ذاكرة التاريخ

قبل 150 عامًا.. كيف أنارت «سيدة الشمس» ظلمات جنوب القوقاز؟ | صور

20-8-2021 | 11:56
قبل  عامًا كيف أنارت ;سيدة الشمس; ظلمات جنوب القوقاز؟ | صورتمثال برونزي لسيدة الشمس خورشيدبانو ناتافان يتصدر باحة منزلها
Advertisements
محمود سعد دياب

ملأت العالم من حولها أدبًا وعلمًا كما ملأته جودًا وكرمًا.. إنها "خورشيدبانو ناتافان" التي حلت في منتصف أغسطس الحالي ذكرى مولدها الـ189، والتي أُطلق عليها لقب "خورشيدبانو" والتي تعني بالفارسية "سيدة الشمس"؛ وذلك لأن نورها وفيض خيرها كان يصل كل مكان في إمارة كاراباخ الموجودة ضمن أراضي أذربيجان حاليًا، تمامًا مثلما يصل نور الشمس ودفئه كل مكان.

ووفقًا لدراسات تاريخية، فإن سبب سيطرة وانتشار الثقافة الفارسية القادمة من دولة القاجاريين في الجنوب "إيران حاليًا"، أن حكام فارس أو طبقة النبلاء الفرس تحديدًا كانوا يوفرون الحماية والدعم للخانات "الإمارات" المستقلة في جنوب القوقاز، تلك الخانات التي قامت على أنقاض دولة السفافيد، وكانت عاصمتها مدينة تبريز الموجودة في إيران حاليًا، وذلك رغم أن حكام تلك الخانات وأهلها ومن قبلهم ملوك السفافيد كانوا ينتمون إلى قبائل تركمانية في الأساس، لدرجة أن معظم الأعمال الأدبية في ذلك الوقت كانت تكتب بالفارسية مثل الشعر التي قدمته ناتافان وقبلها نظامي كنجوي، بالإضافة للغة التركية التي كانت تكتب بالحرف العربي.

في زمن ناتافان التي توفت عام 1897م، كانت الحرب قد هدأت لتوها بين مملكة قاجار الفارسية والإمبراطورية الروسية القيصرية، والتي أسفرت عن توقيع معاهدة "تركمانشاي" التي حددت نهر أراس كحد فاصل بين الأراضي المتنازع عليها بين الدولتين، لتصبح الأراضي شمال النهر روسية خالصة، أما جنوب النهر فقد آلت إلى الفرس، وبناء عليه تخلى الفرس عن أحلامهم في السيطرة على مناطق نفوذهم السابقة جنوبي القوقاز.

وقد هيأت تلك البيئة المستقرة نسبيًا، الطريق أمام ناتافان لكي تتوسع في الأعمال الخيرية واستضافة الصالونات الأدبية في مقر إقامتها بمدينة شوشا، ليس ذلك فقط ولكن تعزيز التنمية الاجتماعية والثقافية بمنطقة كاراباخ كلها، وبوصفها ابنة مهديقولو خان جافانشير آخر خان "حاكم" في كاراباخ، ووريثة مؤسس الإمارة باناه علي، كانت تحمل على عاتقها مهمة مساعدة الناس خصوصًا البسطاء بعدما انضمت أراضي ملك والدها للسيطرة الروسية رسميًا بناء على معاهدة "تركمانشاي".

صحيفة "قفقاس" الروسية المحلية رصدت عام 1883م قيام ناتافان بتمويل حفر عدة ينابيع ماء كبيرة وعميقة بمدينة شوشا التي كان أهلها محرومون من المياه العذبة، وبالتالي حل مشكلة المياه لسكان المدينة، وقتها قالت الصحيفة إن "خورشيدبانو تركت بصمة أبدية في ذكريات أهل شوشا وستنتقل أمجادها من جيل إلى جيل"، والينابيع التي بنتها ناتافان من أحجار شوشا البيضاء الشهيرة أطلق عليها سكان المدينة اسم "ينابيع ناتافان" واعتبرت أيضًا آثارًا تاريخية لا تزال باقية حتى الآن.

في كتابه "رحلات في القوقاز"، يصف الأديب الفرنسي الشهير ألكسندر دوما، ناتافان بعد لقاءه بها، أن نشاطها الأدبي كان معروف للقاصي والداني بالمدن الروسية ومحيطها حتى الدولة العثمانية غربًا والفارسية جنوبًا، حيث كانت تترأس دائرة أدبية في شوشا يقصدها الأدباء والشعراء من جميع الأصقاع، في مشهد مشابه للخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، وأن نشاطها الخيري والاجتماعي كان سببًا في حب جارف دخل قلوب الجميع نحوها، لدرجة أنها عندما توفت نهاية القرن التاسع عشر، حمل الناس جثمانها لكي تدفن بجوار والدها في مدينة أغدام على بعد 30 كلم شرق شوشا سيرًا على الأقدام.

اشتهرت "سيدة الشمس" بالشعر الغنائي الحزين في معظمه، وذلك حزنًا على ابنها الذي توفى في سن صغيرة، مثل مجموعتي "أنا أبكي" و"لقد رحل"، ومع ذلك فإن شعرها تطرق أيضًا إلى القضايا الاجتماعية، ولا سيما افتقار المرأة إلى الحقوق في المجتمع، ما جعلها تحتل مكانة هامة في تاريخ الأدب والثقافة في أذربيجان، خصوصًا وأنه بينما كانت مشاركات المرأة وقتذاك محدودة في مجالات مثل الأدب والثقافة، إلا اقتحمت ذلك المجال بكل شجاعة وأشعارها كانت تعكس أفكار ومشاعر النساء الشرقيات وتظهر حياة معاصريها وهمومهم وحزنهم، كما تنقل بواقعية وحيوية رومانسية مشاعر وخبرات المرأة الأذربيجانية التي ظلت سرية لسنوات، وكانت تقدم تلك القصائد باللغات العربية والفارسية والأذربيجانية المشتقة من التركية.

وبالإضافة إلى الشعر كانت تجيد فن الرسم أيضًا والموسيقى، وقد اكتسبت تلك المواهب من خالتها جوهر آغا ومُربي قصر والدها الذي ظل محتفظًا به بعدما آلت دولته لولاية قيصر روسيا، وكانت طفولتها بين دروس المربي ومكتبة والدها الضخمة، ما جعلها تتخطى أزمة وفاة والدها عام 1845م وإجبار حكومة القيصر والدتها على الاستغناء عن جزء من أراضي العائلة، وواصلت قراءة أعمال الأدباء باللغة الفارسية مثل نظامي كنجوي ومحمد فضولي وغيرهم، وتأثرت كثيرًا بالأخير حيث أدركت قواعد الشعر الكلاسيكي لكنها لم تقلده تمامًا، ما جعل صالونها الأدبي مقصد الأدباء الروس والأرستقراطيين القادمين من العاصمة الروسية وقتها سانت بطرسبورج.

بعد خمس سنوات من وفاة والدها، تزوجت ناتافان من من الأرستقراطي الداغستاني هاساي خان أوسمييف، واضطرت لمغادرة شوشا وانتقلت للعيش معه لمدة عامين في مكان عمله بمدينة تفليس "تبليسي عاصمة جمهورية جورجيا حاليًا"، لكن لأنه زواجًا لم يكن قائمًا على الحب وقع الانفصال بعد ثماني سنوات وعادت للعيش بمدينة باكو "عاصمة أذربيجان حاليًا" عام 1858، وهناك التقت بالكاتب الفرنسي الشهير ألكسندر دوما، الذي أسهب في كتابه سالف الذكر في الحديث عن ناتافان وعائلتها الملكية، ثم لم تطق الابتعاد عن مسقط رأسها في شوشا لكي تعود أدراجها سريعا لكي تعيد فتح صالونها الأدبي مجددًا، لكن رحلتها إلى تفليس وداغستان قد أثرت في أفكارها، فهناك كانت المدنية والسرعة طاغية بخلاف الهدوء والطبيعة الخلابة في شوشا.

في شوشا عادت الروح إلى جسد "سيدة الشمس"، وأقسمت على عدم مغادرة مدينتها الجميلة والبقاء وسط أهلها حتى نهاية العمر، ما دفعها لمعارضة رغبة أهلها  في عدم الزواج ثانية من أحد أبناء شوشا وهو سيد حسين، وأنجبت منه خمسة أبناء، بالإضافة لولد توفي من زوجها الأول، وخرج من بين الخمسة اثنان سلكا طريق الشعر والأدب هما مهديقولو خان "على اسم والدها" ومير حسن.

ضريح "سيدة الشمس" بمدينة أغدام، يضم عدد من الآثار التاريخية مثل مسجد الجمعة الذي يتصدر المكان، ومنزل كبير بالخلف مكون من سبع غرف يعتمد في إضاءته على الشمس في المقام الأول، فضلًا عن عين ماء يسمى "بئر ماء السلطان أو الأمير"، وأضرحة باقي أسرة باناه علي منها ضريح الأخير نفسه، ووفقًا لـ"بشير حاجييف" مسئول ممثلية رئيس أذربيجان في أغدام، فإن إجمالي مساحة المكان يصل لـ 200 متر مربع منها 50 متر مربع للمنزل، وباقي المساحة موزعة على المسجد وأسطبل للخيول ونادي كاراباخ الدولي، الذي كانت تمارس فيه أنشطة رياضية متنوعة، وكان له فريق يلعب في الدوري المحلي.

وأكد بشير حاجييف، أنه على بعد أمتار قليلة من المكان يقع متحف الخبز، وهو المتحف الوحيد للخبز في العالم وليس له نظير إلا في بريطانيا، موضحًا أن بداية هذا المتحف كانت طاحونة كبيرة لطحن الغلال وتحويلها إلى دقيق للأهالي وعامة الناس في عهد ناتافان وجدها باناه علي، ثم تحولت مع الوقت ودخول الحداثة إلى عملية إعداد الخبز وطحن الغلال إلى متحف يوثق أنواع الخبز المتداولة قديمًا وكيفية صنعها، مضيفًا أنه كان يحوي 300 نوع مختلف من الخبز الذي كان يتم تصنيعه بالمنطقة قديمًا، وكان يتم إعداد بعضها وبيعها للعامة من زوار المتحف، وأيضًا أدوات طهي الخبز وطحن الغلال التي كانت تستخدم قديمًا، مضيفًا أن الدولة تسعى لإعادة المتحف إلى رونقه لأنه لم يتبق منه سوى أطلال وجداره الأمامي علي لوحة جدارية كبيرة نصفها مهشم توضح عملية صناعة الخبز.

فيما يقول علي حازييف مدير العلاقات الدولية باللجنة المركزية لشئون الأديان بدولة أذربيجان، إن مسجد الجمعة في أغدام تأسس بين عامي 1868 : 1870م، ويتكون من مبنى طابقين من الحجارة للمصلين على أن يكون الدور العلوي للسيدات، بالإضافة إلى مئذنتين مبنيتين من الطوب، وصممه المهندس المعماري كربلائي صفيخان القراباغي، وأن المصادر التاريخية تقول إن صديقه الخطاط محمد شوكوهي هو من قام بزخرفة جدران المسجد في شكله الأول، فيما يأخذ باب المسجد شكل قوس ضخم يعود تصميمه المعماري للعهد الصفوي، مشيرًا إلى أن المسجد يضم مربعات متشابكة ودوائر تميز الفن الإسلامي لذلك العصر، خصوصًا النوافذ المطلة من جوانب المحراب والشرفات والتي تضيء المسجد، وهناك أعلى المحراب حُفر اسم الخطاط محمد النقاش التبريزي الذي ساهم في تجديد المسجد عام 1913م.

ويضيف حازييف، أن المهندس كربلائي صفيخان كان له الفضل في إنشاء عدد كبير من المساجد ليس في كاراباخ فقط لكن في أماكن أخرى، حيث يمكن مشاهدة نمطه المعماري بمدينة عشق أباد عاصمة تركمانستان، والمدينة الأوكرانية أوديسا، فضلًا عن مساجد مدن شوشا وأغدام وبرده وفضولي في كاراباخ، مضيفًا أن مسجد الجمعة بأغدام يعتبر من اللآلئ المعمارية الأذربيجانية.

وحاليًا يتصدر ساحة منزلها الواسع في شوشا، تمثال نصفي برونزي لها يبرز جمالها الفتان وهي تقرأ من كتاب، ويقال إنها عملت على رعاية سلالة خيول كاراباخ، ومولت مشاركة تلك الخيول في السباقات الدولية مثل سباق باريس 1867، وموسكو 1869، وتبليسي 1882، وحصلت خيولها على ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية وأنواط الشرف.


منزل خورشيدبانو ناتافانمنزل خورشيدبانو ناتافان

مسجد الجمعة قديما والآنمسجد الجمعة قديما والآن

متحف الخبز قديما والانمتحف الخبز قديما والان

علي حازييف مدير العلاقات الدولية باللجنة المركزية لشئون الأديان بدولة أذربيجانعلي حازييف مدير العلاقات الدولية باللجنة المركزية لشئون الأديان بدولة أذربيجان

خورشيدبانو ناتافانخورشيدبانو ناتافان

صورة أقرب للواقع لسيدة الشمس خورشيدبانو ناتافانصورة أقرب للواقع لسيدة الشمس خورشيدبانو ناتافان
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة