ذاكرة التاريخ

129 عامًا على وفاة مؤسس «الأهرام».. ماذا كتب بشارة تقلا في نعي شقيقه سليم؟

8-8-2021 | 18:50
 عامًا على وفاة مؤسس ;الأهرام; ماذا كتب بشارة تقلا في نعي شقيقه سليم؟سليم تقلا
Advertisements
فاطمة عمارة

صدرت جريدة الأهرام في عدد خاص من ست صفحات يوم السبت 13 أغسطس 1892، وقد اتشحت بالحزن لوفاة مؤسسها سليم تقلا في 8 أغسطس 1892 في أثناء سفره للاستشفاء بسوريا، وحملت لأول مرة تحت شعارها وبين اسمها بالانجليزية والفرنسية (سليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام).

وفاجأت الأهرام قرائها بمانشيت من كلمة واحدة "مصيبة" وتوسطت الصفحة صورة للمرحوم بشارة تقلا وأسفلها بيت شعر من نظمه:

مصيبة أذكت قلوب الورى.. كأنما في كل قلب زناد

وورد فى افتتاحية الأهرام: نحن اليوم في موقف حزن يقصر دون حقه قلم الرثاء، وفي مقام تفجع وأسف تتقاصر عن بلوغ واجبه عبارات التليف والبكاء، بل نحن في موضع من المصيبة يقل في جنبه كل صبر ويصغر عنده كل عزاء، فلقد رمانا الدهر بكل بلاياه في بلية، ورزأنا بكل ما يؤلم من رزاياه مجموعة في رزية وافقدنا من نحتاج إلى قلمه في هذا المقام لقضاء واجب رثائه وابتلانا بفقد من يلزمنا بحر علمه دمعاً نوفي به حق نديه وبكائه.

بالهُمام الهَمّام والأروع الار      وع منا وبالجواد الجواد 

نريد به فقيدنا الكريم الفاضل، ورئيسنا الأبر الكامل، منشي هذه الجريدة ومؤسسها وعمادها ومحررها المرحوم المغفور له المأسوف عليه سليم بك تقلا، فاجأنا خبر نعيه صبيحة الثلاثاء والنفوس من صحته على آمال والقلوب من شفائه رجاء فكان صاعقة حملها إلينا لسان البرق فخطفت أبصار وبصائر وسهما أرسلته إلينا يد الزمان فأصابت به قلوب الضمائر.

ويستمر الرثاء ما بين النثر والشعر على الصفحة الأولى والثانية، وسرد كاتبه سيرة الفقيد ومآثرة وكفاحه حتى خرجت الأهرام في صورتها، فمن هو المؤسس؟

ولد سليم تقلا في قرية كفر شيما بلبنان في أواسط عام 1849، وهي قرية صغيرة ذات موقع متميز طيبة الهواء والماء مليئة بالبساتين، اشتهرت مجموعة من العلماء أمثال آل اليازجي وآل شميل، غيرهم من الأطباء والشعراء والأدباء، والده خليل ينتمي إلى بني البردويل وتلقب بلقب امه بعد انتقاله إلى الكفر وكان على جانب بسيط من الثقافة، ووالدته ندى تقلا، وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة القرية تحت أشجار السنديان، حاول والده أن يُدخلة مدرسة عبيه بلبنان إلا أنه رُفض لانه دون الخامسة عشر، فتوسط له الدكتور كرنيليوس فانديك،  فتجاوزت المدرسة عن شرط السن وقبلته، ظهر عليه النبوغ والعقل وحب التعلم فنال إعجاب  أساتذته وزملائه.

ترك المدرسة عندما شبت الثورة في الشام عام 1860م وانتقل إلى بيروت ودخل المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني، وعمل في أوقات الفراغ لتساعده في الإنفاق على التعليم، عُين بعد إتمام دراسته معلماً في المدرسة البطريركية في بيروت وحرص على تعلم ما فاته وخصوصاً علوم اللغة العربية على يدي الشيخ ناصيف اليازجي، وترقي بعد فترة قصيرة مديراً لها، وألف كتاب "مدخل الطلاب"  في النحو والصرف بأسلوب مبتكر تم الاعتماد عليه في التدريس بها، ووصل في مهنة التدريس إلى أعلى الدرجات فأصبح وكيلاً لأعمال المدرسة.

قرر الهجرة إلى مصر 1874، فنظم قصيدته في مدح الخديوي إسماعيل، ورفعها إليه، وتعرف على ذوي المناصب وأصاحب الفضل، ووجد أن الصحف الشعبية العربية تنحصر في عدد قليل وغير منتشر وهي (وادي النيل، نزهة الأفكار، روضة الأخبار) إلى جانب الجريدة الرسمية (الوقائع)،  فأمضي عاماً يتردد بين مصر والإسكندرية يجاهد في الحصول على امتياز الجريدة، وتقدم في ديسمبر 1875 يلتمس تصريحاً بإنشاء مطبعة تسمى "الأهرام" بجهة المنشية بالإسكندرية ويطبع فيها جريدة بنفس الاسم تشتمل (التلغرافات، المواد التجارية والعلمية وكذلك بعض الكتب كمقامات الحريري، وبعض ما يتعلق بالصرف والنحو)، فرخصت له الخارجية (بإنشاء جريدة الأهرام على ألا يتعرض صاحبها للدخول مطلقاً في المواد البولوتيقية وامتثاله لقانون المطبوعات) على ألا يتعرض للدخول مطلقاً في السياسة ويمتثل لقانون المطبوعات، وصدر أمر لمحافظ الإسكندرية (بعدم معارضة الخواجة المذكور في إنشاء المطبعة المحكي عنها) .

أرسل إلى أخيه بشارة ليلحق به ويعاونه في مشروعه فشاركه في الإدارة والتحرير، وإنشاء مطبعته في شارع البورصة المتفرع من ميدان القناصل، ولم يملك من معدات التحرير والتحبير والنشر والطبع إلا شيئاً يسيراً، فعانى في سبيل نشرها، وصدر مثال الأهرام في 31 ديسمبر 1875، وهو ما مثل نموذج لما ستكون عليه الجريدة وعرضها الإخوان على المثقفين والقراء المحتملين لتحصيل الاشتراكات.

تخصص في  تحرير المقالات المختلفة إلى جانب إدارة الجريدة من الناحية الأدبية، وصاغ الأخبار بعربية صحيحة، كما نشر بعض القصائد الوصفية، وبرع في تنظيم الصحيفة وكان لها مكان الصدارة، وانفردت بالفن الصحفي، واختار لها لغة الصحف بعبارات صحيحة اللغة وواضحة، خالية من السجع على عكس مثيلتها في هذا العهد.

ومثلت الجريدة الحقبة الثانية من الصحافة الشعبية الوطنية، ولاحظ القارئ خاصة في نشأتها الأولى أنها أعطت فرنسا مكانة طيبة في حين أظهرت معارض للسياسة الإنجليزية، ازدحمت بالمقالات الاجتماعية، ونجت من الأزمات التي تعرضت لها مثيلتها لاعتمادها على برقيات أنباء خارجية وموضوعات أدبية واجتماعية طريفة، كما ساهم في كتابتها مشاهير العصر مثل محمد عبده.

ويعد مثال للصحفي الذي فنى في عمله، يعاون عمال المطبعة ويعلم المحدثين منهم، تخصص في تحرير المقالات المختلفة إلى جانب إدارة الجريدة من الناحية الأدبية، وصاغ الأخبار بعربية صحيحة، كما نشر بعض القصائد الوصفية، وبرع في تنظيم الصحيفة فتصدرت الصحف الشرقية بالعناية بالبرقيات الخارجية وكان لها مكان الصدارة فيها، وانفردت بالفن الصحفي، واختار لها لغة الصحف بعبارات صحيحة اللغة وواضحة، خالية من السجع على عكس مثيلتها في هذا العهد.

وقال عن صحفيته في حديث له عن الجرائد العربية: "أنشأتُ الأهرام وأنا عالِم بما يَحُول دون نشرها من المصاعب، فكنت أقضي النهار والليل عاملًا بدنًا وعقلًا، فكنت أحررها وأديرها وألاحظ عملتها وأكتب أسماء مشتركيها وأتولى أعمالها مما يقوم به الآن عشرة من العمال".

اضطُر للسفر إلى سوريا مع حوادث الثورة العرابية 1882م، حيث احترقت المطبعة إثر القصف البريطاني واحترق معها كثيرًا من أعماله وكتاباته ومؤلفاته، وعاد إلى الإسكندرية مع هدوء الأوضاع، وأعاد العمل فى المكان المهدوم، انتقلت المطبعة إلى مناطق عدة حتى استقر فى شارع فؤاد ولا يزال المبنى قائماً حتى الآن.

تعرض لمشاكل عديدة مع السلطة المصرية، وعلى الرغم من اعتداله في المسائل السياسية الداخلية إلا إنه تم لفت نظره لأخطأ جريدته، وتخطي هذا بلباقة، اجتهاد، ذكاء، وحس صحفي عالى ولم يتواني هو وأخوه عن العمل جنباً إلى جنب العمال بالمطبعة في رص الحروف حتى لا تتأخر الصحيفة عن موعدها، كان من أوائل الصحفيين الذين قاموا برحلات إلى أوروبا ووافى جريدته بمقالات خاصة، كما التقى بكبار الشخصيات العالمية ومنهم السلطان عبد الحميد عام 1889 في قصر يلدز في اسطنبول.

سافر عام 1886م إلى دمشق وتزوج من إحدى العائلات الكريمة هناك ولم يرزقا بأبناء، وعاد إلى الإسكندرية لممارسة أعمال الجريدة، أصيب بألم في القلب وأشار عليه الأطباء بالسفر إلى سوريا، فتوفي في 8 أغسطس 1892 ودُفن هناك.

حصل على الرتبةَ الأولى من الصنف الأول، والنيشانَ المجيدي الثاني، ونيشان اللجيون دونور من رتبة شفاليه، ونيشان الافتخار التونسي من رتبة كومندور، ونيشان الشمس والأسد، ونيشان المجتمع العلمي الفرنساوي من رتبة أوفيسيه، جُمعت أشعاره ومقالاته بعد وفاته وطُبعت في ديوانٍ ضخم، كما جُمعت أقوال الجرائد وقصائد الأصدقاء ومقالاتهم في تأبينه ورثائه في كتاب آخر.

واختتمت الصفحة الثانية بالقول:(ذلك ما حضرنا من ترجمة فقيدنا العزيز بما سمحت به البداية الذاهبة والصبر النافد والمقام المضيق والصدر الحزين، وقد صدرناها بصورته الكريمة مذيلة ببيتين من نظمه رحمه الله). 

وأوضح الخبر أن الجنازة أقيمت يوم الخميس في الكنيسة الكاتدرائية الكبري للروم الكاثوليك، ورثاه في ختام الصرة الشاعر الأديب خليل افندي عبده مطران
وبدأت الصفحة الثالثة بوصف تفاصيل ما حدث تحت عنوان (مأتم الفقيد)، فكتبت:
وقد وردتنا من بيروت مع بريد اليوم تفاصيل وفاة فقيدنا العزيز ومأتمه فلخصناها كما يأتي:

(في يوم السبت الموقع 6 الشهر الجاري أصابته رحمه الله نوبة شديدة أذهبت قواه فبقي متعبا إلى فعاوده بعض قواه واستراح قليلا، ولكن بقيت عليه آثار من شدة تلك النوبة فاستدعى الكاهن وقضى الفروض الدينية، وعند ظهر الاثنين عاودته النوبة الشديدة فلم تمهله أكثر من ثلث دقائق حتى فاضت نفسه مأسوفا عليه، ولما بلغ نعيه إلى كفر شيما مسقط رأسه مساء ذلك اليوم، قامت الأهالى على ساق، وقدم بالبكاء والعويل، وقُرعت نواقيس الكنائس، وعلت الضجة وعم الكدر والأسف، وتوجه أهل القرية بين كهنة ورجال وأولاد تحت ذلك الليل إلى قرية بيت بري، فقابلوا جثته محمولة إلى قريته على مركبة حولها مركبات أسرته وغيرها فكانت مقابلة هائلة على ذينك الجمعين).

قارب الموكب قرية كفر شيما مع تباشير الصباح حتى وضعوه في سراي الأمراء الشهابين الأفاضل، وكانت الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء .

ثم أخذ المعزون بالوفود من جميع أنحاء لبنان وثغر بيروت، فلم يكن الظهر حتى امتلأت تلك الساحة بالجماهير ينوف عددهم عن العشرة آلاف ويتقدمهم الأمراء الشهابيون والأرسلانيون وكبار رجال البلاد ووجهاؤها وفرقة من الجنود اللبنانية منكسة السلاح ويسقجيه الفناصل وغيرهم من جميع الطوايف والملل وكلهم يتقدمون  الفقيد، ويقدمون واجب الوداع وهو مكشوف في نعشه تغطيه الزهور والرياحين، وعلى صدره نسخة من جريدته الأهرام مِصدرة بلمحة من لمحاته المعروفة "بالجامعة العثمانية" المشهورة.

وأفردت الباقي من صفحات من عددها الخاص لما كتبته الصحف تأبيناً للفقيد بدأت بما نُشر في "جريدة لسان الحال" في  10 أغسطس تحت عنوان (ركن الأهرام)، وجريدة لبنان في 11 أغسطس بعنوان (فاجعة)، والجريدة الرسمية المصرية الفرنسية ، والاجيبسيان جازت، وجريدة البسفور، وجريدة التلغراف اليونانية، وجريدة الأومونيا اليونانية، والوقائع المصرية، وجريدة المؤيد، وجريدة النيل، وجريدة السرور، جريدة الوطن، جريدة الفلاح، جريدة الاتحاد المصري، وجريدة الزراعة، وجريدة الحقيقة، المقطم.

وافتتح بشارة تقلا عدد الاثنين 15 أغسطس 1892 مقاله يرثي أخيه الأكبر قائلا:

ذهب الحبيب فيا حشاشة ذوبي
 أسفا عليه ويا دموع أجيبي

أجل لم يبق لي من حبة القلب ما ينطق لساني، ومن دموع العين ما يطفي لهيب جناني، فعذراً أيها السادة عذراً عما يخطه لكم بناني، المصاب -ليم والخطب جسيم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

 ثم شكر رسائل العزاء والمؤازرة للجميع من مصر وسوريا ولبنان وخصوصا أهالى قريتهم واختتم مقاله، قائلا :
(
قد عزمت على أن أجمع منتخبات الفقيد نظماً ونثراً في كتاب على حدته مع سيرة حياته بالتفصيل، وأضيف إلى ذلك ما وردنا وسردنا من المراثي وغيرها ونقدم ذلك للأصدقاء وقراء الجريدة ذكراً جميلا للفقيد وهدية قليلة في جانب خدماتهم الكثيرة من أخيه)، وأنهاه بتوقيع اسمه فقط دون لقب "بشارة".

Advertisements
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة