راديو الاهرام

ثورة يوليو وإفريقيا

25-7-2021 | 06:59

بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة يوليو المجيدة التي قادت جميع حركات تحرير الأراضي والثروات في العالم الثالث، كما يقول مفكرنا الإستراتيجي جمال حمدان، ويؤكده كل زعماء تحرير العالم الثالث؛ من جيفارا إلى كاسترو إلى مانديلا وتشفيني وبومدين ونيريري وغيرهم.

كانت لثورة يوليو اهتمام متزايد بقارة إفريقيا بوجه عام، وبدول حوض النيل بوجه خاص منذ نشأة الثورة، كما ذكر الزعيم الخالد جمال عبدالناصر في كتابه فلسفة الثورة، أن هناك ثلاث دوائر أساسية مهمة للسياسة الخارجية المصرية؛ وهى الدائرة العربية والإفريقية والإسلامية.

ولم تكن هذه مجرد شعارات أو أمنيات، بل حقائق ترجمتها ثورة ناصر منذ بدايتها إلى رحيل قائدها بالدم والسلاح والمال وكافة صور المساندة من الجزائر إلى الكونغو وغيرهما.

وكان لإفريقيا الأولوية والأهمية؛ حيث ساعدت مصر تقريبًا كل حركات التحرير في إفريقيا، لدرجة أن أكبر الميادين في كثير من الدول الإفريقية تسمى باسم ناصر حتى الآن، وكما يقول كاتبنا الكبير صلاح طاهر إنه رأى صورة ناصر في كثير من الأماكن بالدول الإفريقية، وحينما كان يسأل المواطنين من هذا، كان الرد إنه ناصر أبوإفريقيا.

وشهدت هذه الفترة أزهى وأفضل فترات العلاقات الوطيدة بين مصر وكل الدول الإفريقية تقريبًا، وكانت جميع هذه الدول دائمًا في جانب مصر في جميع المحافل الدولية، وفى التصويت لصالح الموقف المصري في كل القضايا، وكانت هناك مقاطعة تامة مع العدو وزادت حصة مصر من مياه النيل.

ثم بدأ التحول الكبير بعد ناصر مع سياسات الكُمون الإستراتيجي، و99% من الأوراق في يد أمريكا؛ مما يعني تراجعًا كاملًا عن دور مصر الخارجي بوجه عام وفي إفريقيا بوجه خاص.

 واستمرت هذه السياسات في عهد مبارك؛ وخاصة بعد تعرضه لمحاولة اغتيال عام 1995 في إثيوبيا لدرجة أن مجموع زيارات الرئيس مبارك للدول الإفريقية خلال ثلاثين عامًا، بلغت كلها ست زيارات فقط، مما سبب الكثير من المشاكل التي نعاني منها الآن.

وقضية مصر وإفريقيا قضية كبرى، تمثل قضية السياسات الخارجية لمصر بوجه عام وارتباطها بالأمن القومي لمصر، ولذلك يؤكد سليمان حزين أن الدور الخارجي ليس قضية تخضع لوجهات النظر الشخصية أو للأهواء أو حتى للاجتهادات والتجارب والخبرات الشخصية، بل هي قضية علمية في المقام الأول، وقضية أمن قومي وترتبط بمجموعة متكاملة من العلوم المركبة؛ منها الجغرافيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، ويجب تناولها من هذا المنظور الشامل، كما أنها بالطبع تخضع لمستجدات العصر وآفاق المستقبل.

ويؤكد سليمان حزين أهمية البعد الإفريقي لمصر عبر التاريخ مع التركيز بوجه خاص على أهمية العلاقات بدول حوض النيل ووادي النيل.

ويضيف حسين مؤنس أن مصر ولدت إفريقية، وأن لسياسات مصر الخارجية ثلاثة أبعاد أساسية؛ وهى إفريقيا وآسيا والبحر الأبيض المتوسط، وكانت لمصر رسالة مهمة طوال تاريخها في إفريقيا؛ سواء في نشر المسيحية أو الإسلام.

وامتدت حدود مصر السياسية في بعض الفترات إلى السودان وبرقة أيام البطالمة، كما وصلت لحدود المغرب العربي وامتد الدور والنفوذ المصري إلى السنغال وليبيريا وساحل العاج والنيجر ومورتيينا، وكانت الكنيسة المصرية هي الأم للكنيسة الإثيوبية إلى عهد قريب، حيث أقام الكنيسة الإثيوبية حبران من مصر.

ويؤكد ميلاد حنا أهمية البعد الإفريقي كبعد أساسي لأى سياسة مصرية، وأن "مصر ناصر" قامت بدور عظيم في إفريقيا، أعاد لمصر الريادة والقيادة للقارة السمراء، وهى تمثل مخزون العالم من الثروات الزراعية والمعدنية مما يزيد من أهميتها.

وعلى مصر أن تكمل سياسات المرحلة الناصرية لجنى الثمار؛ وخاصة أن أنظار القوى العظمى تتجه رويدًا رويدًا إلى إفريقيا.

ويشدد جمال حمدان، على أهمية البعد الإفريقي بوجه عام وعلى دول حوض النيل بوجه خاص؛ فمصر إفريقية بالمكان والجغرافيا والجنس والعرق المصري، وهي تاريخيًا ترتبط بدول حوض النيل كشريان للحياة والحضارة.

ويحذر حمدان من تدخل الأعداء لإفساد العلاقات مع إفريقيا بوجه عام ودول حوض النيل بوجه خاص، وأن هناك سبيلين لذلك، الأول على مصر ألا تسمح بقيام نظامٍ معادٍ لها في هذه الدول المرتبطة بالأمن القومي، ثم عليها دائمًا الاهتمام بعلاقات قوية لربط مصالح هذه الدول بمصر من خلال تقديم الخدمات والمشورة والبعثات التعليمية الممنوحة والمجانية لطلابهم في كافة الكليات المدنية وغير المدنية، وغيرها من مشروعات وخدمات وتبادل تجاري وغيره، وأن مصر الناصرية في سياساتها الخارجية بوجه عام أو الإفريقية بوجه خاص هي خير نموذج يجب أن نحتذي به، خاصة وأنه ليس هناك أي تضارب في المصالح، وأن الطبيعة وزعت خيرات الماء على الجميع، ولكنه حذر بشدة من إهمال هذا الملف حتى لا يتدخل العدو لاستغلاله ضد مصر.

ومن هنا وفي ذكرى ثورة يوليو، نسترجع التاريخ للاستفادة والتخطيط للمستقبل وأهمية الدور الخارجي؛ حيث يلخص جمال حمدان جغرافيا وتاريخ مصر في جملة مهمة جدًا، وهى إما الإمبراطورية الدفاعية للخروج خارج الحدود لتأمين الموقع والموضع، وإما نرضى بالمستعمرة أو التبعية، ومن ثم فمشكلة نهر النيل وليبيا اليوم نتيجة مباشرة لسياسات الكُمون الإستراتيجي في الأنظمة السابقة، وندفع ثمنها الآن.. والله المعين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الفاروق وتأسيس الدولة الإسلامية

أساس الدولة الإسلامية يعتمد على العقيدة التي غرسها الرسول عليه الصلاة والسلام في أمته وأصحابه ثم جاء الصديق في موقف صعب بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه نجح في مواجهة الخارجين أو محاولات الردة

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: التنمية المستدامة والعدالة البيئية عند الفاروق

ظهر مصطلح التنمية المستدامة كفكر وفلسفة جديدة للتنمية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي في وثيقة مستقبلنا المشترك وتبعه مصطلح العدالة البيئية بين المواطنين

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: عبقرية الفاروق

إن شخصية عمر بن الخطاب شخصية متفردة يصعب تكرارها في تاريخ البشرية ويكفي حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمرُ بنُ الخطابِ) ووصفه بالفاروق بديهة

خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة