عرب وعالم

ليس كورونا وحده.. لماذا يعارض اليابانيون وغيرهم استضافة «الألعاب الأوليمبية»؟

23-7-2021 | 23:23

المظاهرات الرافضة لإقامة أولمبياد طوكيو

محمود سعد دياب

لم يكن تفشي وباء كورونا السبب الوحيد وراء الاحتجاجات المتتالية داخل اليابان وخارجها، رفضًا لاستضافة مدينة طوكيو فعاليات الأوليمبياد، وطرح اعتقال شرطة العاصمة اليابانية، لمواطن يتظاهر في محيط الملعب الأوليمبي تساؤل مهم، وهو لماذا يعارض اليابانيون استضافة بلادهم العرس الأوليمبي العالمي الذي لا يتكرر إلا كل أربع سنوات؟ والذي لم يتكرر في اليابان منذ آخر دورة استضافتها عام 1964، والسؤال الأهم لماذا تكتسب تلك الدعوات زخمًا شديدًا؟ وهل ستتحول الأولمبياد إلى منافسات افتراضية كما اقترح رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية توماس باخ؟

"سوسومو ياماموتو" المواطن الياباني البالغ من العمر أربعين عامًا، كان ضمن عشرات المتظاهرين في منطقة شيبويا القريبة من الملعب الأوليمبي الذي استضاف حفل افتتاح أوليمبياد طوكيو 2020، تلك التظاهرات التي سمع صوتها كل من حضر حفل الافتتاح، في ظل عدم حضور جماهير داخل الملعب في إجراء احترازي لمكافحة فيروس كورونا المستجد.

تاريخ طويل من معارضة الأولمبياد

التظاهرات الغاضبة من الأوليمبياد لم تقتصر على الداخل الياباني، بل دشن البعض حركات لـ"مناهضة للألعاب الأوليمبية" بالخارج، بشكل عابر للحدود، وسبب معارضتهم لا ينبع فقط من عدم رضاهم عن تدابير الوقاية من كورونا، لكن هناك أسباب أخرى دفعت هؤلاء لمناهضة إقامة الأوليمبياد في كل دورة،وكان أشهر تحركاتهم عندما عارضوا استضافة مدينة دنفر بولاية كولورادو الأمريكية الأولمبياد الشتوية عام 1976، وقتها اتسع نطاق المعارضة للآثار التدميرية لإقامة الأوليمياد على البيئة، والأعباء الضريبية المصاحبة لها، حيث صوت الأغلبية ضد إقامتها في الاستفتاء الشعبي، ونتيجة لذلك تقرر التخلي عن الألعاب قبل 4 سنوات من موعد إقامتها، ونقلت إلى مكان بديل بمدينة إنسبروك النمساوية.

كما قوبلت إقامة مسارات التزلج لمسابقات الرجال للتزلج الجليدي في جبال الألب عند إقامة الألعاب الأولمبية الشتوية في ناغانو عام 1998، بانتقادات من قبل جماعات حماية الطبيعة، ليجري نقلها في النهاية من جبل إيواسوجي، بمرتفعات شيجا إلى سفح هابّو في جبل هاكوبا، وفيما بعد برزت مشكلة كبيرة نتيجة لتعارض آراء الاتحاد الدولي للتزلج واللجنة الأولمبية، حول إمكانية إقامة نقطة البداية في منطقة خاصة داخل المنتزه الوطني أم لا.

وخلال الفترة الأخيرة، توالى انسحاب المدن عن الترشح لاستضافة الأوليمبياد إثر وجود معارضة من المواطنين، وانسحبت مدن هامبورج الألمانية، وروما الإيطالية، وبودابست المجرية عن استضافة الأوليمبياد الصيفية لعام 2024، حيث شكلت أصوات المعارضة أغلبية في الاستفتاء الشعبي في هامبورج، بينما انسحبت روما من الترشح بعد تغيير عمدة المدينة، كما نظر إلى المعارضين في بودابست كسببًا كبيرًا لانسحابها من الترشح لاستضافة الأولمبياد، وكان السبب دائمًا في كل تلك الحالات، هو المخاوف من العبء المالي الكبير لتلك الاستضافة.

وهكذا، وجدت حالات في الماضي نشأت فيها حركات المعارضة بسبب وجهات نظر متعلقة بحماية البيئة وقضايا مالية. ولكن، يتميز زمننا الآن بظهور تضامن عابر للدول، تساند الحركات المناهضة لإقامة العديد من الألعاب الأولمبية، ما أكسب تحركات اليابانيون المعارضون للأوليمبياد زخمًا كبيرًا.

وتزايدت أصوات المعارضين للأوليمبياد ارتفاعًا، بعدما قامت به السلطات الفرنسية، من هدم حديقة خضروات مخصصة للعمال في ضاحية أوبرفيليه خارج باريس، لبناء مسبح أولمبي للتدريبات، استعدادًا لاستضافة الأولمبياد الصيفية 2024، لكي يتسبب الأمر في معارضة كبيرة وتظاهرات، خصوصًا وأن عمر هذه الحديقة يزيد عن قرن من الزمان، وكان فقراء المدينة يستخدمونها لزراعة الخضراوات بهدف كسب قوت يومهم.

وفي لوس أنجلوس الأمريكية، احتشدت التجمعات المطالبة بإلغاء أولمبياد طوكيو، تحت مظلة ودعم منظمة "لا لأولمبياد لوس أنجلوس"، التي قالت إن "طوكيو 2020 منافية للأخلاق، لقد أغفلت حياة الكثيرين حتى من قبل ظهور جائحة كورونا"، كما تناولت الأوضاع في الولايات المتحدة قائلة: "ندرك آثار الأولمبياد الواقعة على المجتمعات التي لا تحصل على الدعم اللازم لحياتها، مثل الفقراء، والمواطنين الأمريكان من أصول إفريقية أو لاتينية وغيرهم".

وفضلًا عن جماعات المعارضة المتضامنة مع اليابانيون الرافضون للأوليمبياد في فرنسا وأمريكا، هناك جماعات مماثلة في كوريا الجنوبية التي أقيمت بها الأولمبياد الشتوية عام 2018، ولا تقتصر مطالبات هذه الجماعات على إلغاء المسابقات فقط، بل تذهب إلى إلغاء فكرة الأولمبياد من الأساس واللجنة الأولمبية الدولية.

الأوليمبياد ستقتلنا

منذ شهر يونيو الماضي، ينظم اليابانيون عدة مظاهرات غاضبة مطالبين بإلغاء الأولمبياد، ودعت لتلك التظاهرات ثماني جماعات ومنظمات رافضة لما أسموه بـ"كارثة الأولمبياد"، وذلك بالتنسيق مع سكان كلًا من باريس المدينة المنظمة لأولمبياد 2024، ولوس أنجلوس المستضيفة لأولمبياد 2028، وأسموا ذلك اليوم "يوم مناهضة الأولمبياد"، وذلك عكس المتبع دوليًا منذ نشأة الأولمبياد الصيفية رسميًا عام 1894م الذي يوافق تاريخ إنشاء اللجنة الأولمبية الدولية، وهو اليوم الذي يشهد عادة حفلات وفعاليات تريض في كل الدول، ولكن ألغي كل ذلك هذا العام بسبب جائحة كورونا، وبدلًا منه، أقيمت تجمعات كبيرة مناهضة للأولمبياد، وتظاهرات رفعت شعارات مثل "لا نسمح التضحية بنا في مثل هذا المهرجان" و"الأولمبياد ستقتلنا".

مأساة سكان كاسومي وفوكوشيما

فيما انضم لهؤلاء بعض المضارين من استضافة طوكيو للأوليمبياد، مثل الخائفين من زيادة تفشي فيروس كورونا، أو سكان حي كاسومي غائوكا بالعاصمة اليابانية، والذين أُجبروا على ترك منازلهم لصالح تشييد الإستاد الوطني، فضلًا عن سكان المناطق المنكوبة بالحادث النووي في فوكوشيما وغيرها التي لم تعد كما كانت حتى رغم مرور عشر سنوات على الحادث، بينما يروج للأولمبياد على أنها "أوليمبياد إعادة الإعمار"، وفقًا للمتظاهرين الذين أكدوا لوسائل الإعلام اليابانية، أنه حتى مسيرات الشعلة الأولمبية في سائر أنحاء بلاد الشمس المشرقة تمت بشكل تجاري بحت.

المنطق التجاري

المنطق التجاري الذي ذكره المتظاهرون، تناوله عالم السياسة الأمريكي جيولز بويكوف في كتابه "منطق معارضي الأولمبياد"، الذي وصف مساعي الدول لاستضافة الأولمبياد بهدف تجاري بأنها "رأسمالية احتفالية"، حيث تبحث عن صب الأموال والفوائد والامتيازات، دون النظر لتسارع وتيرة الفوضى المصاحبة للأجواء الاحتفالية، وأيضًا إغفال ضحايا التمييز، والطبقات الفقيرة، والمستضعفين بالمجتمع، وأن ذلك ما يحدث في حالة أولمبياد طوكيو، فبينما يخضع الناس لقيود معيشية بسبب كورونا، تفرض اللجنة الأولمبية الدولية إقامة تلك الألعاب التي تدر عليها أرباحًا طائلة، بشكل جبري، متجاهلة المخاوف من انتشار عدوى كورونا.

وقال الكاتب الأمريكي، إن تأجيل الأوليمبياد من العام الماضي، يؤكد أنه يتم تفضيل طبقة محددة، على حساب طبقات المجتمع الأخرى، في حين ينص الميثاق الأولمبي على أنه "يجب ضمان التمتع بالحقوق والحريات التي ينص عليها هذا الميثاق الأولمبي دون أي شكل من أشكال التمييز، كالتمييز في العرق أو اللون أو الجنس أو التوجه الجنسي أو اللغة أو الديانة أو الرأي السياسي أو غيره، أو المنشأ الوطني أو الاجتماعي، أو الملكية أو منشأ الولادة أو أي وضع آخر".

لكن الآثار الوخيمة لفيروس كورونا، أجبرت المنظمون على أن تكون منافسات الأولمبياد دون جمهور في العاصمة طوكيو، ومحافظات كاناغاوا وسايتما وتشيبا وهوكايدو وفوكوشيما، فضلًا عن الإلغاء المتتالي لشاشات العرض العملاقة للجماهير في كل مدينة، ومع خبوت هذه الأجواء الاحتفالية، فقد الأولمبياد بريقها وأصبحت بدون روح.

هل تتحول الأوليمبياد لمنافسات افتراضية؟

كل ذلك طرح تساؤل مهم، وهو إمكانية أن تتحول الأولمبياد لمباريات افتراضية، وهو أمر يبدو أن قيد التطبيق خصوصًا وأن رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية قد طرح الفكرة في خطته لتطوير الألعاب الأولمبية حتى نهاية ولايته عام 2025، وخصص لها البند التاسع تحت عنوان "تشجيع تطوير الرياضات الافتراضية"، مطالبًا بدراسة إضافة رياضات افتراضية بدنية بالتعاون مع كل منظمة من المنظمات الرياضية الدولية، ويقصد توماس باخ بتلك الرياضات الافتراضية أن تكون رياضات تترافق مع حركة بدنية في بيئة بعيدة وربطها عبر الإنترنت، وليس ألعاب الفيديو مثل "ببجي" و"سوبر ماريو" أو "الرياضات الإلكترونية" المعروفة.

وفكرته نابعة من رغبة في التطور ومواكبة التقدم التكنولوجي، ما جعل اللجنة الأولمبية الدولية تنظم بطولات وظفت خلالها بيئة الإنترنت منذ 2020 العام الذي شهد تفشي وباء كورونا، مثل النسخة الافتراضية لسباق الدراجات التقليدي "تور دو فرانس" وبطولة القوارب العالمية، وخلالها قام اللاعبون من جميع أنحاء العالم بتحريك دراجاتهم أو بالتجديف بقواربهم أثناء مشاهدة شاشة العرض في المنزل أو في منطقة التدريب، ويتم ربط هذه الأوضاع عن طريق الإنترنت، وتتم في الفضاء الافتراضي، وتمت إقامة كل من البطولتين بمشاركة أفضل اللاعبين العالميين.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة