راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: الطاقة المتجددة ... مفارقات تاريخية

15-8-2021 | 17:47

لأسباب مختلفة وعبر عقود لُضمت حباتها في مسبحة الزمن، ارتبطت الطاقة المتجددة بمواقف فارقة في تاريخ مصر والعالم، فحين قررت مصر بناء السد العالي، كونها دولة مصب، وآخر من يمر به نهر النيل في رحلته إلى البحر المتوسط، وكأنه - النيل - يأبي أن يشرب أحد منه بعد مصر، في رسالة تحمل خصوصية مفرطة لارتباطه بالمحروسة.

سعت مصر لتدبير التمويل اللازم لبناء السد من خلال اتفاقيات حكومية ومؤسسات دولية، وبعد السير في بعض الإجراءات سحبت كل من أمريكا وإنجلترا عرضيهما، ومن ورائهما البنك الدولي، فما كان من الرئيس جمال عبدالناصر إلا أن اتخذ قراره بتأميم قناة السويس، وما زال صدى صوته القوي يرن في ميدان المنشية بالإسكندرية (تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية....).

على إثر قرار التأميم، سحبت الشركة المرشدين السياحيين بهدف إحراج الحكومة المصرية، فما كان من مصر إلا أن أثبتت قدرتها على تشغيل القناة بيد أبنائها، لتشن بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل عدوانها الانتقامي على مصر عام 1956، وهو ما عُرف بالعدوان الثلاثي.

وللمرة الثانية، يظهر الارتباط الوثيق بين الطاقة المتجددة، ممثلة في مشروع السد العالي، والتاريخ، ولكن من الوجهة العالمية، إذ ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية توارت خلفها القوتان العظميان اللتان تقاسمتا العالم لعقود طويلة ضمن اتفاقية سايكس بيكو.

تراجعت أمريكا عن مساندة العدوان، وخيمت على فضاء الأمم المتحدة أجواء ترقب وقلق، لتعلن الدول الثلاث انسحابها من منطقة القناة، ولتمول مصر مشروع السد العالي وتنشئ معه أول شبكة موحدة للكهرباء تمتد من أسوان إلى القاهرة.

أيضًا، كانت ثورة 30 يونيو 2013 تمهيدًا لقانون 203 لسنة 2014، بشأن تحفيز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، فبصدوره نُظمت العلاقة بين المؤسسات الحكومية وبعضها بعضًا، ممثلة في هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة والشركة المصرية لنقل الكهرباء، وبين المؤسسات الحكومية كافة والقطاع الخاص، عبر تحديد أنماط عمل تشمل آلية تعريفة التغذية، والمناقصات التنافسية.

فبموجب آلية تعريفة التغذية، تعلن الدولة عن رغبتها في شراء طاقة كهربائية من مصدر متجدد بأسعار محددة سلفًا، كما تم في مجمع بنبان للطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، 32 مشروعا بقدرة إجمالية 1465 ميجاوات، واستثمارات تفوق 2 مليار دولار، عكست جاذبية الاستثمار في مصر.

في حين تعتمد المناقصات على التعاقد مع صاحب أقل سعر تنافسي وأبرمت مصر من خلال هذه الآلية عقود مع مستثمرين محليين وعالميين بأسعار قياسية، أبرزها مشروعات طاقة الرياح في منطقة خليج السويس على ساحل البحر الأحمر، الثري بموارده الطبيعية، بترول ورياح، والمنتظر أن تتجاوز إجمالي قدراتها 2000 ميجاوات.

من هنا جاء قانون 203 وما تبعه من قرارات لمجلس الوزراء، جراء مخاض طويل مُورست قبله آليات ومنهجيات عمل مختلفة كان أبرزها ما قامت به هيئة الطاقة المتجددة من مشروعات تم تمويلها من خلال اتفاقيات قروض بين الحكومة المصرية وحكومات الدول الصديقة، أنشأت من خلالها مجمعي الزعفرانة وجبل الزيت لطاقة الرياح، بقدرات تجاوزت 1000 ميجاوات.

أما المحطة التالية للطاقة المتجددة فكانت نتاج فيروس كورونا المستجد، إذ تنامت على إثره الدعوات لتحقيق الحياد الكربوني، أو ما أُطلق عليه صفر انبعاثات، وإعلان أكثر من 130 دولة أهدافها في هذا الإطار، وكذلك ارتفاع الاستثمارات العالمية العام الماضي لنحو 300 مليار دولار.

وهكذا ترافقت طفرات الطاقة المتجددة بالتاريخ، وليترقب العالم ما سيسفر عنه مؤتمر جلاسجو للمناخ نوفمبر المقبل، وما ستلعبه الطاقة المتجددة من أدوار رئيسية.

[email protected]

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة