أخبار

ابن شقيقتها وحفيدتها لـ«نصف الدنيا»: د. سهير القلماوي تركتْ لنا 12 ألف كتاب وحُب الناس | حوار

19-8-2021 | 18:01
د. سهير القلماوي
رنا شعبـان

إذا كنت من عشاق زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب فستجد لافتة تحمل اسمها، فهي التي أسسته عام 1969.. ولكن هل تعرف من هي بالتحديد؟ فكل مُحِب يبحث عن تفاصيل محبوبه؛ ليكون قدوة له وأحد السائرين في سبيل نجاحه.. إنها الأستاذة الدكتورة سهير القلماوي التي عشقت الطب، وتمنت أن تُصبح طبيبة كأبيها، ليسوق لها القَدر أجمل الأرزاق وتكون أول فتاة تلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، والوحيدة بين 14 زميلا من الشباب الذين كانت تتفوق عليهم بنبوغها وهذا ما جذب إليها عناية أستاذها د. طه حسين عميد الأدب العربي ورئيس الجامعة آنذاك... ليس هذا فحسب، فهي أول مصرية تحصل على رخصة الصحافة في مصر لتكتب مقالاتها فى مجلتي «اللطائف المصورة» و«العروس»، وفي أثناء دراستها الجامعية تحصل على شهادة الدكتوراة في الأدب لتكون أول امرأة تحقق ذلك.

 

“نصف الدنيا” انفردت بأول حوار عن حياة الرائدة والناقدة يحكيه ابن شقيقتها وابنها "البِكر" الذي تربي في حضنها الموسيقار والمذيع طارق شرارة... وحفيدتها المصممة المعمارية دينا ياسين الخشاب.. في حوار يكشف جوانب وخبايا إنسانية عن الأم والجدة د. سهير القلماوي. 

 

يقول طارق: اسمي طارق شرارة موسيقي وكنت أعمل بوزارة الثقافة وتقلدت مناصب عديدة، وكنت مساعد عميد معهد الكونسرفتوار في الستينيات، أما عن علاقتي بسَهير القلماوي.. فهي خالتي وأمي الثانية التي ربتني.

أما دينا فتقول: ولدت في كندا وعشت فيها 23 سنة، ودرست الهندسة المعمارية فى جامعة ماكچيل فى مونتريال، وبعد حصولي على شهادتين فى العمارة من جامعة ماكچيل، قررت العودة إلى القاهرة عام 2000 وأسست شركة للهندسة المعمارية والتصميم الداخلي وتصميم الأثاث برفقة شريكتي هدايت إسلام.

 

-هل كان لها تأثير في حياتك؟ وماذا تعلمت منها؟

طارق: طبعا تأثير كبير فهي أمي. القصة بدأت أني الخامس وأصغر إخوتي، وكنا نعيش في بيت العائلة بالعباسية، فكانت متزوجة ولم ترزق وقتها أولادا، فكنت «أنا ابنها البِكر» مقيما دائما بمنزلها ومع عمي د. يحيي الخشاب عميد كلية الآداب جامعة القاهرة، وأستاذ اللغات الشرقية آنذاك عشت أجمل الذكريات، فكانت أمي الروحية وأكثر إنسانة أحبتني ودللتني. تعلمت منها حب القراءة، فكان بيتها عبارة عن كتب في كل ركن، في كل غرفة مكتبة تضم آلاف الكتب، عشقت الموسيقي واحترفتها فيما بعد بسببها، فكان بيتها عبارة عن «صندوق الدنيا» كل شيء ممتع وجميل داخله. تعلمت منها الحكمة والصبر وأدب الاستماع. حصلت على الدكتوراة عن “ألف ليلة وليلة” فكانت كلها أساطير وحكايات، فكانت تحكيها لي كل يوم وكانت تشتري لي الكتب المصورة المناسبة لسني. شجعتني على القراءة، وكنت أكتب الشعر، وصدر لي كتاب اسمه “عزف على أوراق زمن” عن تاريخ الحاكم بأمر الله” لم أنشره حتى الآن، وهو كتاب لا يمكن تصنيفه سيرة ذاتية، ولكنه نوع من البوح عن حكايات وأسماء لعبت دورًا في حياتي وأسهمت في تكوين شخصيتي، سواء على المستوى العائلي مثلًا: خالتي أمي الثانية المفكرة العظيمة د. سهير القلماوي، التي تولت تربيتي في البداية، فأنا مدين لها بالفضل في نشأتي الثقافية وتوجيهي في طفولتي إلى سماع الموسيقي الراقية والقراءة باللغات الأجنبية، سواء الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية، وفى المقابل أمي التي كانت تعزف البيانو أمامي في البيت وأنا طفل أحبو.

 

- تعملين في «تصميم الديكور» أحد المجالات الإبداعية، فهل اكتسبت من جدتك د. سهير القلماوي موهبة الكتابة؟

دينا: للأسف لم أكتسب موهبة الكتابة، ولكن اكتسبت منها حب الدراسة الأكاديمية، والفن والتصميم من المواهب الإبداعية، فقد كانت عاشقة للفن والموسيقي وتتمتع بذوق راق في اختيار الديكور والأثاث، إضافة إلى مَلكة الاستماع الجيد للآخرين.

 

- كانت أول مصرية تحصل على الدكتوراة فهي رمز وقدوة للفتيات في ثلاثينيات القرن الماضي.. احكي لنا عن رد فعلك عندما يتحدث الجميع أمامك عن امتيازها الأدبي؟

دينا: أكون فخورا لكونها أول امرأة تمتاز بهذا التفوق، وهذا ما يدفعني للاجتهاد أكثر لأنها كانت قدوة في الإصرار على النجاح، لا تميز أبدا بين الفتاة والصبي، ولكن كانت دائما تدعم الإنسانية بشكل عام وبخاصة المرأة للحصول على حقوقها.

 

 كانت تجمع الأحفاد وتحكي لنا الحواديت

 د. جابر عصفور وچيهان السادات وفاروق شوشة تلامذتها

 

- احكٍ لي عن ذكرياتك مع جدتك وماذا تعلمت منها؟

دينا: جدتي كانت جميلة قلبا وقالبا، ورغم أني كنت صغيرة السن فإن ذاكرتي ممتلئة بذكريات لطيفة مثل الحكايات والحواديت، كانت تجلس معنا ساعة يوميا تحكي لنا الحكايات إضافة إلى حدوتة قبل النوم، كان لها هي وجدي د. يحيي الخشاب مكان معين بالمنزل يجلسان أمام بعضهما يتسامران ويقرآن الكتب.

 

- هل قرأت إحدى رواياتها أو مقالاتها؟

طارق: طبعا، وأنصحك بقراءتها. من أجمل مؤلفاتها أحاديث جدتي، وألف ليلة وليلة، وأدب الخوارج، وفي النقد الأدبي، والشياطين تلهو وكتاب رائع كان بمثابة تأبين لأستاذها طه حسين صادر عن دار المعارف. كانت سيدة استثنائية على الأصعدة كافة.

 

- وماذا عن قصة الحب بين د. سَهير القلماوي ود. يحيي الخشاب؟ 

طارق: كانت قصة حب جميلة جمعتهما في جامعة «السوربون» بفرنسا، حيث سافرت خالتي لمناقشة الدكتوراه وفي الوقت نفسه سافر بعدها د. يحيي الخشاب وقررا إعلان خطبتهما، ثم عادا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يحبها بشدة ويدعمها، وهي أيضا كانت زوجة مثالية وأما عظيمة.

 

-ماذا عن روتينها اليومي... هل تتذكر بعضه؟ 

طارق: كانت تستيقظ يوميا في الصباح الباكر مع د. يحيي الخشاب، تحضر «القهوة الفرنساوي» في ركن معين لهما يتسامران معا، كانت رائحة القهوة تعبئ المنزل كله، ثم تحضر الإفطار، وكانت تصنع طبقا مميزا خاصا بها اسمه «الخلطبيصة»: «فول وطماطم وبيض مع قطع سجق أو بسطرمة، ثم ينزلان معا إلى  الجامعة. والقراءة ثم القراءة بالساعات.. كل واحد منهما له غرفة بمكتبة ضخمة، ومن كثرة الكتب لم تكن عندهما صالونات. كما كانت تعشق الموسيقى الكلاسيكية مثل “البوليرو” للموسيقار موريس رافل والمتتالية لجيل بيرد، وشهرزاد  لكورساكوف، وبعد فترة الستينيات أصبحت عاشقة للسيدة فيروز بشكل كبير. 

 

-احك لي عن مواقف لها لا تستطيع أن تنساها؟

طارق: يصمت لوهلة ويبتسم قائلا: أتذكر في طفولتي عند ذهابي للمرة الأولى إلى «الروضة» أو الحضانة، أنها التي أخذتني وأدخلتني الفصل وشجعتني، وبعدها بساعات نادتني المُدرسة أمام كل الأطفال، وطلبت الإسراع إليها لاستلام «طرد مخصوص» لي. (يضيف ضاحكاً) متخيلة طفلا عمره ست سنوات يأتيه طرد بطابع البريد وداخله لعبة وهدية وكارد خاص لي، لتشجعني وأصبح مميزا في الفصل. وأتذكر موقفا آخر ضاحكا؛ عند ظهور نتيجة الثانوية العامة وحصولي على مجموع 62 % أخذت توبخني قائلة «أنت مبسوط وفرحان بالمجموع ازاي؟» كان حينذاك مجموعا كبيرا ولكنها كانت تريدني الأول دائما، ثم التحقت بعد ذلك بوزارة الثقافة وكنت مديرًا للعلاقات العامة لنائب رئيس الوزراء د. عبدالقادر حاتم، الذي كان وزيرا للثقافة والإعلام والسياحة، وبعد فترة أصبحت مقدما ومعدا للبرامج في الإذاعة الأوروبية باللغة الإنجليزية لمدة ثلاثين سنة، وقدمت العديد من البرامج ثم درست بمعهد الكونسرفتوار، وحصلت على ثلاث جوائز عالمية للموسيقى، ثم أصبحت سكرتيرا لعميد المعهد العالي للموسيقي وكان إيطالي الجنسية. 

 

- ماذا عن نوادرها مع عمالقة الأدب العربي مثل د. طه حسين؟ 

طارق: د. طه حسين كنت أراه دائما في منزلنا وكنت أستغربه، فهو رجل طويل القامة بنظارة سوداء يصحح لها الأخطاء ويعلّمها، هو منّ دعمها لدخول قسم اللغة العربية بكلية الآداب، حيث كانت الفتاة الوحيدة بها. وخلال دراستها كتبت كتابا لطيفا اسمه «أحاديث جَدتي» وكتب لها طه حسين المقدمة من ثلاثين صفحة، وتتلمذ على يديها الكثير مثل د. جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق.. والشاعر فاروق شوشة.. والسيدة چيهان السادت.. وأتذكر أنها كانت «شبه مقيمة» عندنا لأن خالتي هي من أشرفت على رسالة الدكتوراة الخاصة بها.

 

- هل تتذكر استعدادها لإطلاق معرض القاهرة الدولى للكتاب للمرة الأولى عام 1969 وماذا عن التفاصيل؟

طارق: بالتأكيد.. خالتي كانت علامة مصرية أدبية وسياسية بارزة، فهي من شكلت الكتابة والثقافة العربية من خلال كتاباتها، وهي صاحبة فكرة أول معرض كتاب فى الشرق الأوسط وكان وقتها يقام في دار الأوبرا المصرية مكان المتحف الفني الإسلامي وكان بالنسبة لها حُلما وأمنية.. أتذكر حين انطلقت أول دورة للمعرض عام 1969 كانت قلقة وكانت تجمع أوراقها وترتب الاستعدادات. كانت تتمنى أن يمتلك كل مواطن مصري كتابا.. ويقرأ.

 

- جميعنا نعرف د. سهير القلماوي الأديبة...دعنا نتعرف منك إلى سهير القلماوي “الأم” كيف كانت؟ هل كانت حازمة وما نصائحها الدائمة لأحفادها؟

يضحك: «مافيش صالونات..كله كتب» بيت خالتي كان عبارة عن كتب، كانت أهم من الطعام والشراب، كما كانت شديدة..ليست عنيفة ولكنها حازمة في التربية مع طلابها بالجامعة، كانت تقرأ القرآن الذي تعلمته علي يد والدها د. محمد القلماوي. كانت بمثابة أم حنون، وزوجة مُحبة، وصديقة مخلصة وأستاذة عظيمة. تخرج من تحت يديها الآلاف، وكانت نصيحتها الدائمة قبول الآخر، والقراءة ثم القراءة وتطوير الذات.

 

-إذا تخيلت أنها أمامك الآن... ماذا ستقول لها؟

يقول طارق والدموع تختلط بابتسامته: أقول لها «وحشتني... أدعو لك يوميا بالرحمة.. يارب تكوني مبسوطة في مكانك وفخورة بأولادك وأحفادك».

 
نقلاً عن نصف الدنيا
اقرأ ايضا:
الاكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة