راديو الاهرام

الحسد والحاسد والمحسود

7-8-2021 | 10:29

رأيت منذ سنوات طوال طفلًا صغيرًا ابتلع مادة كاوية تسببت بكارثة بالمريء؛ فوجئت يومئذ بالأم تقول "بيقين" رهيب: هذا بسبب الحسد؛ لأنني أسكن بشقة بها شرفة عكس أغلب الجيران..

ذهلت ولم أستطع الرد؛ واحترمت معاناة الطفل وقلت لنفسي؛ ربما كانت حيلة نفسية من الأم "لتبرئة" نفسها من الإهمال ومن وضعها المادة الكاوية التي تشبه "اللبن" بمتناول الطفل ولذا شربها، والتمست لها العذر لصغر سنها ولجهلها أيضا..

مؤخرا "غزت" وسائل التواصل الاجتماعي منشورات هائلة بعضها ممن يحملون شهادات جامعية وآخرون يعملون بأماكن مرموقة "أكدوا" أن سبب قتل زوجة لزوجها يعود للحسد؛ فزوجها يكثر من إعلان حبه لها أمام الجميع وعبر وسائل التواصل!!

والمؤكد أن هناك الملايين الذين يفعلون ذلك عبر العالم سواء كانت المشاعر صادقة أو لجذب الانتباه وأحيانا "لإرضاء" الطرف الآخر؛ ولم يقتلوا بعضهم البعض..

نرى المبالغة في "إلصاق" الحسد بأمور كثيرة "هربًا" من التفتيش عن الأسباب "الحقيقية" لها ومواجهتها ومعرفة الأخطاء التي وقعنا بها وأدت لحدوثها أو حرضنا الغير على فعلها؛ فأحيانا نكون مثل من يترك حقيبته مفتوحة وعندما يتعرض للسرقة يشكو من الحاسدين ولا يحاسب نفسه!!

والحساب المطلوب هنا للتنبه "لمنع" التكرار وليس لجلد الذات وإنهاكها بالطبع.

والحسد هو تمني زوال النعمة؛ ولا ننكره فهو موجود بالنفس البشرية منذ نشأة الحياة؛ فقد حسد "قابيل" أخاه هابيل وقتله، ولكننا نرفض تفسير كل الأحداث السيئة بسببه؛ فذلك "يحرمنا" من علاج مسببات المعاناة ويسهل تكرارها في غفلة منا..

يدخلنا الخوف "الزائد" من الحسد في دوامات نفسية مؤلمة؛ والخوف إن لم نسيطر عليه ابتلعنا بلا رحمة..

ونعرف الرقية الشرعية للوقاية من الحسد بقراءة المعوذتين وسورة الإخلاص ثلاث مرات صباحًا ومساءً وبعض الأدعية ويقرأها الشخص بنفسه ولا حاجة للاستعانة لأحد للرقية..

يكذب البعض خوفا من الحسد؛ إعمالا بالمثل -البشع-؛ "الشكوى أبرك من 100رقوة"؛ أي أن الشكوى أكثر بركة وتحميك أكثر من الرقية؛ والثابت نفسيًا أن الإكثار من الشكوى؛ صدقًا أو كذبًا يرسخها داخل العقل والقلب "ويثقلهما" ويضعف من فرص استمتاع الشاكي بالسعادة وبالصحة النفسية والعكس صحيح..

يجلب البعض الحسد لنفسه "بيديه"؛ بالإكثار من الحديث عن إنجازاته وممتلكاته ونزهاته ثم يشكو من الحسد؛ ومن الذكاء ألا نفعل ما "يستفز" البعض ثم نتألم من ردود أفعالهم؛ ولا نطالب أبدًا بالكذب أو إخفاء النعم أو التظاهر بالمعاناة الزائدة ونحن بخير؛ فهذا مرفوض دينيًا وخطأ بشع نفسيًا ويؤذي صاحبه -من الجنسين-، ولكن ندعو لمراعاة مشاعر الأقل نجاحًا أو من يفتقدون ما نمتلكه؛ أيا كان، وألا نتباهى أو نختار "الإغاظة" وعندئذ لا يحق لنا الشكوى من الحسد أليس كذلك؟

يؤذي المحسود نفسه بالمبالغة من التخوف من الناس ووضع "سدود" نفسية بينه وبينهم والتركيز على الحديث عن مشاكله ومتاعبه؛ ولا تخلو حياة إنسان بالكون منهما مهما علا منصبه أو زادت ثروته أو بلغت مكانته علوا؛ فالتركيز عليهما يزرع "الوهن" بحياة صاحبها ويقلل عزيمته لمواجهة مشاكله بأفضل ما يمكنه ويجعله يتوقع الأسوأ ولنتدبر القول البديع للإمام علي كرم الله وجهه: كل متوقع آت فتوقع ما تتمنى..

ولنزرع بأعمارنا الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي"..

فلنجتهد في حسن الظن بالرحمن الوهاب دائما وأبدا "وننزع" أولا بأول بذور الخوف من الحسد ومن أي شرور "ونمنع" تحولهم لأشجار تقتلع منا النجاح والسعادة..

يشتعل البعض غضبا من الحاسد؛ والمؤكد أن الحاسد هو "أسوأ" عدو لنفسه؛ فباختياره الحسد "يحرم" نفسه من التأدب على الخالق عز وجل ويعترض على عطاء الله سبحانه وتعالى لأحد من خلقه؛ وسبحانه وحده يفعل ما يشاء؛ كما أن ليس كل العطاء نعمة؛ فهناك عطاء الاستدراج وعطاء الاختبار ليمتحن الخالق عز وجل من أعطاه؛ فهل سيشكر الوهاب أم سيغتر ويخزي نفسه؟؛ كما فعل قارون الذي "أذل" نفسه بأسوأ معصية وقال: "إنما أوتيته على علم عندي".

قيل -عن حق-: "ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، والمحبة هي الموافقة"؛ ويغيب ذلك عن الحاسد "لسماحه" بالغل والغيرة بالإقامة بقلبه ولا يطردهما، ولتجاهله النهي الديني عن النظر لما بأيدي الآخرين؛ فالخالق عز وجل يعلم الضعف البشري ويحذرنا من الخضوع له ويأخذ بأيدينا لنتمتع بالقوة وفي الحديث الشريف: المؤمن القوي خير وأحب"؛ والحاسد يحرم نفسه من أسباب القوة الدينية وجوهرها الرضا برزقه -بعد الأخذ بجدية بكل الأسباب بلا أي تكاسل "ثم" التبرؤ بصدق من حوله ومن قوته وتذكر القول الصادق: ترك الأخذ بالأسباب خطيئة والتوكل  عليها شرك..

والصبر والتمهل وطرد التعجل من أهم ركائز النجاح الديني والدنيوي؛ وهو ما يخذل الحاسد نفسه؛ فيأكل نفسه بالحسد ويستنزف طاقاته ويتوهم أن لا فائدة من أي سعي؛ فالآخرون محظوظون وهو وحده التعيس؛ وهذا التفكير يسرق "بسهولة" إرادته ويحطم عزيمته وينهكه ويجعله "فريسة" للخسائر النفسية والصحية والاجتماعية ويدمر نفسه بيديه..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة