ذاكرة التاريخ

في عيد "وفاء النيل".. قصة "عرائس النهر" من أفلام السينما لوقائع التاريخ| صور

15-8-2021 | 16:49
في عيد  وفاء النيل  قصة  عرائس النهر  من أفلام السينما لوقائع التاريخ| صورعروس النيل بين الحقيقة والأسطورة
Advertisements
محمود الدسوقي

كان المصريون يقسمون السنة الزراعية لثلاثة أقسام، وهي الفصل الزراعي الأول، ويبدأ من توت وبابه وهاتور وكهيك، والفصل الزراعي الثاني، وهو الحصاد، ويبدأ من أمشير، برمهاد، وبرمودة، وفيه التحاريق، والفصل الزراعي الثالث، هو الفيضان، وهو يبدأ من بشنس ويؤنة وأبيب ومسري، الذي يوافق شهر وفاء الفيضان، وفى 15 أغسطس تبدأ الاحتفالات الصاخبة بعيد وفاء النيل، حيث تقوم عرائس النيل بالرقص على نغمات مخصوصة، وينادي المطوفون المبشرون بزيادة نهر النيل، فيما تعج القاهرة بنغمات المزمار والطبول.

تري من أين جاءت أسطورة "عروس النيل" وإلقاء أجمل فتيات مصر فى النهر المقدس؟، تلك العروس التى جسدتها السينما المصرية فى الفيلم الشهير "عروس النيل" من بطولة لبنى عبدالعزيز ورشدى أباظة ستينات القرن الماضي، والتى تملكت أذهان الناس.

المؤرخون بدورهم يحدثوننا عن جذورها التاريخية، ويؤكدون أن واقعة قيام أقباط مصر بالحديث مع الصحابى الجليل عمرو ابن العاص عن جارية بكر تلقى فى النهر بعد أن تتزين بأحلى الثياب واقعة ضعيفة، حيث يؤكد الدكتور محمد حسنين هيكل، وعبدالقادر حمزة، ومعهم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بأنها غير حقيقية، فسند الرواية التاريخية مجهول وضعيف، وهو محض خيال.

المؤرخون يؤكدون أن المؤرخ الأغريقى بلوتارك هو السبب الرئيسى فى ترويج تلك الأسطورة، وإلقاء عروسة أنثي بشرية فى النيل بدلا من الطين والخشب والقمح، وسبب الخرافة الحقيقى أن بلوتارك استلهم أسطورة أغريقية، خلاصتها أن "أجيبتوس" ملك مصر استلهم الوحى لاتقاء الكوارث الطبيعية التى نزلت بالبلاد فى عهده، فنصحه الكُهان بإلقاء ابنته فى النهر ففعل، وحزن عليها، ثم ألقى بنفسه فى اليم حزنا عليها.

ولم تثبت فى النصوص المصرية أو السجلات ما يؤكد إلقاء عروسة أنثي، وإن كان ثبت إلقاء أطعمة وعرائس من الطين والحلوى وأرغفة خبز، المؤرخون الذين رصدوا احتفالات وفاء النيل قدموا صورة لما يحدث فالرحالة ثيفنوت فى القرن السابع عشر الميلادى، أكد أنه شاهد فى عام 1657م احتفال فيضان النيل فى جبر الخليج، ورأى الذبائح تُنحر، وشاهد إلقاء تماثيل من الخشب تمثل رجلا وامرأة، أما الرحالة والمؤرخ إلكسندر موري فقد ذكر أنه شاهد فى 15 أغسطس وبالقرب من جزيرة الروضة احتفالات المصريين بالنيل، ويذكر مخروط من الطين كانوا يسمونه "العروسة"، وقد تصور المصريون القدماء أن النيل ينبع من دموع إيزيس على زوجها وحبيبها أوزوريس، فيما تصور العرب أن النيل ينزل من السماء. 

وفي العهد الفاطمي، كان لعيد وفاء النيل الذي هو مولد النيل طقوسه المعهودة، ويؤكد المقريزي في تاريخه بأن الأسواق تتعطل، وتصرف فيه الكسوة لرجال الدولة، ومنها مأكولات مثل التمر القوصي والموز والهريسة المصنوعة من لحم الضأن والدجاج والبقر، وكان الناس يتراشقون بالماء ويتصافحون بالجلود، ويرجمون أنفسهم بالبيض، وكانت تكثر فيه المجون والخلاعة في الطرقات، وقد توقفت الاحتفالات فى عهد المماليك؛ بسبب أحداث الهرج والمرج، إلا إنها سرعان ما تعود ثانية. 

الباحث عبدالغنى النبوى شال فى دراسته عن "عروس النيل" عام 1964م ، أكد أن عروسة النيل ليست اختراعًا محضًا، فالمصريون لديهم تصور بأن النيل متى فاض فأنه يدخل على أرض مصر كما يدخل العريس على عروسه، وقد كانت هناك أغنيات يتم ترديدها فى النهر وخاصة للشلباية العروسة، وقد جمعها الأثري ماسبيرو من أفواه أهل الصعيد فى نهايات القرن التاسع عشر  وبدايات القرن العشرين، حيث كانوا يرددون ويتغزلون فى العروسة "لو كان خديدى" تصغير للخد "كنت عديتك"، أما أهل النوبة فيرددون: "أيها الفيضان الهائل أجلب الخير واحمل لنا الطمى الجديد، أعدوا القوارب إلى الجزيرة، سنبذر فيها الحب، جدف وحاذر، جدف بقوة فالفيضان ثقيل، أيها البحر أتريد عروسك"ن  أما فى الأفراح فكان الغناء:"البحر زفة العرسان ياما فيها أخويا زى عود الزان"، وفى عهد الحملة الفرنسية قام نابليون بونابرت بالتصمم فى المشاركة فى إلقاء عروسة من الخشب فى النيل، فيما استمرت الاحتفالات بالرقص والغناء وعرائس النيل حتى فى عهد محمد على باشا. 

أما فى عام 1923م فقد نشرت الصحف احتفال وفاء النيل قائلة: "حفلة وفاء النيل المبارك وخروج العقبة إلى فم الخليج " خرجت العقبة من مرساها بقصر النيل إلى فم الخليج مزينة بالأعلام وفيها الموسيقى العسكرية وفصيلة من المدفعية والبوليس تقطرها إحدى البواخر النيلية المقلة لكبار المدعوين، وكانت الحفلة بالغة الرونق والبهاء فجاء أصحاب الدولة والمعالى إلى العاصمة خصيصا كى يشاهدوا فى هذا المكان المعتاد فى فم الخليج وفاء النيل، وقد وزعت الخلع والتشريفا،ت وأطلقت المدافع والألعاب النارية ثم جلس المغنون يغنون، أعاد الله هذا العيد بالخير والهناء".


أرشيف الصحف وعيد وفاء النيلأرشيف الصحف وعيد وفاء النيل

أرشيف الصحف وعيد وفاء النيلأرشيف الصحف وعيد وفاء النيل
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة