ذاكرة التاريخ

غير صورة مصر فكيف كان "وجه الباشا".. أوصاف محمد على وكأنها جديدة عليك

2-8-2021 | 14:19

محمد على باشا

هبة سعيد سليمان






وصى أبناءه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قائلا:"ليس لكم يا أولادى وطن غير مصر، فإن لم تسلكوا سبيلى وتتبعوا خطواتى فلا عز لكم ولا علا وأنا منكم برئ"..إنه محمد على باشا مؤسس الدولة العلوية ومؤسس مصر الحديثة.




 


ملامحه لا تنبئ بما يخبئه له المستقبل، فهو صبى يتيم متوسط القامة ولكن ذا بنية قوية، وعيون زرقاء ذات نظرات حادة، صغير الفم كبير الأنف متناسب الملامح وله هيبة ووداعة، ثابت الخطوات منتصب القامة جميل الهيئة سريع الحركة، ولد محمد على المسعود إبراهيم أغا قوللى الألبانى فى 4 مارس 1769 بمدينة "قولة" إحدى موانى مقدونيا باليونان، والده إبراهيم أغا وأمه زينب، وله سبعة عشر شقيقا توفوا جمعيا صغارا ولم يبق سواه، توفى والده وهو فى سن الرابعة عشرة، ثم لحقت به أمه فتكفل به عمه طوسون، ثم توفى بعد فترة قصيرة فأصبح يتيما ووحيدا، وشكلت هذه الظروف شخصيته فجعلته يتسم بالشجاعة والإقدام وقوة التحمل.




 


كتب جورجى زيدان في مجلة الهلال عام 1893م مقالا من "مذكرات محمد على" عن طفولته قال فيه: "ولد لأبى سبعة عشر لم يعش منهم سواى، فكان يحبنى كثيرا ولا تغفل عيناه عن حراستى كيفما توجهت، ثم توفاه الله فأصبحت يتيما قاصرا وأبدل عزى ذلا، وكثيرا ما كنت أسمع عشرائى يكررون هذه العبارة التى لا أنساها عمرى وهى (ماذا عسى يكون مصير هذا الولد التعيس بعد فقد والديه؟)، فكنت إذا سمعتهم يقولون ذلك أتغافل عنه، ولكننى أشعر بإحساس غريب يحركنى إلى النهوض من تحت هذا الذل، فكنت أجهد نفسى بكل عمل أستطيع معاطاته بهمة غريبة حتى كاد يمر على أحيانا يومين لا أكل ولا أنام إلا شأنا يسيرا".




 


لم ينل محمد على أى قسط من التعليم؛ بسبب يتمه وفقره، وكان يحزن عندما يرى أصدقاءه يذهبون للدراسة وهو لا يستطيع، ولكنه لم يظهر لهم حزنه، بل كان يتجول بين السهول والجبال والبحار، وأصبح زعيما عليهم عند بلوغه سن المراهقة؛ بسبب تفوقه بقوته البدنية وذكائه الفطرى، وتعامل معهم بعنف وانتظر منهم تنفيذ تعليماته دون مناقشته، فكان يحدث الصدام مع من يخالفه الرأى فينتهى دائما بشكوى إلى الحاكم، فهو يعتبر ولى أمر محمد على، وزادت المشاكل بشكل مزعج مما دفع الحاكم إلى التفكير فى مستقبله وضرورة الاستفادة من طاقته فألحقه بالجندية.




 


أراد الحاكم أن يزوجه من إحدى السيدات الثريات من قرية "نصرتلى" باليونان، وهى "أمينة" ابنة على أغا شاهر الذى توفى تاركا ثروة طائلة ورثتها ابنته، وتم الزواج وانتقل محمد على للإقامة مع زوجته بنصرتلى وعمل بتجارة التبغ مع صديق فرنسى، وأصبح ينتقل من مدينة لأخرى لإدارة تجارته التى أدرت عليه الكثير من الأموال، واستمر بالعمل بالتجارة 11 عاما أكسبته الخبرة، وأنجب بنتين توحيدة وزينب وثلاثة أولاد هم: إبراهيم وإسماعيل وطوسون.




 


أصدر الخديوى العثمانى فرمانا بتجهيز الجيش من جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية للدفاع عن مصر بعد دخول الفرنسيين واحتلال نابليون لها عام 1798، فوقع الاختيار على محمد على ليكون نائبا لقائد فرقة الألبانية "أرناؤوط"، وانضم للجيش العثمانى، وصل مصر عام 1800م، وكان يبلغ من العمر ثلاثين عاما، وقامت معركة أبى قير بين القوات العثمانية بالاشتراك مع القوات الإنجليزية من جهة وبين القوات الفرنسية من جهة أخرى، وقاتل محمد على بشجاعة وجرأة وإقدام أدهش كبار القادة العثمانين لمهارته القتالية، شارك بالعديد من المعارك خلال عامين منذ وصوله لمصر حتى أصبح فى عام 1803 قائدا لأقوى فرقة محاربة فى مصر "الفرقة الألبانية" وتحت قيادته ٤ آلاف مقاتل ينفذون أوامره.




 


وأصبح لدية هدف، وهو الوصول لحكم مصر، وأخذ بالتخطيط لتنفيذ هذا الهدف والتخلص من كل العقبات التى تظهر أمامه، وفى عام 1802م كان الولى العثمانى على مصر هو "خسرو باشا"، وأيقن أنه يواجه عدوا شرسا وهو محمد على، بالرغم من أنه يملك السلطة والشرعية كان محمد على يملك القوة والدهاء، وبالفعل انتصر محمد على بذكائه وسقط خسرو باشا وطُرد من القاهرة، ولم يسارع محمد على بتولى عرش مصر بل دفع بطاهر باشا واليا على مصر، ولكنه كان يتميز بالظلم والجبروت فتم التخلص منه، وتولى أحمد باشا ولاية مصر ضد رغبة محمد على الذى تحالف مع المماليك، وحدثت فوضى فى البلاد بصراعات بين المماليك والعثمانين، وتم عزل أحمد باشا، وقام محمد على بتعيين خورشيد باشا حيث كثرت الفوضى والظلم فى البلاد، وكل هذا بتخطيط من محمد على لتولى حكم مصر ولكن بطريقة شرعية وهى اختيار الشعب والزعامات الشعبية له، وبالفعل تم ما أراد.




 


أجمع العلماء فى مصر بزعامة عمر مكرم فى يوم 13 مايو 1805 بعزل الولى المستبد خورشيد باشا وتعيين محمد على واليا على مصر بدلا منه وقاموا بتقليده الولاية.




 


أصبح محمد على واليا على عرش مصر بإرادة شعبها وعلمائها، وقام بالعديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاهتمام بالتعليم والجيش والبحرية وكان له الأثر الطيب فى حكم مصر والاهتمام بها.




 


نشرت مجلة "الهلال" فى عددها الصادر أول مايو عام 1893 مقالة تحت عنوان "محمد على باشا مؤسس العائلة الخديوية" وصفت فيه محمد على بما يلي: "كان محمد على متوسط القامة، عالى الجبهة أصلعها، بارز القوس الحاجبى، صغير الفم، كبير الأنف، متناسب الملامح مع هيبة ووداعة، أبيض اللحية كثيفها مع استدارة واسعة، جميل اليدين، منتصب القامة، جميل الهيئة، ثابت الخطوات منتظمها، سريع الحركة، إذا مشى جعل يديه متصالبتين وراء ظهره غالبا، وعلى الخصوص إذا مشى فى داره متفكرا فى أمر، وقلما يتفاخر باللباس، فكان لباسه غالبا على زى المماليك، وعلى رأسه الطربوش الجهادى، ثم أبدله بالعمامه فزادته هيبة ووقارا، وأبدل اللباس العسكرى بلباس واسع بسيط لا يمتاز به عن بعض أتباعه، وكان يكره التفاخر بالحاشية، فلم يكن على بابه إلا رجل واحد يخفره، وإذا استوى فى مجلسه لا يتقلد السلاح وإنما يجلس وفى يده حفنة السعوط والمسبحة يتلاهى بها، وكان يحب ألعاب البليار والداما، ولا يأنف من مجالسة صغار الضباط".




 


ونشرت جريدة "الأهرام" ملفاً كاملاً عنه فى عددها رقم 23043 الصادر يوم السبت 19 نوفمبر 1949 وهو عدد خاص بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية لوفاته، وأفردت لها 24 صفحة، ويعتبر سجلا تاريخيا يضم حقائق تاريخية عنه وعن الأسرة العلوية وما يخصه من أعمال قام بها، فكتبت فى أول العدد ما قيل عنه بلسان الآخرين:


 


(ولد هذا الرجل للمجد والعظمة وخلق للقيادة والإدارة) "شارلس مرى"


(يمتاز بالصراحة والإخلاص ولذلك تبرم من المنافقين) "كلوت بك"


(يعد الباشا حقيقة رجلا عجيبا فى الإمبراطورية العثمانية فهو يمتاز بعبقرية فائقة وحكمة بالغة وهو دائب فى ابتكار المشروعات للنهوض ببلاده) "بواييه 1834"


(رجل طيب القلب بطبيعته، كان يعطف دائما على من حوله وإذا غضب رسم حدودا لآثار غضبه) "بواييه 1825"




 


وفى الصفحة الثالثة من العدد كتب عنه الدكتور جاك تاجر "محمد على الرجل ونفسيته، الحاكم وسياسته"


 


كان شديداً فى تربية أبنائه وأحفاده، فكتب عن ذلك الأستاذ إبراهيم المويلحى فى الصفحة الرابعة من العدد: "تربية أنجاله".




 


وقد أشادت "الأهرام" فى الصفحة الثامنة من العدد بأعماله التى قام بها بمقالات منها "أحد عباقرة الصناعة فى مصر"، "منشآته العمارية" و"مدينة القلعة وقلعة المقطم".




 


وفى الصفحة الحادية عشرة كتبت "كيف تبوأ عرش مصر".




 


خرج محمد على في آخر رحلة بحرية له فى21 مارس 1848 وعاد منها إلى الإسكندرية إثر مرض ألم به وساءت حالته الصحية، ولم يعد قادراً على القيام بواجبات الحكم واضطر إلى اعتزال الولاية وتسليمها إلى ابنه إبراهيم، وانعزل فى قصر رأس التين تارة وفى قصر شبرا تارة أخرى بعد الكفاح والجهاد والانتصارات والهزائم حتى أصبحت إمبراطوريته تشمل مصر والجزيرة العربية والشام والسودان وقبرص وأجزاء من اليونان وتركيا، فقد فيها أبناءه منهم طوسون بعد حرب الحجاز، وإسماعيل أثناء فتح السودان، ثم توفى ابنه إبراهيم أقرب أبنائه لقلبه وتولى الحكم حفيده عباس الأول، كما توفت ابنته الكبرى توحيدة، وكذلك زوجته أمينة هانم، وبقى له من الأولاد محمد سعيد باشا، ومحمد عبد الحليم باشا، ومحمد على باشا الصغير، ونازلى وزينب.


 


توفى الباشا فى الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم 2 أغسطس 1849 بقصر رأس التين بالإسكندرية، وحُمل الجثمان على إحدى البواخر من الإسكندرية إلى ترعة المحمودية، وشُيع فى موكب مهيب سار فى شوارع العاصمة وميادينها حتى بلغ قلعة الجبل، واستقبله حفيده عباس باشا الأول، ودُفن بجامع محمد على بالقلعة عند سفح المقطم بالقاهرة، ووصفت "الأهرام" في عددها الخاص حالة البلاد، فقالت:"نُكست الأعلام، وارتدت البلاد ثياب الحداد، وجاءت الوفود المُعزية من وزراء وقناصل وأعيان ووجهاء لتوديع محمد على الكبير".







الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة