Close ad

من هو «قريش» وكيف سكن أولاده أم القرى؟.. تاريخ «عمارة البيت وسقاية الحاج» قبل الإسلام

15-6-2024 | 18:09
من هو ;قريش; وكيف سكن أولاده أم القرى؟ تاريخ ;عمارة البيت وسقاية الحاج; قبل الإسلام صورة قديمة للكعبة المشرفة
أحمد عادل

بين نبي امتثل لإرادة الله، وحيرة أم تبحث عن نجاة وليدها الصغير، وصرخة طفل يضرب بقدمه الحجر من شدة العطش فتنفجر المياه لذة للشاربين، وفى وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم.. بدأت قصة أم القرى في مسيرة الزمان، لقد ذهب التاريخ بما ذهب من أحداث، وبقى بيت الله الحرام مثابة للناس وآمنًا يأتونه من كل فج عميق. 

موضوعات مقترحة

لقد تغير واقع مكة المكرمة منذ أن ترك أبو الأنبياء إبراهيم زوجته هاجر وولده إسماعيل ـ عليهما السلام ـ في هذا الوادي المٌقفر، لكن حدوث المعجزة وانبثاق بئر زمزم المباركة قد ساعدت على توطين هذه البقعة الطاهرة لتكون مهوى قلوب قبائل العرب التى كانت تضرب أكباد الإبل من أجل رحلات تجارية عبر الصحراء. 

جُرهم ومصاهرة إسماعيل ـ عليه السلام ،

لقد كانت قبيلة جُرهم هى إحدى القبائل اليمنية القديمة التى سكنت مكة بعد عن أبدل الله حالها من واد غير ذى زرع إلى واحة خصبة في صحراء العرب مترامية الأطراف، حيث كان الجراهمة هم  أول من وافى السيدة هاجر أم نبى الله إسماعيل ـ عليه السلام ـ بعد أن تفجرت تحت قدميه بئر زمزم، واستأذنوها في الإقامة إلى جوارها ورضيعها بعد أن تغيرت الأرض بغير الأرض بعد وجود زمزم، وقد أذنت لهم السيدة هاجر بذلك.

تمضى الأيام ويشُب إسماعيل ـ عليه السلام ـ، ويتزوج من جُرهم فصاروا أصهاره، وأخوال ولده الأكبر نابت، وبعد أن وضع خليل الله إبراهيم وولده إسماعيل ـ عليهما السلام ـ القواعد، وأذن فى الناس بالحج باتت مكة مهوى قلوب المؤمنين من العرب ممن ارتضوا الملة الحنيفية لإبراهيم دينًا وما كان من المشركين.

تمر الأيام ويموت إسماعيل الذبيح، ويتولى ولده نابت سيادة القوم، لكن بعد موته ضاقت مكة بأولاد إسماعيل، وتولى أصهاره من جُرهم سيادة مكة، وينشب النزاع بين الجراهمة بقيادة عمرو بن مضاض الجرهمي وأولاد عمومتهم من بنى قطوراء بقيادة السميدع، وتلاقت السيوف فى مكان يسمى "فاضح" فانتصر الجراهمة، وخسرت قطوراء وانسحبت إلى "أجياد"، وسُميت أجياد بهذا الاسم لكثرة ما كان مع السميدع من الجياد (الخيول). 

وأصبحت قبيلة جرهم الحاكمة المُطلقة لمكة، وباتت مشرفة على أمر البيت الحرام من حج وسقاية، وقديما قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبى سلمى:

فأقسمت بالبيت الذى طاف حوله .. رجال بنوه من قريش وجُرهم

خروج قبيلة جُرهم من الحرم

لكن مكة أو بكة التى سُميت بهذا الاسم؛ لأنها تدك أعناق الجبابرة فتكسرها، سرعان ما انتفضت على جُرهم التى طغت فى الحرم وظلمت وأحدثت وغيرت، فصدر الحكم الآلهى بخروج جُرهم من البيت الحرام على يد قبيلة خزاعة اليمنية.

وقبل إن يُحزّم الجراهمة أمتعتهم ويغادروا الكعبة، قاموا بدفن بئر زمزم وطمس معالمها نكاية فى خُزاعة، وبقيت على حالها حتى قام جد النبى عبد المطلب بن هاشم بإعادة حفرها فى خبر طويل.

لقد تأثر الجراهمة بشدة بعد أن رأوا بيت الله الحرام خاليًا من شعائره، وبينما كانوا يشدون رواحلهم عائدين أدراجهم إلى اليمن، أنشد كبيرهم عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض الجُرهمى قصيدته الخالدة التى توغل فى القدم، حتى عدها البعض من أوائل ما قيل فى الشعر العربى:

كأنّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصّفَا .. أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ

بَلَى نَحْنُ كُنّا أَهْلَهَا، فَأَزَالَنَا .. صُرُوفُ اللّيَالِي وَالْجُدُودِ الْعَوَاثِرِ

وَكُنّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ..نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ

وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ .. بِعَزّ فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ

مَلَكْنَا فَعَزّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا.. فَلَيْسَ لِحَيّ غَيْرِنَا ثَمّ فَاخِرُ

فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ.. كَذَلِكَ يَا لِلنّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ

وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنّا بِغِبْطَةٍ.. بِذَلِكَ عَضّتْنَا السّنُونَ الْغَوَابِرُ

فَسَحّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ.. بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ

خزاعة وعبادة الأصنام

أخذت خُزاعة بمقاليد الأمور فى مكة وبسطت سلطانها عليها، ونصبت نفسها مسئولة عن البيت الحرام بعد رحيل الجراهمة، وسميت خُزاعة بهذا الاسم؛ لأنها تخزعت أى تفرقت وانتشرت فى سائر مكة.

وما إن سيطرت خُزاعة حتى بدلت وغيرت، فجُرهم وإن طغت إلا أنها ظلت متمسكة بالملة الحنيفية لإبراهيم -عليه السلام-، لكن خزاعة قلبت الأوضاع الدينية فى شبه الجزيرة العربية رأسًا على عقب بتنصيب الأصنام وعبادتها حول الكعبة، لقد رغبت عن ملة إبراهيم ـ عليه السلام ـولا يرغب عنها إلا من سفه نفسه.

لقد دخلت الأصنام مكة على يد كبير خُزاعة عمرو بن لُحى الخُزاعى، الذى كان يجوب بتجارته بين مكة والشام، وعلى عادة أهل مكة كان يصطحب بعض حجارتها فى أسفاره حتى يتشوق إليها، وفى الشام وجدهم ينحتون الأصنام ويعبدونها، فنحت بعض الحجارة التى معه، وأقبل بها إلى مكة، وفى رواية أنه قدم ببعض الأصنام من هناك ونصبها حول البيت، فيما تذكر رواية ثالثة إن هذا الرجل كان له قرينا من الجن فدله على أصنام قوم نوح "ود ، سواع، يغوث، يعوق، نسر" فكشف عنها ونصبها حول الكعبة، وهذا ما يُفسر عبادة العرب لأصنام قوم نوح، وفى البداية قالوا إنما تقربنا إلى الله زلفى، ثم أشركوها فى عبادة الله، وقد قام عمرو بن لُحي أيضا بإطلاق السوائب حول الحرم وهى الماشية التى يتم ندرها للآلهة فلا تُذبح، وفى رحلة الإسراء والمعراج، رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصنافًا من أهل النار، ومنهم عمرو بن لحى الخُزاعى يجر أمعاءه فى النار.

تمر الأيام وقد أضحت مكة على غير حالها، فجُرهم أخفت زمزم وردمتها، وخُزاعة نصبت الأصنام حول الكعبة، أما أبناء أسماعيل فقد ظلوا على حالهم يتمسكون بملة جدهم الأكبر حنيفًا مُسلمًا وما كان من المشركين، وانتهت زعامتهم إلى كنانة فى ظل سيطرة خزاعة.

ظهور قريش في مكة

ظلت الأمور على حالها حتى وُلد  لكلاب بن مرة (من أبناء إسماعيل) ولدًا أسماه زيدًا، لكن ما لبث أن مات كلاب، أما زوجته فاطمة الأزدية فقد تزوجت رجل من قُضاعة اسمه ربيعة بن حرام العذرى، وحملت ولدها من مكة إلى الشام لينشأ الولد الصغير فى كنف قضاعة، وأطلقوا عليه"قُصى" بدلاً من زيد، أى البعيد عن أرضه، لأنه رحل من مكة إلى الشام.

ظل قُصيا لا يعرف له أبا غير ذلك القُضاعى، وحين تخاصم مع أحد القضاغيين، عيره بأنه ليس منهم، وأن لا كرامة للغريب، فسأل أمه عن نسبه فقالت له: أنت أحسن منه نسبًا وحسبًا، و قومك أهل حرم الله، حينها عزم زيد أو لنقل قُصى بن كلاب على العودة إلى مكة..عودة ستكتب تاريخًا جديدا لمكة والعرب.

عاد قصي بن كلاب لمكة، والتف حوله قومه من بنى كنانة من أولاد إسماعيل، ولعب الزواج السياسى دوره فسرعان ما صاهر قصى سيد خُزاعة حنين بن حبشية وتزوج ابنته، وولد له عبد مناف (جد الرسول الذى كان يُقال له قمر البطحاء) وعبد الدار، وحين أدركت الوفاة حنين بن حبشية عهد بسيادة مكة إلى قُصى بن كلاب الذى اعتبره بمثابة ولده، إلا أن جموع خُزاعة رفضت هذه الولاية التى تعيد السيادة لأولاد إسماعيل من الكنانيين.

انتصر قُصى بن كلاب بقومه وجمعهم ووحدهم فى وجه خُزاعة، رأى أن الوحدة هى السبيل للانتصار على خزاعة التى تفرقت فى مكة، لذا فقد جمع قبائل كنانة وقرشها أى جعلها متقاربة فى المكان، لذا سُمى قصى بن كلاب بـ"قريش"، ومنه جاءت تسمية قبائل مكة بقريش، وكانت تسمى قبل ذلك بكنانة، فصار لقب قريش لقصى بن كلاب اسما لقبيلة بلغت من العز ما بلغت وشرفها الله بأن جعل خاتم رسله منها.

عادت الحرب من جديد، وتعطل الحج والطواف حول البيت الحرام، وفى النهاية انتصرت قبائل كنانة أو لنقل قُريش، لكن خُزاعة لم ترحل كقبيلة جُرهم، بل بقيت بأسفل مكة.

انتصر أولاد إسماعيل ـ عليه السلام ـ، لكن عبادة الأصنام ظلت على حالها، فالفترة الزمنية التى حكمت فيها خزاعة، والتى يقدرها البعض بخمسمائة عام تقل أو تزيد كانت كفيلة بتغيير الحياة الدينية فى جزيرة العرب؛ لذا فإننا نجد بعض أجداد النبى كقصى بن كلاب الذى وحد كنانة، أو هاشم صاحب الإيلاف التجارى لقريش، أو عبد المطلب الذى أعاد حفر زمزم كانوا من الأحناف، لكنهم لم يغيروا واقع الحياة الدينية، صحيح أنهم كانوا مصلحين سياسيين واقتصاديين، لكن تغيير الواقع الدينى كان بحاجة إلى نبى مُرسل، وقد شاءت الإرادة الآلهية أن توكل هذه المهمة العظيمة للنبى -صلى الله عليه وسلم-.

الكعبة المشرفة بين السقاية والرفادة والسدانة والعمارة

بعد أن استتب الأمر لقصى بن كلاب بدأ فى اتخاذ خطوات إصلاحية ضخمة تضمن ألا تخرج سيادة مكة عن ولد إسماعيل أو عن قريش، ولتظل لهم مكانتهم فى نفوس العرب، فقام باستحداث بعض المهام منها "سقاية الحاج"، وقد حرص على حفر عدة أبار لسُقيا الحجيج؛ لأن زمزم كما قلنا قد تم ردمها، فضلا عن "الرفادة" وهى إطعام ضيوف الرحمن، إقامة المشعر الحرام فى مزدلفة، وكان يوقد عليها النار لهداية الحجاج ليأخذوا طريقهم نحو مكة، "السدانة" أى الحجابة ويُكلف صاحبها بحمل مفاتيح الكعبة، "العمارة" أى عمارة البيت الحرام، ويعتبر قصى بن كلاب هو أول من جدد بناء الكعبة ورفع سقفها بعد البناء الأول لإبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، كما أقام دار الندوة لاجتماع قبائل قريش لإبداء الرأى فى أمورهم، و"اللواء" ويقصد به راية الحرب التى تُنصب لقتال الأعداء.

وزع قصى هذه المهام بين ولديه عبد مناف وعبد الدار، لكن سرعان ما اختص أولاد عبد مناف بمعظم هذه المهام، ثم بدأ التنافس بين أبناء عبد مناف لاسيما بين بنى هاشم وبنى أمية، تنافس بدأ فى الجاهلية واستمر فى الإسلام بين الفوز بالنبوة والتطلع إلى الخلافة والمُلك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: