راديو الاهرام

محمد الشاذلي يكتب: حادث فجر الثلاثاء على طريق دهشور

19-8-2021 | 14:46

 حولت الحكومة طريق دهشور المهترئ إلى طريق جميل بكل المقاييس بعد أن كان السير فيه مخاطرة كبرى، وزادت إضاءته ونظافته وجودة الأسفلت، ثم المحال التجارية من مطاعم وكافيهات على أحدث طراز، لكنها نسيت وضع إشارات مرورية، وأقصد ضوئية تحديدًا، علها تخفف من تهور السائقين..
 
 ولم أكن أتصور وأنا عائد من طريق دهشور إلى منزلي فجر الثلاثاء الماضي أن أشاهد جثة تم تغطيتها فيما تتسرب منها الدماء نحو عجلات سيارة إسعاف لم تحملها بعد.. أو لن تحملها أبدًا، فمعلوماتي أن سيارات الإسعاف لا تسمح بنقل موتى.. هناك ضحايا آخرون لم ألحظهم وسط حطام ثلاث سيارات على الأقل، وجمهرة من الشباب أمسكوا بكشافات هواتفهم المحمولة ليرشدوا السيارات القادمة بسرعة جنونية.. هذا المشهد سيظل في رأسي طويلا.. كما ستبقى رائحة الموت فوق المكان لأزمنة لاحقة، إنه الموت الذي سنصل إليه جميعًا، لكن لا أحد منا يسعى إلى أن يكون عنيفًا وقاسيًا إلى هذا الحد.
 
طريق دهشور بات طريق سباق للسيارات، سباقًا مدبرًا أو عفويًا أو يجري مصادفة في عناد البعض نحو من يسبق الآخر، والذي غالبًا لا نعرفه، أو يكون قد نظر إلينا شذرًا أو استهزاء.. هو طريق ستجد فيه أحط أنواع النفس البشرية وسيلة للتعبير والإيضاح وفرصة للجنون..
 
ما الذي حدث في طريق دهشور؟
 
كان القادم من طريق الواحات في اتجاه ميدان جهينة يتمهل لطبيعة الميدان، ثم يقرر الالتفاف يمينًا، ثم يتجه يسارًا ليستلم وصلة طريق دهشور التي تقوده إلى بوابة طريق الإسكندرية الصحراوي، ويتذكر كثيرون كم كان هذا الطريق رديئًا للغاية، برغم أنه يفتح على كل بوابات ومداخل أحياء الشيخ زايد وعدد من المنتجعات السكنية الراقية.
 
قامت الحكومة بعمل جليل، حيث وفرت الالتفاف في ميدان جهينة وأقامت كوبري فوقه للقادم من وإلى طريق الواحات، وأعادت الرونق، أو بالتحديد  صنعت تحديثًا هائلًا أدى إلى شكل جديد مبهر للطريق.
 
وبدت الحكومة وكأنها تجاوزت المجتمع، وصنعت معجزة حقيقية لم تكن منتظرة، بينما منظومة الطرق بشكل عام هي شاغل الدولة، وأحدثت فيها منجزات هائلة.
 
ولكن هنا بدأت المأساة.. هل كان الطريق القديم الرديء أقل حصدًا للأرواح، أقل صنعًا للجنازات والإصابات، وهل الطرق الجيدة تقودنا إلى النار؟..
 
وضعت أجهزة المرور حدًا أقصى للسرعة على طريق دهشور هو ثمانين كم في الساعة، وأعلى كوبري ميدان جهينة المفضي إليه هو ستون كم في الساعة، وقالت إن السرعة مراقبة بالرادار.. وإلى هنا ظن المرور أن دوره ينتهي.. لأنه لا توجد إشارات ضوئية ولو على سبيل التحذير.. ولا يوجد عنصر بشري واحد من المرور أو سيارة واقفة أو متحركة تنتسب للمرور..
 
في حوادث السباقات المحمومة على طريق دهشور أصبحت على قناعة بأن العنصر البشري وراء الحوادث المرورية، وكنت قبل ذلك أسخر من تلك المقولة، لأنني أشاهد سرعات جنونية، لا يكفي معها أن تكون قائد سيارة محنك، لتفادي الموت، فقد يأتي الخطر من الغير وهو ما يحدث كثيرًا، لكن لا يمكن أن تكتفي أجهزة المرور في الجيزة أو في أي محافظة تضم طرقًا للموت، بقانون المرور وغرامات الرادار، أو تتعلل بانتظار صدور قانون المرور الجديد من مجلس النواب.
 
وكل قانون جديد أو إضافة مواد جديدة للقانون القديم لا تلاحظ فيها شيئًا إلا تغليظ العقوبات المالية وزيادة الغرامة، وهذه لا تنقذ الأرواح، إنما تزيد من الجباية المرورية، فالذين ينطلقون في الطرقات الجيدة بكل هذه السرعات كعربات النار أو القذائف، لا يمكن أن تثنيهم الغرامات الباهظة.
 
وكل من ينطلق تحت سمع وبصر رجال المرور بسيارات زجاجها "فاميه" لن تردعه أي غرامة، والقصة ليس في تحطم سيارته أو إصابته أو موته في أسوأ الأحوال، ولكن في تدميره لسيارات الآخرين وحصده لأرواحهم، أكثر من ذلك في إصابة من يشاهد هذه السيارات الفاميه بالاكتئاب القومي..
 
وصلت إليَ شذرات من القانون الجديد مثل عقوبة "النقاط" المرورية التي سوف تخصم وفقًا لنوع المخالفة، أو تلك المرتبطة بسيارات نقل القمامة.. كل هذا لا قيمة له من دون أن نباشر أمرين عاجلين: التوعية الإعلامية والإرشادية بخطر الحوادث من خلال برامج الراديو والتليفزيون وعلى الطرق السريعة التي تحفل بكل أنواع الدعايات، فيما تتوارى في خجل، أي تحذيرات مرورية، إن وجدت. 
 
والأمر الثاني هو في تركيب ومراجعة الإشارات الضوئية في الميادين والطرق السريعة ووضع عناصر بشرية ثابتة ومتحركة، تترقب وتطارد المنفلتين، ليستقر في ذهنهم أن أحد رجال المرور سيظهر في أي وقت، كان لدينا مدرسة كونستبالات مرور، لماذا لا نستعيدها الآن؟
 
أما أماكن عبور المشاة فهي في حاجة لتكليف القانون بتحديد ومراجعة على الأرض لهذه الأماكن، فعبور المشاة يكاد يكون مستحيلًا في بعض الطرق، ويحتاج العابر من كل الأعمار إلى معجزة كونية لكي يمر إلى الجانب الآخر من الطريق.. وكذلك تحديد ارتفاع الأرصفة التي تصل إلى ما يقرب من نصف متر في بعض الشوارع حتى تصعب على كثيرين الصعود إليها، ربما تكون هذه من اختصاص المحليات، لكن لا أرصفة مناسبة للمشي في مصر إلا في أرصفة مصر الخديوية في وسط القاهرة وبعض من طرق صنعتها المصادفة.
 
وأخيرًا لابد من حل بالنسبة للسيارات الفامية في الطرق المصرية وهي غالبًا سيارات منفلتة على الطرق وتفعل ما يحلو لها وتسبب الغيظ والكمد للغالبية، التي ترى الفاميه فوق زجاجها ولوحاتها المعدنية.. هذا فضلا عن البذاءة في استخدام السلطة؛ حيث يكرس التمييز..

كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة