راديو الاهرام

د. شيرين الملواني تكتب: من أشعل حرائق الجزائر؟

16-8-2021 | 15:08

الغالبية العظمى من المصريين لا يعلم شيئًا عن الجزائر وشعبها وعن طبيعته الأمازيغية وعن مامر به عبر التاريخ، ولا تجد لدينا سوى معطيات ضئيلة تنصْب أغلبها فى مشاهدة فيلم (جميلة بوحريد) للراحلة ماجدة الصباحى بل تجدنا نحمل الكثير من الغضب والحنق تجاه هذا الشعب من خلال منظور مباريات كرة القدم فقط، خاصة مباراة مصر معها فى نهائى كأس أمم إفريقيا 1984 بالجملة الشهيرة للعملاق محمد لطيف :(عايزين يضيعوا الماتش يا عُبطا)... أما الجيل الحالى وخاصة الشباب يحمل الكثير من الذكريات العدوانية على خلفية مباراة (أم درمان) ؛ ولم يسمع عن تاريخها بسبب علو صوت إستغاثة المطرب (محمد فؤاد) بعد مباراة عام 2009!

إنها دولة غنية بالثروات ذات طبيعة قتالية وإصرار يدرس يحملها شعبها ؛ لذا كانوا من أوائل سكان شمال إفريقيا الذين دخلوا في الإسلام وشكلوا قوته الضاربة ، ذلك الشعب المُبتلى والذي لم يستفد من ثرواته ليومنا هذا نظرًا لأنه لم يَذُق الإستقرار إلا سنوات معدودة غير كافية ليشعر بالمردود الملموس إقتصاديًا وسياسيًا ، الجزائر التى أحتُلت عام 1830 بعدما ضرب (الداي حسين) - حاكم العاصمة- القنصل الفرنسى على وجهه بمروحة يده ثلاث مرات وذلك عندما لم يجب القنصل على السؤال المشروع : أين ديون فرنسا للجزائر؟؛ ومن واقع إستعادة هيبة الملكية الفرنسية- حتى بعد قيام الثورة - والتوسع الاستعماري ورغم سقوط حكم أسرة البوربون إلا أن فرنسا لم تتحكم فى أطماعها تجاه تلك الكعكة الدسمة فاحتلت الجزائر واتبعت سياسة تهجير مزارعي أوروبا والأيدي العاملة إلى أراضيها للغرف من ثرواتها ؛ ولمدة 132 عام تعددت أشكال المقاومة وقادتها - أبرزهم عبدالقادر الجزائري- حتى جاءت جملة (شارل ديجول) الشهيرة (أما آن للجزائريين أن يحددوا مصيرهم) بعدما اعتلى الرئاسة عام 1959؛ فأتهمه الشعب الفرنسى بالخيانة بل وكان مطلبه ذريعة لإنقلاب عسكري فاشل على نظامه ؛ حتى نجح الشعب الجزائرى وحصل على استقلاله عام 1963 بعد فقده لمليون شهيد، ويأتى السؤال :هل تحررت الجزائر؟

تحررت الجزائر من المستعمر لكنها لم تتحرر من مشاكلها وصعابها حيث لم تستفْق الجزائر من عام التحرير إلا على حرب الرمال على الحدود مع المغرب ظلت ليومنا هذا مصدرًا للتوتر أو لمناوشات مُسلحة كل حين ، ولم تسلم تلك الدولة من إنقلاب عسكرى وصراع على السلطة قام به (هوارى بومدين) على نظيره (أحمد بن بلة) لدحر الحكم الفردى ، لكن تتوالى الأيام وينقلب حكم بومدين لدحر رفاقه وإيداعهم السجون وتصفيتهم والتشتت عن النهضة بالبلاد من أجل تصفية الحسابات، وعلى الرغم من بعض محاسن فترة حكمه خاصة على مستوى القضية الفلسطينية وتواجد الجزائر دوليًا ووقفته مع مصر فى حروبها إلا أن المُحصْلة هى فشل مشروعه التنموي الاشتراكى وما أعقبه من ضياع لثروة الجزائر النفطية وتقهقر فى الإقتصاد.

ثم كانت أسود وأسوأ سنوات الجزائر ؛ عندما دخلت البلاد فى نفقِ مظلم من الحرب الأهلية فيما عُرِف بـ(حرب العشرية السوداء) حيث ألغت الجزائر الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية بعد الفوز الذي حققته الجبهة الإسلامية ؛ فنشب الصراع المُسلح لسنوات منذ يناير 1992 متبوعًا بسلسلة من المذابح تستهدف الأحياء والكثير من القرى التى أُبيدت أغلبها عن بكرة أبيها وكانت الحصيلة ربع مليون ضحية وخسائر اقتصادية تعدت الـ 25 مليار دولار ونجح الجيش بعد عشر سنوات من المذابح فى إنقاذ البلاد من جمهورية شبيهة بالنظام الأفغانى.

واندلعت الأسبوع الماضى حرائق فى الجزائر مُخلفة ضحايا كُثر ، وتأرجحت البيانات بين توجيه الاتهام للتغييرات المناخية وبين الفعل العمدي، وإذا كانت ظاهرة الحرائق قد طالت العديد من الدول الأخرى نتيجة للمناخ إلا أن ملابساتها على أرض الجزائر الشقيق تدعو لتفعيل نظرية المؤامرة وذلك بعد هزيمة إخوان الجزائر فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة ؛ حيث تلقوا أكبر صفعة من الناخب الجزائرى بعدما شحنوا كل قوتهم الدعائية وبعدما استعرضوا كالعادة مُسلمْة فوزهم وبعدما غازلوا المواطن بشُهداء ثورة التحرير والقضية الفلسطينية وحتى استغلال نجوم المُنتخب الجزائرى لكرة القدم كعنصر خادم لحملاتهم الدعائية ؛ مما جعل صدمة تلك الجماعة مُضاعفة بعد سقوط حزب (جبهة العدالة والتنمية) الإخوانى، وعلا صوتهم بالتهديد والوعيد وبإشاعة الفوضى كعهد استراتيچيتهم فى كل البلدان ؛ وجاءت الحرائق وتكاتفت المؤسسات في الجزائر والشعب وثبت تورط العديد من الجناة بتعمد اشعالها وتعمد إثارة الفتن بين أبناء الشعب الواحد وهو ما ظهر على الساحة من قتل وسحل لمشتبه به فى التخريب ثم اكتشاف كونه من المُسعفين - جمال بن إسماعيل - فنان بولاية المدية- مما أوجد تناحر بين الولايات كنوع من الثأر لشخصه.

هذه حيل جماعة الإخوان المسلمين ومن خلفهم ذراعهم القتالى من تنظيم داعش حيث يتبارى الجناحان للرجوع للمشهد الجزائرى؛ الأولى لاعتلاء السياسة لأول مرة منذ عزل بوتفليقة الذي كَفِل لهم حياة آمنة وشهدوا توسعة لنشاطهم خلال فترة حكمه بالتراضى وبالصفقات والثانى الجماعات التكفيرية التي تسعى لمشهدية العشرية السوداء لتحويل الجزائر لأفغانستان جديدة حيث تتشابه الطبيعة الجغرافية بين البلدين مما يجعلها بؤرة خصبة للتنظيمات التكفيرية.

ستتغلب الجزائر وشعبها على كل صعب كما تغلبت على كل الكبوات فهو شعب مقاتل يحمل الكثير من لين القلب والود والكرم وقبلهم الأفق الرحب ، لا يستطيع أحد أن يفرض عليه حكم ديكتاتورى ، كما أنه شعب طارد للأيديلوچيات الهدامة، سيطفئ الله نيران فتن الجزائر، وسيجعلها آخر الحرائق وسينعم شعبها بثرواته فى ظل الاستقرار حفظ الله الجزائر وشعبها وأدام العروبة بيننا.

كلمات البحث
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة