عرب وعالم

بسبب تعويضات التنظيم الإرهابي.. الاقتصاد التونسي على شفا الإفلاس

4-8-2021 | 01:51

أرشيفية

حنان البيلى

- تزايد نسبة الفقر إلى 21 %.. وتراجع قيمة الدينار بنسبة 43 %

- تراجع الاحتياطى النقدى إلى 7.7 مليار دولار.. وانكمش الاقتصاد بنسبة 8.8 %
- مروان العباسى: تمويل عجز الموازنة بأكثر من 3 % من إجمالى الناتج المحلى عالى المخاطر

شهد الاقتصاد التونسى فى السنوات العشر الماضية انخفاضات متتالية فى جميع مؤشراته، وأصبح على شفا السقوط فى هوة الإفلاس، خصوصا فى ضوء الانخفاضات المتتالية للتصنيف الائتمانى عند مستوى (بى) من قبل مؤسسات التصنيف الدولية، وذلك بالتزامن مع تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولى، ولاسيما مع فشل الحكومات التونسية المتعاقبة فى ضبط الموازنة العامة وتحديدا لبند الأجور، الذى يمثل 45 % من الموازنة. 

جاءت جائحة كورونا التى عصفت بالنظام الصحى فى تونس وتزايد معاناة الطبقة الفقيرة، مع فرض المزيد من القيود على بعض المناطق، وما زاد الطين بلة مطالبة راشد الغنوشى، رئيس البرلمان التونسى، ورئيس حركة النهضة الإخوانية الإرهابية، بتعويضات تصل إلى 3000 مليار دينار، تعويضا لأعضاء فى الحركة تم سجنهم فى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن على، مما أثار غضب الشعب التونسى، الذى يعانى صعوبات اقتصادية واجتماعية جمة، والتى أدت إلى خروج مظاهرات فى الأسبوع الماضى للمطالبة باستقالة حكومة هشام المشيشى وبحل البرلمان .

أدت حالة الشد والجذب بين الرئيس التونسى قيس سعيد من جهة، وبين هشام المشيشى وراشد الغنوشى من جهة أخرى، إلى سقوط ورقة التوت عن جماعة الإخوان الإرهابية فى تونس، التى ادعت مرارا وتكرارا أنها مختلفة فى تجربتها عن البقية، وكان الصدام والتعنت من جانبها ودعمها لهشام المشيشى وتأييدها البرلمانى لتعديلات حكومته، التى تحتوى على أسماء عديدة تحوم حولها شبهات فساد، طالب الرئيس قيس سعيد بتغييرها، وقوبلت برفض المشيشى والغنوشى، واتضح للشعب التونسى أن حركة النهضة لا تريد سوى تمكينها من مفاصل الدولة التونسية وتعويض أعضائها ماليا عن سجنهم فى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن على، فخرجت الجماهير التونسية الغاضبة فى مظاهرات حاشدة فى عدة ولايات تونسية مطالبة باستقالة المشيشى، وكانت الاستجابة السريعة والمدروسة من الرئيس قيس سعيد.

خرج الشعب التونسى معبرا عن فرحته وتأييده قرارات الرئيس، كاشفا عن حقيقة شعبية حركة النهضة، التى اتضح تآكلها، وليس أدل على ذلك من خروج مظاهرات مؤيدة لقرارات الرئيس قيس سعيد فى المدن الجنوبية، معقل حركة النهضة، وتحديدا فى مدينة صفاقس، فجميع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، كانت تشير إلى قرب انفجار شعبى، وهذا ما أكده عبد الرحمن الهذيلى، رئيس المنتدى التونسى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، فشلت فى الاستجابة لتطلعات الشعب التونسى.

تهاوى المؤشرات

أظهر التقرير الأخير الصادر عن المنتدى التونسى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن الظواهر الاجتماعية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية، مثل ارتفاع عدد الطلاب المنقطعين عن الدراسة إلى 100 ألف تلميذ سنويا، فى بلد يبلغ تعداده 11.6 مليون نسمة، وتزايد أعداد الهجرة غير الشرعية فأكثر من 16 ألف تونسى لجأوا للهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا فى عام 2020، فكل تلك المؤشرات الاجتماعية تنبئ بأن الوضع الاجتماعى بلغ أقصاه، وأن تونس مقبلة على انفجار شعبى، وأن الوضع سيزداد سوءا بسبب غياب برنامج لإنقاذ الاقتصاد التونسى.

أما بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية، فإنه يمكن إجمالها فى عدد من النقاط، حيث شهد الاقتصاد التونسى معدل نمو منخفض بمتوسط 1.8 % فى الفترة من عام 2011 إلى 2019، وفى عام 2020 انكمش الاقتصاد التونسى بنسبة 8.8 %، وتراجع الناتج المحلى الإجمالى 9 %عام 2020 وتفاقم العجز التجارى إلى 11.2 % من الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما يعنى مواصلة الاقتراض الخارجى، وتقدر الإحصاءات نصيب الفرد التونسى من الدين الخارجى بـ 2600 دولار.

ومن المتوقع أن تحتاج تونس إلى تمويل خارجى يصل إلى 6.7 مليار دولار لموازنة 2021، وذلك لمواجهة زيادة أسعار البترول. ونتيجة لتراجع الاحتياطى النقدى الأجنبى فى البنك المركزى التونسى إلى 7.7 مليار دولار، تراجعت قيمة الدينار التونسى بنسبة 43 %، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع الغذائية الأساسية.

كورونا وتعويضات

أججت دعوة عبد الكريم الهارونى رئيس ما يسمى بمجلس شورى حركة النهضة، لهشام المشيشى رئيس الوزراء آنذاك, لتسريع تفعيل صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد، محددا يوم 25 يوليو من العام الحالى كموعد نهائى لصرف التعويضات، واعتبر أنه لا يوجد مبرر لتعطيل العمل بهذا الصندوق وتسويف الضحايا، واصفا عدم تفعيله بالجريمة والتى لن يسمح بإعادة ارتكابها، وتصل تلك التعويضات إلى 3000 مليار دينار تونسى، يوجه جزء كبير منها لصالح 2950 من أنصار حركة النهضة، وهو ما أثار حفيظة الشعب التونسى، حيث تفتقر المؤسسات الصحية التونسية للتجهيزات الطبية, لمواجهة فيروس كورونا الذى يفتك بمئات الضحايا يوميا من مختلف الفئات العمرية.

وكان المجلس التأسيسى قد صادق على قانون العدالة الانتقالية الذى تم بمقتضاه استحداث صندوق الكرامة, ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد فى عام 2013، وقد رصدت اعتمادات مالية بقيمة 10 ملايين دولار لتمويله، ولم تفعل إلى اليوم، وأن تصرف هذه التعويضات لصالح جرحى الثورة وعائلات الشهداء وضحايا العمليات الإرهابية والمساجين السياسيين, وضحايا التعذيب والتهجير خلال الفترة من 1955 و2011.

وقد رأى العديد من المحللين أن ما أقدمت عليه حركة النهضة لابتزاز حكومة هشام المشيشى، ولإيجاد مبرر من أجل تسييس القصبة، وهو مقر الحكومة وتلغيمها بتعيينات من قياداتها لفرض مزيد من السيطرة على الحكومة، ويبدو أن حركة النهضة تستغل حاجة هشام المشيشى للدعم السياسى من أجل الضغط عليه لتفعيل صندوق الكرامة لصرف التعويضات وتحقيق مكاسب لأتباعها.

تدهور السياحة وزيادة البطالة

قطاع السياحة من أهم القطاعات فى تونس، وهو أكثرها تأثرا بتفشى فيروس كوفيد 19 انخفضت إيراداته بنسبة 65 % إلى نحو 2 مليار دينار فى العام الماضى، حيث انخفض عدد السياح بنسبة 78 % بسبب الجائحة, ويمثل دخل السياحة نحو 8 % من الناتج المحلى الإجمالى، وهى مصدر رئيسى للعملة الأجنبية, مما يمثل ضغطا على سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية وعلى عجز الحساب الجارى.

ونظرا لانخفاض أعداد السياح تزايدت حدة البطالة، حيث ارتفع معدل البطالة من 12 % قبل عام 2010 إلى 18 % فى الربع الأخير من العام الماضى, فى الوقت الذى يتوقع وصوله إلى 30 % بين الشباب ومنذ العام 2011 عندما تولى الإخوان لم تتراجع معدلات البطالة عن 15 % وسط عجز حكومى على خلق فرص عمل جديدة، تستوعب العمالة الجديدة المنضمة إلى سوق العمل سنويا مما فاقم أزمة البطالة. وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة واندلاع العديد من الاحتجاجات والاشتباكات مع قوات الأمن فى العديد من الأماكن فى العامين الماضى والحالى.

وكذلك الحال بالنسبة لمعدل التضخم الذى كان 2.5 % خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وبحسب صندوق النقد الدولى سجل خلال عام  2017 نحو 5.3 % ، ثم 7.3 % فى عام 2018.

وكأن جائحة كورونا قد جاءت لتدخل تونس فى حلقة مفرغة, تبدأ بالوباء وتنتهى بزيادة معدلات الفقر، وهو ما حذر منه خبراء البنك الدولى، حيث يقدر ارتفاع معدلات الفقر من 14 % من السكان قبل الجائحة، إلى 21 % فى 2020، وسيكون هذا الأثر واضحا بشكل جلى على الأسر الأكثر فقرا والموجودة فى وسط غرب تونس، وكذلك فى الجنوب الشرقى منها. وقد أجمع كل من البنك الدولى وصندوق النقد على حدوث انكماش كبير فى معدل النمو الاقتصادى خلال نفس العام، قدره البنك الدولى بنحو 9.2 %، بينما قدره صندوق النقد الدولى بنحو 7%.

ويعد انخفاض النمو الاقتصادى جزءا من تلك الحلقة المفرغة، حيث يعنى النمو الأقل تحصيل إيرادات ضريبية أقل، ومن ثم ديون خارجية أكثر. فقد ارتفع إجمالى الدين الحكومى من 39 % من اجمالى الناتج المحلى فى 2010 إلى 78 % فى عام 2018 ثم 72 % فى 2019، ومن المتوقع أن يكسر حاجز 80 % خلال السنوات المقبلة بسبب الجائحة.

مطالب صندوق النقد

كل المؤسسات الدولية أجمعت على ضرورة تحقيق الاستقرار المالى، وترشيد السياسة المالية لوضع حد لتفاقم الديون، وهو ما يعنى ترشيد الإنفاق وهيكلة الدعم، وكلها أمور لها تكلفتها الاجتماعية، وستضع عبئا أكبر على كاهل المواطنين.

ومن أهم النقاط التى طالب بها صندوق النقد الدولى ضبط بند الأجور فى الموازنة، الذى لم تستطع الحكومات التونسية المتعاقبة تنفيده، فقد تضاعفت كتلة الأجور أكثر من ثلاث مرات مقارنة بعام 2010، إذ لم تتجاوز 6 مليارات دينار آنذاك، لتصل اليوم لأكثر من 20 مليار دينار. وكان الصندوق سبق أن حذر من التداعيات الخطيرة تضخم بند الأجور فى ميزانية الدولة، ودعا للحد من هذا النزيف، وتعد تلك الزيادة فى الأجور، التى تمثل 8 % سنويا من أعلى المعدلات فى العالم.

وعندما تقدمت الحكومة بمشروع ميزانية معدلة إلى مجلس النواب يحتوى على عجز نسبته 13.4 %، دعا مروان العباسى، محافظ البنك المركزى التونسى، إلى خفض الإنفاق العمومى، بعد أن طلبت الحكومة من البنك شراء سندات خزينة لتمويل العجز المالى، وتعول الدولة على الاقتراض الداخلى لتمويل عجز الموازنة المتوقع أن يصل إلى 14 %، أبلغ مروان العباسى اللجنة المالية فى البرلمان, أن البنك المركزى يمكنه تمويل الخزانة العامة بنسبة 3 % من الناتج المحلى الإجمالى كحد أقصى، محذرا مما سماها المخاطر العالية فى حال اعتماد الشراءات الضخمة لسندات الخزانة.

أما بالنسبة للديون الخارجية على تونس, فقد وصلت إلى 35.7 مليار دولار، كما أن الدولة ملزمة بدفع 5.4 مليار دولار منها العام الجارى، أى ما يزيد على 100 % من الناتج المحلى الإجمالى، هذا بالإضافة إلى احتياج الحكومة لقرابة 6 مليارات دولار لسد عجز موازنة 2021. فعلى الرغم من أن ميزانية 2021 تستهدف خفض العجز المالى إلى 6.6 %، فإن خبراء الصندوق أعلنوا عشية زيارة لتونس، أن هناك احتياجا لاتخاذ إجراءات محددة لدعم هذا الهدف، وأن العجز فى الموازنة العامة قد يرتفع إلى 9  % من الناتج المحلى الإجمالى فى حال غياب تلك الإجراءات.

وخلال العام الجارى بدأت تونس محادثات مع الصندوق للحصول على حزمة مساعدات مالية، فى وقت تعانى ارتفاع الدين وانكماش الاقتصاد, طالب الصندوق بضرورة ضبط الأجور والدعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة، وبعد تلك القرارات التى اتخدها الرئيس قيس سعيد، قال المتحدث باسم صندوق النقد الدولى، إن الصندوق يراقب عن كثب تطورات الوضع فى تونس، وإن الصندوق على استعداد لمواصلة دعم تونس فى مواجهة تبعات جائحة كورونا وتحقيق تعافٍ شامل.

ويبقى الأمل فى تشكيل حكومة رشيدة، تقود البلاد للخروج من تداعيات وآثار الإخوان على الاقتصاد التونسى، والاتفاق على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولى، للإصلاح الاقتصادى، ويكون بمثابة جواز مرور إلى أسواق المال العالمية وجذب الاستثمارات إلى الاقتصاد التونسى.

نقلاً عن الأهرام العربي

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة