عرب وعالم

المرأة التونسية.. نضال من أجل الحفاظ على «الاستثناء»

4-8-2021 | 06:51

أرشيفية

سيد محمود

بعد دقائق من إعلان قرارات الرئيس التونسى قيس بن سعيد، ظهرت على شاشة إحدى الفضائيات العربية التى كانت تلهث وراء الحدث، فتاة فى العشرين من عمرها قالت: «أنا مع الرئيس، لأنهم يرغبون فى إخفائنا داخل البيوت»، وظلت تهتف لتونس وللنساء فى الشوارع. 

ما قالته ذكرنى بامرأة أخرى وقفت إلى جوارها، فى مظاهرة كانت تسير فى شارع الحبيب بورقيبة فى إبريل من عام 2011، وبعد شهور من سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن على، وقتها كان الفضاء العام فى تونس يتشكل فى حمى الثورة وصخب الهتاف والشوارع تتسع للجميع. 

سرت بين جموع المتظاهرين أوثق بالكاميرا ما أراه، فرحا بمشاهد الحرية واخترت الحديث مع امرأة تهتف بحماسة وترتدى زيا عصريا، ظلت تتكلم معى بثقة، وبينما كنت أقوم بتصويرها اعترض على كلامها رجل له لحية مشذبة وقال: «لماذا اخترتها دون غيرها من النساء، ولماذا لم تسجل معى؟ قبل أن أرد تدخلت المرأة وهتفت من جديد: «ربى خلقنى حلوة، فين مشكلتك إنت « وصرخت: «صارحونا لنكشفكم».

أربكنى المشهد.. لولا أن ذراعها امتدت باتجاه مبنى وزارة المرأة فى الجهة المقابلة للمسرح البلدى، حيث كنا نقف وقالت لى: «نساء تونس، استثناء عربي» ثم أضافت: « جرى ذلك بفضل الرئيس الحبيب بورقيبة (أغسطس 1903 - إبريل 2000”.

إرث الطاهر حداد

ما قالته يظل صحيحا إلى حد كبير، ويفسر الكثير مما يحدث خلال هذه الأيام، فنساء تونس يقفن فى صدارة المشهد السياسى لأكثر من سبب، الأول: يتعلق بميراث فكرى راسخ تأسس مع أفكار مفكرى تونس خلال عصر النهضة، وأولها كتابات الطاهر حداد صاحب كتاب “امراتنا بين الشريعة والمجتمع” (1929)، يبدو صاحبه متأثرا بأفكار المفكر المصرى قاسم أمي، من حيث الدعوة إلى تحرير المرأة من قيود التقاليد البالية التى سجنتها قرونًا طويلة، بين مطرقة الجمود فى فهم النصوص وسندان المجتمع، ومن سيطرة القراءات الخاطئة لنصوص الشريعة وأحكام الدين، والأخيرة كانت خطوة أبعد من دعوة صاحب كتاب «المرأة الجديدة».

ونبه حداد إلى أن تيار التحديث سيفرض نفسه، ساعيا إلى تأسيس خطاب إصلاحي، يفصل بين جوهر الإسلام (روح الشريعة)، وبين ما هو متغير من أحوال مجتمعية، وجاء الكتاب متلائما مع سياق مدنى ليبرالى كانت تعيشه المجتمعات العربية، برغم نير الاحتلال الأجنبى الذى امتد فى تونس لأكثر من نصف قرن (1881-1956 ).

حداثة  بورقيبة

عقب الاستقلال، أتاحت تجربة الرئيس بورقيبة الكثير من القوانين المدنية التى أراد بها أن تذهب بتونس إلى “الحداثة” كما يفهمها، برغم أن قطاعات أخرى ظلت تنتقدها بوصفها “حداثة فوقية “، فإن ما تركته من إرث ظل حاضرا كأحد صمامات الأمان فى هذا البلد الصغير.

وبفضل هذه القوانين حافظ المجتمع التونسى على تعداد سكانى ملائم لحجمه، وقد بلغ سكان الجمهورية التونسية حسب آخر الإحصائيات سنة 2014 ما يقارب 10 ملايين و982.8 ألف نسمة.
ومن ناحية ظلت الحكومات المتعاقبة قادرة على مكافحة الأمية وتأهيل السكان تعليميا، بشكل يجعل الأمية شبه منعدمة فى مجتمعات الحضر. ومع أن المرأة التونسية تتعلم، إلا أن معدل محو أمية الإناث  لا يزال 65،3٪ فقط، فى حين أن المعدل ذاته بين الذكور يبلغ 83.4%.

وعلى ضوء تلك التحولات استطاعت المرأة التونسية أن تحظى بالكثير من “السياسات الإيجابية “ فى مجال المساواة بين الجنسين، وكانت هى الدولة المبادرة فى العالم العربى لصياغة قوانين داعمة لحقوق المرأة. مثل قانون إلغاء تعدد الزوجات، والطلاق عبر قانون الأحوال الشخصية، الصادر فى العام 1956، ولا يزال هذا القانون يشكل استثناءً فى العالم العربي.

ومنحت تونس ومعها مصر المرأة حق التصويت فى الانتخابات 1956. وخطت تونس خطوة أجرأ، حين كفلت للمرأة بالقانون الحق فى الإجهاض منذ عام 1973. إلا أن قطاعات كبيرة واجهت هذا الإجراء بإسم التقاليد ورصدت العديد من التقارير، مؤشرات على حالات التعقيم القسرى فى المناطق الريفية فى تونس. 

نساء البساتين

على الرغم من أن المجتمع ظل لسنوات يقاوم ارتداء النساء للحجاب، وطوال حكم بورقيبة، كان من غير المسموح ارتداء الحجاب فى المكاتب الحكومية والجامعات، لكن سنوات حكم الرئيس زين العابدين بن على شهدت مع مجتمعات عربية أخرى انتشارا لظاهرة الحجاب، وتمت “أسلمة” قطاعات مجتمعية كبيرة.

وتكشف رواية «نساء البساتين» التى نشرها الروائى التونسى الحبيب السالمى فى العام 2010، وقبل أكثر من عام على سقوط نظام بن على، الكثير من أوجه التناقض داخل المجتمع التونسى، فى التعاطى مع ظاهرة الإسلام السياسى وامتداداته داخل المجتمع، الذى ظل يتأرجح طوال ما يقرب من 30 عاما بين تقاليد دينية ثقيلة وحداثة مربكة.

فى الرواية يجد بطلها يحيى، نساء عائلته اللائى تركهن بدون حجاب حين هاجر إلى فرنسا، قد أصبحن جميعا متحجبات، ومع ذلك يدخن السجائر أو يضعن الماكياج داخل البيوت.

وتبرز الرواية نظرة التوانسة إلى فرنسا بتناقض آخر بين الغيرة الممزوجة بالإعجاب، فالبطل المهاجر متزوج من فرنسية، ومع ذلك فهو منتقد داخل عائلته بسب زوجته الكافرة.

وساعد توقيت نشر الرواية قبل سقوط بن على، على أن تبدو مثل نبوءة كشف فساد نظامه وأجهزته، وتبرر تردى الأوضاع فى تونس، وتبشر على نحو ما بفعل الثورة.

مكاسب الثورة

عندما بدأت ثورة الياسمين، وتحول محمد بوعزيزى، الشاب الذى أحرق نفسه، إلى أيقونة للتغيير فى العالم العربى، كان الرهان على أن تحقق حكومات الثورة التى تعاقبت آمال المجتمع، خصوصا النساء، وجاء دستور 2014 ليعزز هذا الأمل، بعد تكريس مبدأ المساواة ومكافحة التمييز بين الجنسين.

إلا أن الواقع على الأرض سعى لمقاومة هذا الأمل وأوقف تدفقه،  خصوصا بعد أن هيمن خطاب الأحزاب الإسلامية على المشهد فى تونس.

وأشارت أصوات من حركة النهضة ومعها حزب التحرير إلى عدم قبول مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى مسائل الميراث، وهى المسائل التى تناضل نساء تونس لإقرارها. ونظرت النساء المدنيات إلى خطاب الإسلاميين حول المساواة بين الجنسين، بوصفه إستراتيجية لكسب التأييد.

وضاعف من مخاوف القوى المدنية خلال السنوات الأخيرة، نجاح الإسلاميين فى تعديل القرار الصادر فى عام 1993، الذى منع النساء من ارتداء الحجاب على وثائق الهوية. 

الإجابة الحائرة

على الرغم من أن تونس قامت  فى العام 2014، برفع كل التحفظات الخاصة باتفاقية «سيداو» التى صادقت عليها عام 1985، فإنها أبقت على الإعلان العام المتصل بالاتفاقية، الذى أكد أن تونس لن تتخذ أى قرار تنظيمى أو تشريعى من شأنه أن يخالف الفصل الأول من الدستور التونسى، الذى ينص على أن دين الدولة التونسية هو الإسلام.

واتفاقية سيداو، هى معاهدة دولية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، تهدف للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وأقر البرلمان التونسى القانون الأساسى عدد 58 لسنة 2017، مؤرخ فى 11 أغسطس 2017، يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة. ما اعتبرته قوى ليبرالية فى العالم العربى «ثورة تشريعية»، عززت من المقولة التى تبنتها قوى ثورية فى مصر ترى «الإجابة تونس».

ولعل أهم ما تضمنه هذا القانون، هو مواجهة كل أشكال التمييز والعنف المسلط على المرأة القائم، على أساس التمييز بين الجنسين، مهما كان مرتكبوه وأيّا كان مجاله. وأصبحت الدولة - وفقا لهذا القانون - ملزمة فى هذا السياق أيضا بالقضاء على الممارسات التمييزية بحق المرأة، خصوصا على مستوى الأجر والتغطية الاجتماعية فى جميع القطاعات ومنع الاستغلال الاقتصادى لها، وتشغيلها فى ظروف قاسية أو مهينة أو مضرة بصحتها وسلامتها وكرامتها.

وبرغم الانتقادات الموجهة اليوم للصيغة السياسية التى حكمت تونس خلال السنوات الأخيرة، فلا أحد يجادل بأن هذا القانون ظل غير مسبوق فى العالم العربي، خصوصا أن الدولة تعهدت بالإحاطة بالمرأة ضحية العنف والأطفال المقيمين معها بالإنصات والإيواء الفورى فى حدود الإمكانات المتاحة، كما التزمت بوضع السياسات الوطنية والخطط الإستراتيجية والبرامج المشتركة لمكافحة جميع أشكال العنف المسلط على المرأة.

وشمل القانون بعض التعديلات الإيجابية فى رفع مدة عقوبة مرتكب التحرّش الجنسى، وتعريف جريمة الاغتصاب التى لم تكن معرفة فى السابق، إلا من قبل القضاء. كما يتضمن هذا القانون تعديلا فى عقوبة جريمة الاغتصاب من السجن مدى الحياة إلى 20 سنة، وكذلك تشديد العقوبة فى جرائم ختان الإناث حيث تصل إلى 20 عاما.

وعلى الرغم من ذلك فإن ضعف وغياب آليات المراقبة، وافتقار وجود السياسات والبرامج الكفيلة بمكافحة العنف ضد المرأة، شكك فى فاعلية القانون وجدواه، وبالذات فى المناطق الريفية التى تغيب عنها مناطق الحماية.

الهيمنة  الذكورية

بفضل “الاستثناء التاريخى” للمرأة التونسية، قاومت الناشطات هيمنة الإسلاميين، وتمكنت النساء من الضغط المجتمعى و”تكريس حق حرية اختيار القرين”، وألغيت فى سبتمبر 2017 “كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي”.

وكان القانون يشترط للاعتراف بزواج تونسية مسلمة برجل غير مسلم، وجوب تقديم شهادة تثبت اعتناق الرجل للإسلام. وتم تغيير هذا النص وأثار جدلا واسعا آنذاك فى المجتمع التونسى، وامتد هذا الجدل فى مجتمعات عربية أخرى، وعلى الرغم من احتفال ناشطين، بما تم اعتبارها مكتسبات الثورة فيما يتعلق بحقوق النساء، فإن تخوفات كثيرة ظلت قائمة حول مدى تراجع حقوق النساء فى العشر سنوات الأخيرة، حيث تحول نضال المرأة من المطالبة والضغط من أجل مكاسب جديدة إلى الدفاع والنضال، من أجل حماية المكتسبات التاريخية التى تحققت سابقا، كمنع تعدد الزوجات وتجريم العنف ضد النساء، وكذلك مقاومة شواهد كثيرة على تراجع حضور المرأة فى المجال العام، حيث لم يضم البرلمان غير عشرين بالمائة فقط من النساء، بعد أن كن ثلاثين بالمائة فى المجلس التأسيسي.

نقلاً عن الأهرام العربي

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة