راديو الاهرام

كلنا خُبراء إستراتيچيين

11-7-2021 | 23:06

لا يكُف مُجتمع السوشيال ميديا عن عرض التحليلات والخطط وإبداء الآراء فى كل موضوع يطفو على الساحة، وفى كل أزمة تمر بالدولة المصرية؛ وفى الآونة الأخيرة زاد الأمر بشكل مُلفْت تحديدًا مع أزمة سد النهضة؛ فالكل على علم بخبايا الأمور والكل يستيقظ من نومه يوميًا وقد ارتدى بدلته العسكرية أو رداء الخبير الإستراتيچي الفذ لكى يعرض حلوله ورأيه بل ووصل الأمر إلى عرض خطط الهجوم على دولة الخلاف وتحديد توقيت الضربة العسكرية !

وهذه الظاهرة لابد ألا تمر مرور الكرام على الأطباء النفسيين لكونها مرض يندرج تحت الشخصية المهلوسة المريضة بحب الظهور وجمع الفانز واللايكات وعدد المشاركات لكن الأهم هو مردودها على الأمن القومى للدولة؛ فهى ظاهرة خطرة على هذا الأخير -الأمن القومى- الذى أصبح يواجه تحديات وتهديدات مُتجددة للدول ولم يعد مقصورًا على التهديدات العسكرية وحتْمية حماية الحدود بل تعددت أوجه الخطر لتشمل الاستقرار السياسى  والاقتصادى والتماسك المجتمعى، والحد من إثارة النزاعات الداخلية مع الحفاظ على الهوية الثقافية فى مناخ سيطرت عليه السوشيال ميديا بعدد مستخدميها والذى وصل -آخر سنوات- إلى حوالى أربعة مليار مُستخدم يستأثر منهم الفيسبوك بالنصيب الأكبر ويتفرد تويتر بنصف مليون تغريدة فى الدقيقة !

لم تعد السوشيال ميديا ذات تأثير سام فقط مثلما كان الحال فى بداياتها ولكن تطور الأمر لسياسة توجيه الرأى العام الداخلى تجاه القضايا المختلفة  تبعًا لمصالح المأجورين وأدوات محاور الشر لكونها أفسحت المجال لنماذج متعددة من المداولة والنقاش حول قضايا الشأن العام دون معلومات حقيقية بل بترديد أخبار مغلوطة وترويج إشاعات هدّامة وسمحت للنخب السياسية والاجتماعية تعويض غياب دورهم الواقعى والحى فى المجال العام التقليدى بتواجد وهمى فى عالم غير مرئى حيث وجدت تلك النخبة ضالتها فى عدد المشاركات والإعجاب كل من خلف الكيبورد الخاص به، وتحولت  منصات التواصل الاجتماعى لمنابر إعلامية ووسائل شحنْ وحشْد جماهيرى وتعبئة بأيدولوچيات قادتها فأصبحوا فاعلون فى ذاك الفضاء الافتراضى بكبسة زر، ولا يخفى الأمر على الجميع بوجود فاعلين دوليين يتحكمون فى شعوب بأكملها خاصة من تنتمى للعالم الثالث وكانوا ولا زالوا أدوات لتحقيق إستراتيجيات الجماعات الإرهابية بتوفير التسهيلات الخاصة بالتواصل بين أفرادها وكيفية تجنيد عناصرها على الرغم من اتساع انتشارها الجغرافى بتبادل الخطط الإرهابية واستهداف المواقع المبغى تدميرها حيث تبدأ أولى خطوات التجنيد بالتغريدات ثم بحالات الفيس بوك ويصل التواصل ذروته فى المحادثات الخاصة.

ولا تقل خطورة هذه السوشيال ميديا أيضًا عن كونها إشارة حمراء فى وجه الأمن الاجتماعى حيث تسببت فى التباعد الأسرى واتساع الفجوة بين أفراد الأسرة الواحدة والشعور بالغُربة والانفصال بين الأزواج، بل تفشى السالب من مردودها بعملها على تأجيج العنف المجتمعى الداخلى من تنمر وفضح لأسرار البعض والحض على تقويد الوحدة الوطنية عن طريق خلق حالة من العدائية بين المستخدمين وتحفيز على خطاب الكراهية والعداء بين فئات الشباب الأكثر استخدامًا وتأثرًا بها مما يخلق حالة من إضعاف الهوية وزيادة فى معدلات الاغتراب الثقافى وتعزيز نظرية العولمة بمفهومها الخاطىء ، فيعيش المُستخدم -خاصة الشاب- فى بوتقة اغتراب كامل عن المجتمع رافعًا شعار اللا ولاء واللا انتماء وينجرف لتيارات مُغرضة ويمضى وقته فى ألعاب خطرة تؤدى لارتكاب الجرائم والإدمان وأحيانًا كثيرة الانتحار كما حدث مع لعبة الحوت الأزرق.

مصر بلد مُنفتحة على العالم؛ ورغم ما مرت به من تجرع  مُر لعواقب حروب الجيل الرابع فى السنوات الماضية إلا أنها لم تحظر موقعًا ولم تحجر على رأى وحاكمت من استهدف أمنها القومى من العملاء والمأجورين محاكمة مدنية عادلة وبرأت من لم تثبت إدانته، مصر دولة كبيرة الحجم والثقل والعقل ورغم ذلك يهاجم أمنها القومى من يعيش على أرضها ويأكل من خيرها، فُعلت السوشيال ميديا للتواصل؛ لا لتكون منبرًا من خلف الكيبورد للمرضى النفسيين والمُهمشين من وجهة نظرهم ولا لتكون منصات تحريض وشحن وفتوى بمعدل كل دقيقة؛ لذا لابد من تفعيل قوانين لمحاسبة مايُقال على الميديا سواء تنمر أو تحريض أو شحن للرأى العام أمام المحاكم الاقتصادية، ليس هذا حجر على الآراء لكنه دفاع مشروع عن الأمن القومى  المصرى فى الوقت الذى تتعرض له الدولة منذ سنوات لمؤامرات ومكائد دولية بأدوات داخلية، عندئذ الحساب مطلوب ففى أيامنا هذه كُلنا خبراء استراتيجيين ومفكرين سياسيين وقادة حروب!

ارحموا مصر يرحمكم الله.

كلمات البحث
د. شيرين الملواني تكتب: "نداء لصيادلة مصر"

بحت أصواتنا كصيادلة أصحاب ضمير؛ ننادي زملاء المهنة بعدم تشغيل دخلائها، وعدم الاعتماد عليهم في صرف الدواء والتحكم في جرعاته، وتنحيتهم تمامًا من مشهد مواجهة

د. شيرين الملواني تكتب: "نظرة على الانتخابات الفرنسية"

منافسة قوية ومواجهة ساخنة بين إيمانويل ماكرون ومنافسته في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان ، اتخذت المواجهة طابعًا إعلاميًا قويًا

د. شيرين الملواني تكتب: بيع أم تمكين أم شراكة!

وصل لمسامعنا نوفمبر الماضي أطروحة شراكة القطاع الخاص مع القطاع العام؛ من خلال مجموعة من الآليات المُقترحة؛ لتمكين القطاع الخاص بالتوازي مع إعادة هيكلة

د. شيرين الملواني تكتب: "أقسى من جائحة كورونا"

بالأدلة والأرقام وصلت أزمة التضخم ذروتها عالميًا (الأسوأ منذ عام ٢٠٠٨) مسببة أضرارًا كبيرة على الأسر في جميع أنحاء العالم كنتيجة لاضطراب سلاسل الإمداد،

د. شيرين الملواني تكتب: "مدارس التكنولوجيا"

لن يتغير الموروث الفكري والمجتمعي البائد المُنصب على تبجيل المؤهلات العليا، والتهافت على كليات القمة وغيرها، حتى وإن لَفظت عاطلًا عالة على الوطن مُكبدًا الدولة خسائر اقتصادية

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة