ذاكرة التاريخ

من واقع مشاهدات الرحالة "ناصر خسرو".. كيف كانت القاهرة قبل 1000 عام؟| صور

14-8-2021 | 16:31
الرحالة الفارسي ناصر خسرو
Advertisements
محمود سعد دياب

بينما تبنى مصر جمهوريتها الجديدة حاليا، وتؤسس مجتمعات عمرانية حديثة في العاصمة الإدارية ومدن حول الوادي والدلتا بها حدائق غناء ومباني تنهى للأبد عصر العشوائية، يؤكد التاريخ أن القاهرة قبل أكثر من ألف عام كانت لا تزال عاصمة جديدة لمصر، عامرة بالحدائق الغناء، التي لم تقتصر على المتنزهات لكنها امتدت إلى أسطح المنازل أيضًا، وكانت مدينة قوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من الناحية الاقتصادية وتأثيرها السياسي بمحيط مصر الإقليمي فضلًا عن ثرائها الثقافي والأدبي.

كل ذلك وأكثر يخبرنا به الشاعر والأديب الصوفي الفارسي ناصر خسرو في كتابه الشهير "سفرنامة" أي كتاب الأسفار، وهو عاش خلال الفترة (395-481هـ/1004-1088م)، وترك مدينته قُباذيان في طاجيكستان حاليًا وتجول في أصقاع بلاد فارس والقوقاز حتى وصل الشام لكي يستقر بمصر أكثر من ثلاث سنوات، وفي كتابه الذي يعد مصدرا أساسيا للحياة الاجتماعية في مصر الفاطمية، والتي كانت مبهرة بالنسبة له كشخص قدم من حضارة خراسان، التي كانت تضم في زمنه شرق إيران وأفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان.

كان حديث الرجل عن مصر التي زارها بين عامي (437- 443هـ/1045-1052م)، يبدو فى أعين أهل زماننا من الغرائب التى تصلح للنشر تحت عنوان «صدق أو لا تصدق»، فقد اعتبرها نموذجا للمدينة الفاضلة، وأن حاكمها الفاطمي الخليفة المستنصر بالله "حاكم عادل لا حدود لشفقته ورأفته بالناس.. فهو لا يظلم أحدًا ولا يطمع فى مال أحد.. لذلك لم يكن أحد يخفى شيئًا من أمواله.. بل إن الأغنياء كانوا يعرضون أموالهم على الخليفة فى أيام الشدة حين يتناقص النيل للوفاء بأرزاق الناس.. لأن الخليفة لم يكن يأخذ الخراج عند انخفاض النيل، وذات مرة جاء أحد أغنياء النصارى بما عنده من غلة تبرعًا للناس، فكفتهم الغلة زمنا طويلا".

يقول الدكتور عبد الرحمن ذكي في كتابه "الجيش المصري في العصر الإسلامي"، إن ناصر خسرو وصف " عيد وفاء النيل" أو "عيد ركوب فتح الخليج" بأنه أعظم الأعياد في مصر "يقصد يوم وفاء النيل الذي يحتفل به المصريون منذ القدم فرحًا بفيضان النيل"، حيث ينصب السلطان على رأس الخليج سرادق عظيم مطلي كله بالذهب ومكلل بالجواهر يتسع لأكثر من مائة فارس، ويسير السلطان من مقر حكمه قبلها بثلاثة أيام في موكب مهيب يضم 10 آلاف فارس يمتطون خيولًا سروجها مذهبة وأطواق مرصعة مكتوب عليها اسم السلطان، فضلًا عن جمال فوقها هوادج مزينة وبغال كذلك مرصعة هوادجها بالذهب والجواهر واللؤلؤ.

ووصف أهل مصر وقتها أنهم كانوا يعيشون فى بحبوبة من العيش وغنى عظيم، حتى قال إنه يخشى أن يذكر بعض الأرقام التى يملكها بعض المصريين من مال فلا يصدقه أحد فى خراسان، وقد انعكس الرغد على أخلاق الناس، فاتصفوا بالأمانة والشهامة والمروءة الجامعة لخصال الخير كلها. أما الوزير فى مصر فقد رآه يمتاز عن الجميع بالزهد والورع والعقل، ويتقاضى القضاة رواتب عالية لكى لا يطمعوا فى أموال الناس ولا يحيدوا عن الحق.

كما وصف فى كتابه أول مدينة للتجارة الحرة فى العالم، كانت تسمى "تنيس" قريبة من دمياط، حيث تفد إليها السفن محملة بالبضائع من جميع أنحاء العالم، ولا تُجبى فيها أية ضرائب، وتحدث عن وفرة السلع فى البلاد وكثرة الأسواق التى تجلب إليها البضائع من أنحاء العالم، وعن الصدق فى التجارة وعن المصانع التى تتميز بها مصر التى تنتج السكر والمنسوجات، وعلى عكس ما رآه فى بلاد فارس، فقد وجد فى مصر أمانا أثار انتباهه، حتى لاحظ أن تجار المجوهرات والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر.

ويأتي أهم ما وجده ناصر خسرو فى مصر، وحرص على وصفه بكل دقة وإعجاب هو العلم والتعليم، فكان الإمام معلم وقصره مدرسة، وقاضى القضاة معلم والوزير معلم والمسجد للصلاة والتعليم، ودور الحكمة بها قاعات للاطلاع وقاعات للدرس، كما كانت أبواب الأزهر مفتوحة للجميع، حيث دأب الناس على الإقبال عليه من كل مكان، ومنهم أبناء الملوك والأمراء من المغرب واليمن والروم والصقالبة والهند وجورجيا وتركستان وغيرها.

كما وصف كيف نجح القائد جوهر الصقلي، في تحصين القاهرة من هجمات القرامطة بإقامة سور عالي محصن مزود بخندق من الجهة الجنوبية، مع ثمانية أبواب، وأنه يمكن معرفة حدود ذلك السور الذي لم يتبق منه شيء بأن نعلم أن باب الفتوح الحالي ومعه جامع الحاكم، وباب زويلة ومعه جامع المؤيد خارج أسوار القاهرة الفاطمية، وأن الهدف من تلك المنطقة التي أطلق عليها لقب القاهرة لأول مرة حماية منطقة الفسطاط والعسكر والقطائع من هجمات القرامطة الذين شنوا هجمتين فيما بعد إحداهما نجحت في عبور الخندق واجتياز الأسوار لكنها لم تنجح في النهاية في احتلال القاهرة.

ناصر خسرو ليس فقط أديب وشاعر، لكنه رجل استيقظ يومًا وقرر أن يحوّل حياته ويكرسها لتحقيق الثراء الروحي الحقيقي بدلاً من ثراء الدنيا الزائل، وخلّف وراءه قصائد وقطع نثرية تجسد هذا التحول الأفلاطوني للقلب، إنه رجل ترك كل عائلته وممتلكاته وراءه ورفاهية العيش في كنف السلطان السلجوقي، وانطلق من خراسان برحلة إلى القدس ومكة ومصر دامت مدة سبع سنوات قبل أن يعود إلى موطنه ثانية، هذا الرجل تحول بعدما زار مصر وأصبح داعية ناجح للمذهب الإسماعيلي الذي اعتنقه على يد الفاطميين، وعمل على نشره في منطقة خراسان بموجب لقب خلعه عليه السلطان الفاطمي "حجة جزيرة خراسان"، وعندما استهدفته المدارس الإسلامية الأخرى اضطر للهرب بنفسه حفاظاً على حياته، وقضى العشرين سنة الأخيرة في المنفى في يُمغان، وهي مدينة جبلية نائية في جبال البامير في بدخشان شمال شرقي أفغانستان حاليًا تحت حماية أمير إسماعيلي محلي.

قصائد خسرو تؤكد أنه لم يكن متصوفا يتوق للفناء في ذات الله أو الحبيب المصطفى، وليس زاهدًا كليًا ينكر ملذات هذا العالم، بل بالعكس حث على أن يكون المرء إيجابيًا في هذا العالم وأن يستخدمه بفعالية لتحقيق الكمال، فقد كان يحض قراءه أن يكونوا أفضل البشر قدر ما يستطيعون، وبين الأدباء كان أكثر الشخصيات المحبوبة في الأدب الفارسي على مر العصور، حيث صُنف كأعظم شاعر وكاتب والأكثر موهبة، كما يتميز بمقدرته الفريدة ككاتب فيلسوف وشاعر لا يُشق له غبار، وقد أثبت ذلك بما ترك لنا من أنواع ثلاثة من الكتابة، هي مذكراته النثرية عن رحلاته في "سفر نامة" وشعره الذي جمع في ديوان وعدد من الأعمال الفلسفية التي يكشف فيها عن العقائد الإسماعيلية، ولكن لا تزال عديد من أعماله عبارة عن مخطوطات في مكتبات بمدن مثل سانت بطرسبورج الروسية ودوشنبه عاصمة طاجيكستان.

إن الشخص الذي نراه في دواوين شعر ناصر هو رجل يصارع عواطف متضاربة، فهو يشرح في كتابه "وجه دين" أن الحيوانات تعمل بدون علم بينما الملائكة تعلم ولكنها لا تعمل، أما البشر فعليهم أن يجمعوا بين العلم والعمل تماماً كما يمثلون الاتحاد بين الأجساد الحيوانية والعلم الملائكي. بينما كان العقل بين الصوفيين حداً يجب تجاوزه وعائقاً في طريق تحقيق الاتحاد في ينبوع الحب، لأن العقل عند ناصر خسرو ليس شيئاً يجب تجاوزه أو إخماده بل يجب استعماله لزيادة العلم وتقوية الإيمان.

كذلك فإن كل الأشياء الدينية مشتقة من العناصر الروحية الأربعة، وهي "القرآن والشريعة والتأويل والتوحيد"، وأكثر من ذلك يكتب ناصر أن الأشياء الخيرة ترتبط مع بعضها بنفس الطريقة في العالم الروحاني، وقد أتى كل نبي بشريعة معتمدة على أجزائها، كما أنه يقارن ممارسة الشريعة بأخذ الدواء عندما نكون مرضى، فيقول: "قد لا نريد أن نفعل ذلك، وقد لا نحبه عند أخذه ولكننا نأخذه لأن من وصف ذلك هو طبيب يستطيع شفاء الجسد المادي. ومن يجلب الدواء للنفوس هو النبي محمد والدواء الذي يجلبه لشفاء نفوسنا هو الشريعة".

الكاتب والفيلسوف الطاجيكي ناظر عرب زاده، حاول استكشاف شخصية الرحالة ناصر خسرو في كتابه "عالم أفكار وتأملات ناصر خسرو" الصادر في طاجيكستان، حيث قدم تحليل أعمق لإبداعات هذا الرجل الفلسفية بوصفه أول مفكر يجمع بين الفلسفة والعلوم الدينية بالمعرفة العلمية والإيمان بالعقل في نظرته للعالم، ما يؤكد أنه قدم إرثًا تاريخيًا عظيمًا.


الرحالة الفارسي ناصر خسروالرحالة الفارسي ناصر خسرو

الرحالة الفارسي ناصر خسرو بين تلاميذهالرحالة الفارسي ناصر خسرو بين تلاميذه

تمثال ولوحة للرحالة ناصر خسروتمثال ولوحة للرحالة ناصر خسرو

تمثال الرحالة الفارسي ناصر خسروتمثال الرحالة الفارسي ناصر خسرو
اقرأ أيضًا:
Advertisements
الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة