الرأى

تونس الخضرا ء.. وسر القوة الناعمة

1-8-2021 | 16:19

تونس الخضرا ء ... وسر القوة الناعمة

 

زينب  المنباوى     

لا تستطيع أن تقاوم جاذبيتها من أول وطأة على أرضها الخضراء..لها سحرخاص يميزها يجمع بين الحضارة والتحضر انصهر عبر تاريخ يمزج بين الشرق بقوته وصلابته وجذوره المتأصلة فى شريانها وبين ثقافة غربية لم تنل منها بل أضافت لها الرقي في المعاملات الإنسانية.. إنها تونس "الخضراء"  التي أعشقها وتشرفت بزياراتها  أكثر من مرة قبل محاولات اغتيالها؟!

فهي صاحبة لقب "الخضراء" بكل  ما تحمل الكلمة من معنى فهى ليست فقط أرض خضراء اشتهرت بكمية كبيرة من الأشجار والنخيل بكل بقاعها فحسب، ولكنها أيضا أرض خصبة بفكرها وقدرة استيعابها للآخر مهما اختلف معها رافعة راية السلام  وليس الاستسلام، ثائرة على من يصور له طمعه فى إلغاء كيانها وطمس نورها فلن تستطيع قوة أن تقضي على استقلال فكرها أو كبح انطلاقها نحو المفهوم الحقيقي للحرية بكل وعي وإنسانية.

  سر قوتها في ثقافتها، ودرعها وسلاحها في مبادئ فكرها لذا هي دائما منتصرة في كل معاركها مهما طال الزمن، فكانت رائدة أول جامعة في العالم الإسلامى، حيث أنشأت  جامعة الزيتونة (عام  737 ميلاديا _120 هجريا)، وتعتبر من أقدم الجامعات في العالم، كما انطلق ونهل من خيرها رموز فكر كانت بمثابة قبلة يحتمون بها ويجدون ضالتهم المنشودة على أرضها.

وعلى الرغم من علاقاتها الدولية الناجحة إلا أن "مصر" عندها  دائما فى القمة بما يليق بمكانة مصرالمميزة عربياً وإقليمياً ودولياً، كما تتميز العلاقة بين البلدين حكومة وشعباً بمساحة خاصة على مر التاريخ، فهناك دائماً جسر من التواصل بين مصر وتونس عمقته المواقف وأكدته الشدائد عبر تاريخ عربي مستنير الفكر فكانت للقوة الناعمة دورها في تأصيل أوصاله وحماية بنيانه.

ويكفي أن تقررالقيام بجولة فى شوارعها "الجميلة" التى تجمع بين عبق التاريخ وتمدن الحاضر، ولاسيما في شارعها الرئيسي "الحبيب بورقيبة" المؤدى لأشهر وأقدم سوق وهى السوق "العربية" لتملأ أذنك بصوت ثومة على المقاهي فيثلج صدرك ويزيدك الحنين والفخر بمصر حينما يذكرك بها وطن ابن خلدون؟! أو تجدد طاقتك الإيجابية بالذهاب إلى (سي بوسعيد ) على البحر المتوسط وتتفاجأ بمقطوعة موسيقية بتوزيع جديد يجمع بين الشرق والغرب لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكأنه لسان الحال يؤكد لنا أن مصر عند تونس فى القلب؟!

ولم يكن بيرم التونسي عاشق الإسكندرية _ الأول ولن يكون الأخير _  الذي حلم أن ينال الجنسية المصرية ليكلل وطنيته بعشقه لمصر وقد حصل عليها فعلا عام 1960 أى قبل وفاته بعام واحد فقط ظل طيلة حياته يناضل بكلماته، ويتغنى بأشعاره نجوم  الطرب المصري وفى مقدمتهم السيدة أم كلثوم.

ومن أهم المواقف التى يشهد عليها  التاريخ وأصدق دليل حينما قررت كوكب الشرق أم كلثوم إحياء حفلاتها لصالح المجهود الحربي فكانت أول حفلة لها فى تونس فى 31 مايو عام 1968، وهنا تتجلى مدى تقديرهم لمصر وعشقهم لترابها متمثلة في الاستعدادات لاستقبالها واعتبارها سفيرة بفنها عن درة الشرق مصر، حيث استقبلها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وزوجته "وسيلة"، وأقاما حفل غداء على شرف حضورها فى قصر قرطاج وتم تكريمها بمنحها وسام الجمهورية من الدرجة الأولى وكان وقتها  الشاذلي القليبي وزيراً للثقافة في تونس، كما تم افتتاح شارع باسمها، وحضر بورقيبة وزوجته الحفل، وكعادتها تألقت "الست" وتفاجأ الحضور والمستمع العربي كله بإعادة مقطع ( هل رأى الحب سكارى مثلنا ) فى قصيدة الأطلال ( 26 مرة ؟!) في استجابة منها لإشارة من يد ( بورقيبة )، وكانت حفلتها الثانية بعد ثلاثة أيام وتحديداً فى 2 يونيو 1968 ووصل سعر التذكرة إلى( 100 دينار) وحققت إيراداً  حوالى ( مائة  ألف دينار )، فكان الاستقبال الشعبي قبل الرسمي... رسالة عن مكانة مصر ومكانتها عند تونس شعباً ودولة  التي كانت وستظل.. وهذا يكفي.

 

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة