راديو الاهرام

حسين خيري يكتب: الهجرة منهج لتطوير الحياة

10-8-2021 | 03:42

الهجرة سلوك غريزي يتسم به البشر وكل كائن حي، والإنسان يتملكه دائما رغبة في التطور، ويبحث باستمرار عن الحياة الكريمة والاستقرار، ليضمن بقاءه وشعوره بالأمان، ومنذ نشأة الإنسان لم يعرف الاستقرار، وكلما طابت له الحياة على أرض سرعان ما يراوده الشعور في العثور على الأفضل.

والبقاء في مكان لفترة طويلة يُفقد الإنسان حيويته ونشاطه، وقد يخبو لديه مع الوقت العشق للوطن، وهو شبيه بالمياه الراكدة الآسنة، وتتجدد دماؤه مع الانتقال إلى أرض جديدة مزدهرة بالأمن والنماء.

ولا تنبت الثمار إلا بنثر البذور على الأرض، وحامل البذور لا يحق له الاستقرار في مكان واحد، وصحابة الرسول "صلى الله عليه وسلم" كانوا كحامل البذور، ولذا اعتادوا الهجرة بغية نشر دعوة الٍإسلام، وفي كل ديار يقيمون فيها يسعون إلى  نشر مكارم الأخلاق والتسامح من خلال معاملاتهم مع أهل الديار التي حلوا بها، وقد فاضت أرواح الكثير منهم بعيدا عن الأرض الأم.

وكانت الحبشة الوجهة الأولى لهجرتهم، غير أنها لم تكن صالحة بأن تكون مركزا للدعوة، نتيجة لاختلاف البيئة الثقافية واللغة ولبعدها عن مركز بداية الدعوة ومقر البيت الحرام. 

واستمر الرسول "صلى الله عليه وسلم" في عرض دعوته على القبائل العربية، حتى استقر به الحال وأرسل مصعب بن عمير إلى المدينة، وكان داعيا وفقهيا عظيما.

ولم تكن هجرة رسولنا الكريم "صلى الله عليه وسلم" غير شرعية، فأرسل أهل المدينة مع مصعب بن عمير 73 رجلا وامرأتين، وأعلنوا الترحيب به، وتعهدوا بفتح أبوابهم لاستقباله هو وصحابته، وجمعت الهجرة النبوية بين هجرة المكان وهجرة الذات، وتجسدت الثانية في الفرار من الفتن، وقال فيها النبي "صلى الله عليه وسلم": "المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه".

وليست مغادرة الوطن وترك الديار والأهل بالأمر الهين على النفس، والهجرة بمنزلة تضحية كبرى، بيد أن الثواب يتعاظم بقدر هدف التضحية، فما بال الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله، وكانت هجرة الحبيب نصرا للإسلام طبقا لقوله تعالى: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين".

فلا تعارض للهجرة مع حب الوطن، فخرج الرسول "صلى الله عليه وسلم" وقلبه يعصره الألم والأسى، ويقول في وداع بلده "مكه المكرمة" آملا في العودة: "والله إنك لأحب أرض الله إليّ وأحب أرض الله إلى الله ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت".

ولم تكن هجرة خير البرية "صلى الله عليه وسلم" مغامرة غير محسوبة، فقد أمر صحابته بالهجرة بعد أن استوثق من رسوخ الإيمان في قلوب أهل المدينة، وتعهدهم بالدفاع وحماية الرسول في بيعة العقبة الثانية، وكانت الإجراءات تجري في سرية تامة، ووضع لها خطة محكمة، ولم يترك فيها أمرا إلا وبحثه؛ سواء كان صغيرا أو كبيرا خلال رحلة الهجرة.

وحينما ترد كلمة مدينة في القرآن الكريم تشير إلى البيئة الطيبة لنشوء المجتمع المدني بمؤسساته، ويقترن اسمها بالتنوع السكاني من النواحي الدينية والفكرية والعرقية، ولم تكن المدينة مركزا دينيا مثل مكة المكرمة تجعلها بؤرة لصراع العرب.

والعديد من الأنبياء يروي عنهم كثرة ترحالهم، وأبوالأنبياء رحل من وطنه جنوب العراق، وتنقل إلى عدة أماكن حتى نزل مكة المكرمة، ورفع قواعد البيت الحرام مع إسماعيل، وتركها مسافرا إلى الشام.

ولم يصل الإنسان إلى ما وصل إليه إلا بالسفر والترحال ليحصد المعرفة، وتعاقبت الحضارات بناء على حصاده من هذه المعارف.

Email: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة