راديو الاهرام

سلامة والحفني و"تسييس" الجائحة

2-8-2021 | 00:21

قامتان مصريتان مرموقتان تشرفت بمزاملتهما أمس الأول، والاستماع إليهما، والتعلم منهما، خلال حديثهما الأكاديمي والدبلوماسي والقانوني، بخصوص إعادة فتح ملف منشأ جائحة كورونا المستجد (كوفيد -19)، هما: أستاذ القانون الدولي العام، الدكتور أيمن سلامة، ونائب وزير الخارجية الأسبق، السفير علي الحفني.

لأن هذه القضية تشغل الرأي العام، المحلي والعالمي، بعد قيام الولايات المتحدة بالضغط على منظمة الصحة العالمية لبدء جولة جديدة من تحقيقات التتبع لفيروس كورونا الجديد في جمهورية الصين الشعبية، أنقل هنا -حرفيا- وجهتي نظرهما.

يقول السفير الحفني: إحدى آفات العصر الحديث هي ظاهرة "تسييس" الأمور والقضايا، والمثل الصارخ لذلك هو توظيف قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والحوكمة في ابتزاز الطرف الآخر والضغط عليه ودفعه لاتخاذ مواقف لا تتفق مع مصالحه، وأقصد هنا العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

من المستغرب أن من يوظف ويستغل هذه القيم هو -أصلا- يمارس انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من الدول والمواقف، إما في الإطار الثنائي، أو في الإطارين الإقليمي والدولي، ويسعى، أيضا، لتحقيق أهدافه بمعزل عن مصالح الدول الأخرى.

مثال على ذلك ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي، التي قضت على الأخضر واليابس، وأحدثت دمارًا غير مسبوق في المنطقة العربية، وشردت ملايين من مواطنيها، ومن ثم فإن هذه الممارسات تمثل أكبر آفات العصر.

أما أن يجري "تسييس" قضية كـ جائحة كورونا فهذا هو الأمر المشين، هذا الوباء ظهر في الصين، صحيح، وربما ظهر في مناطق ودول أخرى في وقت متزامن، وإنما جرى التركيز على الصين، بحكم أنها دولة كبيرة، يقتنها مليار و400 مليون نسمة، وانتشر الوباء فيها بشكل سريع في بدايات ظهوره.

بدلا من أن تمد الدول الغربية يد العون للصين في سعيها لمحاصرة الوباء، انطلق البعض لـ "تسييس" الموضوع، الذي مثل فرصة ذهبية للضغط على الصين، ومحاولة إثارة الفتنة داخلها، وإحداث بلبلة واضطراب بين مواطنيها، وفي علاقتها مع الدول الأخرى، للنيل من مصداقية الصين، وصورة الصين الذهنية لدى الشعوب، وللتأثير على ما حققته الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق، التي قدمت الصين من خلالها الكثير من الدعم والمساندة للدول الأخرى.

يقول السفير الحفني: إنني أتساءل لماذا لم يتم "تسييس" قضية انتشار فيروس "سواين فلو" أو ما أطلق عليه خطأ -وقتها- بإنفلونزا الخنازير في المكسيك عام 2010؟ بل لماذا لم يتم "تسييس" جائحة إنفلونزا الطيور في عام 2003؟

بالطبع الصين لم تكن بالقوة التي أصبحت عليها الآن، فهي أول قوة تجارية في العالم، دولة سوف تصبح في مركز الصدارة، كأول قوة اقتصادية في العالم، في أوائل العقد المقبل، دولة تملك أكبر احتياطيات من النقد الأجنبي، دولة تجاوزت الدول المتقدمة في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا، والآن في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الفضاء، بالتالي، الأمر متعلق بالمنافسة التي تتزايد يومًا بعد يوم بين الصين والدول الغربية، وبصفة خاصة الولايات المتحدة.

بدلا من ألا نشيد بما حققته الصين من معجزة لتمكنها من الانضباط والحزم في التعامل مع الجائحة ومحاصرتها والقضاء عليها، تقريبا، بمجرد ظهورها على أرضها، وهي تمثل خمس سكان المعمورة، وهو الأمر الذي وفر الحماية الكاملة للمصالح العالمية، فإن الدول الغربية لم تقدم يد العون، بل سعت بعضها لمحاولة هدم مصداقية الصين، بترديد الشائعات المغرضة، و"فبركة" القصص بشأن منشأ الفيروس، وتحميلها المسئولية، طمعا في الحصول على ما تسميه بالتعويضات.

في المقابل، وبمجرد ظهور الجائحة، حاصرتها الصين داخل حدودها، وقدمت المعونات الطبية والصحية لدول ومناطق العالم، بدون استثناء، وسارعت الخطوات لإنتاج لقاح لوقاية الشعب الصيني والبشرية جمعاء من أثار هذا الوباء، الذي خلف نحو 200 مليون مصاب، وراح ضحية له من 3 إلى 4 ملايين إنسان حتى الآن.

موقف الصين ينم عن مسئولية ويعكس الفكر الصيني، الذي كان وراء إطلاق مبادرة الحزام والطريق، لإصلاح ما اعترى العولمة، وتعزيز الاعتماد المتبادل والتضامن بين الدول، وإقامة مجتمع رفاه عالمي، يحقق طموحات الشعوب، ويرفع مستوى معيشتها، ويعزز الدخول، فهل فعل الغرب ما فعلته الصين؟! وهل وظفت الصين إخفاق الولايات المتحدة، واستهتارها في التعامل مع الجائحة، لصالحها؟!

يختتم السفير علي الحفني قائلا: نحن نعيش اليوم في ثورة المعلومات والاتصالات، وما يجري متابعته على وسائل التواصل الاجتماعي يجعلنا نتساءل: لما كل هذه البلبلة التي كان منبعها هي الدول الغربية، بما جرى رصده من خلافات بين أجهزتها الطبية والعلمية، بما تسبب في مردود سلبي خطير على مدى استعداد سكان المعمورة بضرورة تلقى اللقاح، ولا يزال هناك الملايين العازفين عن تلقيه!!

فمن يتحمل مسئولية ما حدث من تشكك الملايين بجدوى اللقاحات؟ وهل وجهت الصين أصابع الاتهام لدول الغرب، أم تعاملت بقدر من المسئولية الوطنية والدولية وعدم "تسييس" الأمور في تناول كل ما يتعلق بجائحة كورونا؟

من جانبه، أطلق الدكتور أيمن سلامة، وصف "الجهل الفاضح والتطاول الكالح" على الدعاوى التي رفعها مواطنون أمريكيون أمام القضاء الأمريكي ضد الحكومة وهيئات ومؤسسات صينية، تطالبهم بدفع تعويضات مالية ناهزت مليارات الدولارات، بزعم إهمال جمهورية الصين الشعبية في السيطرة على جائحة كورونا المستجد، والتباطؤ في إبلاغ منظمة الصحة العالمية بحقيقة الوباء، مؤكدًا أن مآل هذه الدعاوى الرفض من جانب القضاء الأمريكي.

يقول الدكتور سلامة: يتأسس رفض القضاء الأمريكي إعمالًا لمبدأ قانوني راسخ وهو "الحصانة القضائية السيادية للدول"، ويعني: "لا يجوز ملاحقة الدول الأجنبية أمام المحاكم الوطنية للدول، وقد أكدت المبدأ القانوني المشار إليه محكمة العدل الدولية (الجهاز القضائي للأمم المتحدة) حين أقرت عام 2012 بأنه لا يجوز أن ترفع دعاوى مدنية أمام القضاء الوطني الإيطالي ضد الحكومة الألمانية.

ونوه الدكتور سلامة إلى تربص الإدارات الأمريكية المتلاحقة بالصحة العالمية، مشيرًا إلى أنه يرجع للعام 1964، حين شكلت الولايات المتحدة، بنية تشاورية، سميت "مجموعة جنيف"، بهدف تقليص ميزانيات الوكالات المتخصصة الأربعة الأكثر أهمية وهي: منظمة العمل الدولية، منظمة الصحة العالمية، اليونسكو، منظمة الأغذية والزراعة.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة