عرب وعالم

بعد الضربة القوية التي تلقتها حركة النهضة التونسية.. فزع بين إخوان ليبيا

4-8-2021 | 07:38

مظاهرات تونسية ضد الغنوشي

العزب الطيب الطاهر

- ميليشيات «الإخوان» تتحرك نحو الحدود التونسية  

- التنظيمات الإرهابية فى ليبيا ستفقد مصادر التمويل والإسناد السياسى والدبلوماسى والعسكرى

ما جرى فى تونس، متجليا فى القرارات الاستثنائية التى أصدرها الرئيس قيس سعيد، وأفضت إلى تجميد البرلمان الذى تسيطر عليه حركة النهضة الإخوانية، وإعفاء حكومة  المشيشى التى تماهت مع زعيم الحركة راشد الغنوشى فى مناوئته لرئاسة الجمهورية، شكلت زلزالا ستكون له ارتداداته وتوابعه على ليبيا، ليس بحكم الجوار الجغرافى والتداخل البشرى فحسب، وإنما بفعل التقارب فى الرؤى والمنظور والأهداف بين إخوان البلدين، إلى حد أن الغنوشى بات ينظر إلى نفسه بحسبانه المرشد الأعلى لهما، وبالتالى يتعين عليه أن يوفر كل أشكال الدعم والإسناد لإخوان ليبيا، الذين راهنوا عليه كظهير إقليمى يتحرك باتجاه تحقيق أهدافهم ويساند علنا توجهات قادتهم.

إجراءات الرئيس سعيد جاءت، على عكس اشتهاء سفن إخوان ليبيا، وهو ما يفسر مسارعة خالد المشرى رئيس ما يسمى المجلس الأعلى، التابع لتنظيم الإخوان فى ليبيا، وصاحب النفوذ فى مؤسسات الدولة غربى البلاد، لإعلان رفضه لقرارات الرئيس التونسى، وهنا تتجلى واحدة من مفارقات السلوك السياسى لجماعة الإخوان الإرهابية، فعندما يقع حراك شعبى مدعوم من المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية ترفضه، بينما عندما تتحرك هى وترفض الاعتراف بنتائج انتخابات ديمقراطية تقلص نفوذها وهيمنتها السياسية، فيكون ذلك تحقيقا للشرعية التى تزعمها، والدليل على ذلك ما جرى فى انتخابات مجلس النواب الليبى فى 2014، التى جاءت مخرجاتها مقلصة لوضعية جماعات الإسلام السياسى، وفى مقدمتها الإخوان الإرهابية، انقضوا عليها ورفضوا الاعتراف بها، وتحركوا عسكريا عبر ميليشياتهم المدججة بالسلاح وسيطروا على العاصمة طرابلس، ما أجبر مجلس النواب على التوجه إلى مدينة طبرق ليتخذها مقرا له، الأمر الذى أسهم فى تقسيم البلاد إلى سلطة منتخبة فى الشرق، وسلطة الأمر الواقع فى الغرب.

ولم يقتصر ردود فعل الإخوان على تبنى موقف سياسى مناهض لقرارات الرئيس سعيد، إنما تحركت ميليشياتهم ميدانيا، لتسارع بإعلان حالة الطوارئ داخل معسكراتها، واستدعت كل عناصرها بأوامر عليا من قادة التنظيم، وذلك بعد فترة وجيزة من تغريدة  خالد المشري، وعقدت على الفور سلسلة من الاجتماعات لقادة الإخوان، التى تواصلت بدورها مع قيادات الإخوان فى تونس، وعقب ذلك أعلنت ميليشيات الإخوان حالة الاستنفار داخل معسكراتها، بالذات داخل المعسكرات الثلاثة التى تبعد عن الحدود التونسية 218 كيلومترا، فى الآن ذاته تم رصد تحركات للميليشيات تجاه الحدود التونسية.

يبدو أن تصريحات المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطنى، التى وصف فيها  ما جرى بـ”انتفاضة الشعب التونسى ضد الإخوان “، وأنه قضى على أهم عثرة فى طريق تطور تونس، والإعراب عن تطلعه إلى انطلاق تونس نحو تحقيق أمانى شعبها فى مستقبل زاهر، بعدما أثنى على  قرارات الرئيس سعيد، التى  جاءت استجابة لإرادة الشعب شكلت رادعا أمام أى تحرك مناهض لميليشيات الإخوان الليبية على نحو جماعى أو علنى تجاه أحداث تونس، خصوصا أن جيشها باتت له صلاحيات كاملة فى التصدى بقوة لأى محاولة للجوء إلى السلاح، لكن مع ذلك لا يمكن استبعاد تسلل بعض العناصر بشكل  فردى، إن حاولت حركة النهضة اللجوء إلى العنف أو ممارسة الاعتصامات، التى يبدو أن قرار الرئيس بمنع تجمع أكثر من ثلاثة أشخاص سيحول دونها.  

يمكن رصد توابع وارتدادات زلزال تونس على ليبيا على النحو التالى:

أولا: خسارة حليف رئيسى لهم هو راشد الغنوشى، زعيم حركة النهضة الإرهابية، الذى ما فتئ  منذ توليه رئاسة البرلمان التونسى فى نوفمبر 2019، يحرص على التواصل  دبلوماسيا مع رئيس المجلس الرئاسى الليبى السابق فائز السراج، ما أدى إلى التساؤل حول الدور الذى يلعبه كمسئول نيابى متجاهلا دور رئيس الجمهورية، وفى هذا الصدد، فقد شهدت أروقة  البرلمان، مساءلات، وصلت إلى حد المحاكمات الشعبية للدور الدبلوماسى المشبوه للغنوشى، وانتفاضة حزبية ضد حركة النهضة التى يتزعمها، وفى مايو من العام الماضى، تمحورت نقاشات حادة داخل المجلس، امتدت لأكثر من 20 ساعة حول تحركات الغنوشى المشبوهة، والتى شكلت تعديا على صلاحيات رئيس الجمهورية، وبدأ تأثير كرة الثلج فى التصاعد، حينما هنأ السراج بسيطرة ميليشيات طرابلس على قاعدة الوطية الجوية، التى غادرها الجيش الوطنى الليبى لأغراض تكتيكية، قبل أيام من جلسة المساءلة.  

ووفق مراقبين وسياسيين، فإن مثل هذه الممارسات، جاءت تأكيدا على المناورات التى لعبها الغنوشى على حساب مصلحة ومصير تونس من أجل مصالح التنظيم الدولى للإخوان، واعتبرت فى الوقت نفسه مخالفة للأعراف الدبلوماسية للدولة التونسية، وامتدت علاقة الرجل بتنظيم الإخوان فى ليبيا، حتى إنه كان يتباهى بالاتصالات التى يجريها مع خالد المشرى رئيس ما يسمى بالمجلس الأعلى للدولة.

ويبدو أن الغنوشى  - حسب الخبراء -  رأى فى نفسه مرشدا عاما لجماعة الإخوان فى شمال إفريقيا وبلاد المغرب العربى، وأنه كان يتعامل مع فرع التنظيم فى ليبيا على هذا الأساس، وبالتالى فإن الشعب التونسى خرج فى الموعد المناسب لإسقاط المشروع الإخوانى الساعى، إلى جعل ليبيا بيت مال للتنظيم الدولى، نظرا لثرواتها الكبيرة ولا سيما النفط.

ثانيا: إن الضربة القوية التى تلقتها حركة النهضة على يد الرئيس قيس سعيد، ستفتح الباب أمام  إسقاط جماعات ما يسمى بالإسلام السياسى فى ليبيا خلال الانتخابات المحددة فى شهر ديسمبر المقبل، وثمة مراهنة على أنه إذا ما نجح التونسيون فى استكمال استئصال الإخوان وتحجيم دورهم السياسى، فإن ذلك سيقود إلى قيام الليبيين بنفس المهمة التى قد يراها البعض صعبة، لكن من خلال صناديق الانتخابات، التى يبدو أنها الفرصة السانحة لاستئصال ورم الإخوان الخبيث من ليبيا، وذلك فى حال سارت خريطة الطريق كما هو مخطط لها، ومن الواضح أنه بعد نجاح الانتفاضة الشعبية ضد الإخوان فى تونس وبروز العداء الواسع للنهضة، شعر إخوان ليبيا أن ظهرهم أصبح عاريا على عدة واجهات، وأن  الدعاية الإخوانية فى ليبيا كانت تعتمد فى دعايتها على النموذج الخاص بحركة النهضة، لكن بعد خروج المواطنين إلى الشوارع وإسقاط المنظومة من خارج المؤسسات، انكشف زيف ادعاء التحول الديمقراطى، لاسيما أن حركة النهضة باتت خارج السلطة، ومن ثم ستكون ملاحقة من طرف المحاكم فى قضايا عدة، أهمها الجهاز السرى واغتيال الزعماء والتورط مع الإرهابيين، كما سيكشف ذلك عن بعض الملفات التى تبقى فى أدراج المحاكم، ولها علاقة بتبييض الأموال لبعص قيادات الإخوان وحلفائهم فى ليبيا، ما سيفضى إلى فضح جوانب مظلمة من شبكات التمويل الإخوانية وارتباطاتها.

فى المقابل، ثمة من يرى أن مخرجات ما جرى  فى تونس، قد يدفع  الأوضاع فى ليبيا نحو المزيد من التعقيد، فتنظيم الإخوان الإرهابى سيحاول بشتى الطرق الإبقاء على وجوده فى ليبيا، باعتبارها آخر معاقله فى المنطقة، وإن كان أصحاب هذا الرأى يرون أن سقوط حكم الإخوان فى تونس، من شأنه أن يشتت إخوان ليبيا ويضيق عليهم الخناق، الأمر الذى قد ينعكس إيجابا على الوضع الليبى فى ضوء التحولات السياسية، التى تشهدها البلاد منذ أشهر، باتجاه إنهاء الحروب والنزوع إلى الحلول السياسية المدعومة إقليميا ودوليا.

ثالثا: لعل الميزة النسبية التى يمكن وصفها بالإيجابية أن الليبيين انتبهوا إلى أهمية انتخاب رئيس الجمهورية عبر الانتخاب المباشر، حتى يمتلك القدرة على الإمساك بزمام الأمور، مثلما فعل الرئيس الرئيس التونسى قيس سعيد، فالرئيس المنتخب من الشعب مباشرة، يملك صلاحيات للحفاظ على الدولة، ليس بحكم نصوص الدستور، وهو ما يتخوف منه إخوان ليبيا، لذلك عملوا طويلا للحيلولة دون ذلك فى المناقشات الدائرة بشأن القاعدة الدستورية للانتخابات المقبلة، من خلال تشكيك الليبيين فى جدوى اختيارهم رئيسهم بأنفسهم، والآن باتوا يخشون أن يلقوا نفس مصير رفاقهم فى تونس على يد رئيس يأتى عبر الاقتراع المباشر، لكن  يمكن القول إنهم  “فشلوا” حتى الآن فى مخططاتهم بخصوص الانتخابات، وما تبقى لهم هو الحديث فى شروط الترشح لتفصيل  مواصفات معينة للرئيس.

رابعا: سقوط حكم حركة النهضة فى تونس من شأنه أن يقلص نفوذ قوى إقليمية سعت خلال السنوات الأخيرة، إلى اتخاذ ليبيا منطلقا للتمدد فى شمال إفريقيا، وسيفضى أيضا إلى قطع إمدادات الأسلحة وربما المرتزقة فى بعض المراحل، التى كانت تمر من الجنوب التونسى، عبر إخوان النهضة، بذلك سيغلق قوس الفوضى الذى فتحه الإخوان عبر تونس، واستهدف من ورائه تفكيك دول الشمال الإفريقى وبعثرة المنطقة بشكل كامل.

نقلاً عن الأهرام العربي

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة