ذاكرة التاريخ

من مخلفات الخفافيش والنعام ومساحيق الدم.. كيف تطورت صناعة السماد في مصر؟ | صور

4-8-2021 | 15:18

صورة ارشيفية

محمود الدسوقي

فى عام 1882م أعطت الحكومة المصرية السماح لمستثمرين أجانب لإنشاء شركة قُدر رأس مالها آنذاك بنحو 40 ألف جنيه؛ لتصنيع السماد، وقد فشل المشروع أكثر من مرة حتي تم تأسيسها باسم "شركة نقل المواد البرازية بالقاهرة " عام 1897م!، وذلك بناء على ماورد في الجزء الأول من كتاب "الزراعة المصرية"، والذي تمت طباعته عام 1925م، والذي تنشر "بوابة الأهرام" مقتطفات منه.

كان المزارعون فى الوجه القبلى يستخدمون مخلفات الخفاش، ويجلبونه من المعابد، أما الشركة التي تم تأسيسها عام 1882م قاصرة على مدينتي القاهرة والإسكندرية، حيث كان يتم نقل المواد البرازية إلى حفرة حتى تتحول لسماد جاف، واشترطت الحكومة المصرية أن تكون جميع آلات الشركة ملكا لها بعد 40 سنة من إنشاء الشركة، إلا أنه وبعد 3 سنوات من انطلاق المشروع غيرت الشركة اسمها الأول "تصنيع المواد البرازية"، باسم شركة السماد لكنها لم تنجح أيضاً.

بعد مرور ما يقرب من 14 سنة، وفي عام 1896م صدر أمر خديوي عال بتكوين شركة ثانية باسم "الشركة العمومية المصرية رقم 2"، ولم يمض زمن حتى فشلت هذه الشركة أيضا، وفي عام 1897م، تكونت الشركة باسم "شركة نقل المواد البرازية بالقاهرة" فنجحت نجاحا تاما، وفي عام 1908م تم تغيير اسمها لشركة السماد المصرية، وقامت بتقديم كمية وافرة من الأسمدة للمزارعين.

صناعة السماد من كتاب الزراعة المصرية

ونص كتاب الزراعة المصرية لطلاب المدارس على أن عدم نجاح الشركات السابقة كان لسوء إدارتها، ولعدم ميل الزراع المصريين في ذلك الوقت لاستعمال أسمدتها واكتفائهم بالأسمدة الموجودة في القطر المصري، لافتا إلى أن الطريقة المعروفة في استخراج السماد من المخلفات البرازية هي طريقة الترسيب، وهي الطريق المتبعة في مصر؛ لعدم وجود مجاري وصرف صحي في مصر، كما أن الطن لا يباع إلا بقرش من السماد المرسب.

كانت الشركة تنقل المخلفات بواسطة مضخات، وتقوم بعمل ترشيح للمواد من خلال إضافة الفحم مخلوط بالرمل أو الطين المحروق، ومن خلال المواد الكيماوية ينفصل حمض الفسفوريك من المواد، وأكثر ما يستخدم في المواد الكيماوية لفصله عن طريق الجير لسهولة الحصول عليه ولرخص ثمنه، وكان يستخدم الفحم ومطهر الشبة للترسيب مع الطين والجير والدم والمواد القلوية حتى يكون الترسيب جزئيا مع وضعها في المرشحات بدلا من تعريضها للجو، إلا أن الباحثين أكدوا أن أكثر صعوبة في إيجاد سماد جاف من المواد البرازية، هو تعذر استخراج الأزوت الذي به مع الرغم أنه من أهم مواد المخلفات، إلا أن الباحثين يعترفون أنه رغم ذلك فهو سماد نافع ذو قيمة كبيرة في حال عدم وجود السماد البلدي وهو سماد الإسطبلات.

كانت المواد البرازية تنقل من المدن في عربات مخصصة وتوضع في حفرة كبيرة، وكانت توضع المواد في القاهرة في حياض مرتفعة تسمى حياض التوزيع، وبها شبابيك من الحديد تفصل مابها من المواد الغريبة، ثم يوضع الجبس عليها حتي يتم جفافها، حيث تباع هذه المواد كأسمدة باسم المواد الأولية بسعر 75 قرشا للطنً، وتحتوي على أزوت بمقدار 5و1 % وحمض فوسفوريك بمقدار 75و1%، واكتشفت الشركة إن المواد البرازية التي تنقل من منازل الأوربيين الذين كانوا يعيشون بكثافة في مصر قليلة الفائدة لكثرة الماء فيها، خلاف ما يؤخذ من منازل المصريين والمساجد حيث اكتشف أن له فائدة كبيرة، خاصة أن مصر القريبة من الصحراء وسرعة التبخر فيها ورخص العمالة تؤدي لإنتاج سماد كثير الفائدة كان يضاف الجبس وكبريتات الكالسيوم لمخلفات البول؛ لمنع ضياعه بالتخمر، وكي يساعد في إزالة الراوئح.

 وكان يباع الأزوت بمبلغ 2 قرش للمزارعين، كما كانت هناك أنواع أجود تحتوي علي 75و1% من الأزوت و5و2% من حمض الفوسفوريك و5و0 % من البوتاسيا، ويباع الطن منها بمبلغ 125 قرشاً وهذه المواد متي تم جفافها وسحقها ونخلت كانت تباع باسم مسحوق بودريت، وثمن الطن من النوع المعروف عند المصريين "بالعال" مقدار 125 قرشا، وكانت الشركة تعطي للمشتري تحليلا مضمونا عن هذه الأسمدة التي كانت تباع غير معبأ في أكياس للوفر، كما أنتجت الشركة سماداً يسمي بالأجود وأطلق عليه "عال العال" يحتوي علي اثنين وربع في المائة من الأزوت وكان الطن يباع منه بمبلغ 145 قرشا.

صناعة السماد من كتاب الزراعة المصرية


 
لم تكتف الشركة ببيع المخلفات البشرية، فقد كانت تبيع أسمدة مختلفة من بقايا المجازر التي كانت تتراكم في مدن مصر وتصبح مضرة بالصحة، حيث كان يتم خلط بقايا المجازر بالسماد الكفري، ويتم بيعها باسم أسمدة المدابغ، وهي أسمدة تحتوي علي أزوت وحمض الفسفوريك، وثمن الطن منها كان يباع من 22 إلى 25 قرشا، حيث كانت أسمدة المدابغ تقوم مقام السماد البلدي في الزراعات، وكان إنتاج الشركة من أسمدة المخلفات والمدابغ يقدر ب4 آلاف طن بخلاف سماد بعض المدن التي كان ينتج منها مقدار 5 آلاف طن سنويا .

ولم تكتف الشركة بإنتاج السماد من المواد البرازية ومخلفات المجازر بل قامت بإنتاج عدة أنواع من الأسمدة منها "مسحوق العظام"، حيث كان يسخن بالبخار وتباع بضمانة أنها تحتوي على 2 % من الأزوت و20% من حمض الفوسفوريك وثمن الطن منه 300 قرش، كما صنعت أسمدة من مسحوق القديد (اللحوم الجافة)، من لحوم الحيوانات الميتة أو الحيوانات المريضة وتباع علي شرط أنها تحتوي على 9% من الأزوت، وثمن الطن يباع بـ 500 قرش، كما كانت تصنع أسمدة من النجيع ( الدم الجاف) وكان يتم تصديره لأوربا، وكان يباع في السوق المحلي ويحتوي علي 10% من الأزوت، وثمن الطن منه 650 قرشا وكان سماد النجيع يتحلل بسرعة في الأرض؛ لذا كان يعد من الأسمدة المفيدة جدا للأراضي التي تتم زراعتها بالخضروات وقصب السكر.

أما مسحوق القرون الذي أنتجته الشركة من خلال سحق قرون الحيوانات فقد كان يحتوي مابين 8 إلي 14% من الأزوت، وكان غير قابل للذوبان؛ لذا كان يخلط بأسمدة الخيل أو الجير قبل استخدامها في الأراضي، أما السماد الخصوصي الذي أنتجته الشركة في مصر فكان يتكون من الدم الجاف ومسحوق اللحوم والعظام،  وكان الطن يباع منه بمبلغ 500 قرش، كما كانت تنتج سماد زبل النعام، حيث كانت الشركة تملك مزرعة لتربية النعام بالمطرية تضم 1000 نعامة، وقد عرضت الشركة زبل النعام للبيع بعد تركيب أسمدة من مخلفاتها.

أما سماد الفحم الحيواني الذي انتجته الشركة فقد كان قليلا؛ بسبب استيراد الفحم الحيواني الذي كان يستخدم في تكرير السكر في مصر آنذاك، بالإضافة إلي سماد زبل الخفاش في شقوق الصخور ومغارات الوجه القبلي، ورغم ارتفاع ثمن زبل الخفاش، لإنه كان قليلا من إنتاج الشركة التي كانت تنتج كافة الأسمدة العضوية والأسمدة الصناعية .

السماد والحرب العالمية الأولى 

عاشت مصر التي كانت الزراعة من أهم اقتصادها في أزمة سماد طاحنة بعد نشوب الحرب العالمية الأولي، وقيام الدول المتحاربة باستخدام نترات الصودا وغيرها من المواد النتروجنية في عمل البارود والأسلحة، مما أجبر الحكومة المصرية أن تفكر فعليا في إرسال بعثة علمية للنرويج كي تتدرب علي استخراج السماد من نتروجين المياه من المياه المندفعة من خزان أسوان، حيث وصفت الصحف المصرية البعثة بأنها تستخرج السماد من الهواء.

وأكدت الصحف والمجلات الزراعية أن أزمة السماد ليست في مصر وحدها، وإنما في أوروبا التي تشتعل فيها حربا ضروسا تلتهم نترات الصودا والمواد النتروجنية في صنع البارود وليس في استخدامات الزراعة وكذلك في أمريكا، مؤكدة أن ألمانيا هي التي ابتكرت استخراج النتروجين من الهواء وعمل حامض النترات والنتريك ففازوا ببغيتهم ولم يعيشوا في أزمة سماد مثل دول أوروبا، مؤكدة أن في نية الحكومة المصرية استعمال أنصاب المياه في شلال أصوان" أسوان" لتوليد الكهربائية، وعمل السماد الكيماوي بها من نتروجين الهواء وأنها بعثت من يدرس هذه الأعمال من يدرس هذه الأعمال في بلاد النرويج، فإذا فعلت ذلك أفادت القطر المصري كله لأن النتروجين أهم عنصر من عنصر السماد ".
 
وأضافت أنه نجح علماء الكيمياء في جعل نتروجين الهواء يتركب من بعض المواد الأرضية باستخدام القوة الكهربائية، ولم يكد عملهم ينجح حتي شاع كثيرا في الأماكن التي بها قوة مائية مثل مصر التي بها خزان أسوان،  مؤكدة أن الشركة النرويجية انتجت السماد من الهواء منذ عام 1903م، واستخدمت في البداية قوة كهربائية تقدر ب25 حصان حتي وصلت لنحو 300 ألف حصان من صب الماء تستخدمها كلها لعمل السماد الكيماوي من نتروجين الهواء في عام 1918م
 
وكشفت الصحف المصرية أن ألمانيا رأت أنها ستحتاج إلي كثير من أملاح البارود إذا قامت بحرب علي دول أوروبا؛ لذا قامت بشراء منحدرات المياه في النرويج التي تستخرج السماد من الهواء، فلما نشبت الحرب وحرمت من سماد شيلي، قامت بتوسيع منحدرات المياه في بلاد النرويج حتي أنها استغنت عن نترات شيلي، ولأن ألمانيا تؤمن أن الثوب العاري لايدفىء والبلاد التي تعتمد علي غيرها من أمورها الحياتية لاتكون مضمونة لذا قام علماء ألمانيا يبحثون ويخترعون حتي توصلوا لاختراع النتروجين من غير قوة مائية، وهو اختراع أكد عليه الوزير بتمان هولفغ حيث صرح أن بلاده حلت مسألة النتروجين وأنها الآن في مأمن من أي خطر.

وقالت الصحف التي لم تخبرنا عن حال البعثة المصرية التي أرسلتها الحكومة المصرية للنرويج إنه أصبح من السهل جدا في مصر أن تقوم البعثة باستخراج السماد من شلال أسوان محذرة من عدم اعتماد الحكومة علي السماد الذي تستورده من بلاد شيلي، لأنه ربما ينفذ بسبب تكالب الدول على الاستيراد منها بسبب الحرب العالمية الدائرة.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة