر أو القادمين إليها، إلا أن المؤكد أن أعداد هؤلاء في ازدياد، كما أن هذه الزيادة لا

ثابت أمين عواد يكتب: الاهتمام الرياضي المفقود

كشفت نهاية بطولة الأولمبياد الصيفي في طوكيو، وبطولة الدوري العام المحلي الأسبوع الماضي، عن مدى الاختلالات التي تعاني منها الرياضة المصرية في البطولة العالمية،

ثابت أمين عواد يكتب: البحث العلمي اليوم .. يختلف

تنمو أعداد المراصد والدوريات والتقارير العلمية الدورية الراصدة لمستوى البحث العلمي بما يتواءم مع التطور التقني العلمي في شتي المجالات، لتعكس جوهر هذا التطور ومدي مايحققه للإنسانية..

ثابت أمين عواد يكتب: باني المدن الجديدة في الأصل "كفراوي"..

بتلقائية وعفوية اشتهر بها وتشكلت بها ملامح وجهه المصرية الأصيلة، انتقلت المشاعر الطيبة التي كان يحملها قلبه إلى البسطاء من البشر، وسبقت هذه المشاعر سمعته

المناخ.. شيء من التراث

نواجه حاليًا طقسًا حارًا ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لم نعهدها من قبل، وشهدنا، لأول مرة، سقوط الجليد في مناطق بالجزيرة العربية والخليج،

تونس ليست تونس..

تباينت الرؤى حول ما يحدث في تونس، بعد قرارات رئيسها قيس بن سعيد في 25 يوليو الماضي، والتي أحدثت حالة من الحراك والتحولات السياسية والاجتماعية لم تشهدها البلاد من قبل..

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة