راديو الاهرام

لما تكبر نفسك تبقى إيه؟

13-7-2021 | 13:38

مش عارف، بجد مش عارف كان نفسى لما أكبر أبقى إيه! ممكن أقولك أبويا وأمى كان نفسهم لما أكبر أبقى إيه، لكن أنا شخصيًا كان نفسى أبقى إيه .. مش عارف. دايمًا كنت أسمعهم يقولولى لما أكبر أبقى دكتور أو مهندس أو ظابط، مش عارف ليه الثلاث شغلانات دول بالذات! وبصراحة علشان سمعت الكلام ده كثير منهم بدأت أتصور إن العالم لا يوجد به وظائف سوى الدكتور أو المهندس أو الظابط.

ولما كبرت شويه عرفت إن فيه أعمال تانيه كتير قوى، مثلًا المحامى والمحاسب والمعلم وأستاذ الجامعة والمدرب فى النادى والأخصائى الاجتماعى والعلماء والحرفيين .......إلخ.

لكن برضه فضلت الثلاث وظائف تطاردنى على ألسنة الأسرة لدرجة إنى لما دخلت الحقوق، وعدت أمى وهى على فراش الموت أننى سوف أحصل على الدكتوراه وأبقى دكتور تحقيقًا لأمنيتها القديمة.

ومرت الأيام وكبرت وفهمت إن الدنيا كبيرة قوى ومحتاجة لتخصصات متنوعة، والمهم نجاح الشخص فى تأدية عمله وحبه له. ومرت السنين وجاء الإبن ومعه المستقبل، لم أفعل مثل أبى وأمى، لم أزرع فى عقله تصور معين أراه لمستقبله، تركت له حرية التفكير والحركة للوصول إلى الشاطئ الذى يفضله ويريده، كنت أقول له دائمًا: إن شاء الله هتنجح فى العمل إللى تحبه، أى عمل الإنسان يحبه ويؤديه بإتقان ربنا يكتب له فيه النجاح، وبصراحة الكلام كان حلو ومريح للولد ولم يناقش أويجادل ويتعب قلبى، فأحسست أننى قد نجحت فى مهمة صعبة كنت أعمل لها ألف حساب منذ شبابى، وهى كيف تكون أب ناجح.

ومرت أعوام وأصبح الصغير فى الثانوية العامة واقتربت لحظة تحديد المصير ووجدته فى أحد الأيام يسألنى أدخل كلية إيه؟ كانت مفاجأة من العيار الثقيل بالنسبة لى، وسؤال محير تركت مهمة الإجابة عليه له منذ سنوات طويلة وأنا لا أعلم أن الأيام تدبر لى شيئًا لم يكن فى الحسبان. أطلق ذلك الصاروخ فى وجهى فالتزمت الصمت وجلست أمامه لا أنطق بكلمه. ثم قلت له أنا تعودت ألا أجبرك على اختيار معين، المفروض إنك على مر السنين إللى فاتت أصبح لديك تصور معين لشئ بتحبه ونفسك تقضى فيه كل حياتك. المفروض من المواد إللى درستها يكون فيه اختيار معين سيطر على تفكيرك وجذبك إلى مجاله!

المفروض، ده إللى المفروض كان يحصل، لكن ما حصلش! هكذا أجابنى الصغير. وأمام علامات الدهشة على وجهى بدأ يشرح لى بمنتهى البساطة أن ذهابه إلى المدرسة لم يساعده فى الحصول على إجابه، وأن ما تجنبت فعله فى البيت تولى المدرسون فعله سواء فى المدرسة أو فى الدروس الخاصة، فكانوا يرددون للطلبة دائمًا أنهم لابد أن يذاكروا للحصول على الدرجات النهائية ليدخلوا الطب أو الهندسة حتى يصلوا إلى شاطئ الأمان، وأن دخول أى كلية أخرى سوف يكون نهاية مأساوية لكل طموحاتهم. قلت له على الفور: طبعاً كلام فاسد وكله غلط، قال: أنا عارف ولم ألتفت أو أتأثر بكلامهم. فرحت وقلت إذن من المؤكد أن الدراسة جعلتك تنجذب إلى مجال معين؟ قال: بالعكس الدراسة جعلتنى أنفر من كل المجالات، لأن كل المطلوب منى هو أن أحفظ "صم" لأحصل على أعلى الدرجات، حتى المواد الرياضية التى تعتمد على الفهم ويفترض أن قواعدها ونظرياتها تكمل بعضها البعض، عندما كنت أشغل عقلى وأصل لحل إحدى المسائل بطريقة تعلمتها فيما سبق، كان المدرس – رغم اعجابه واستغرابه مما فعلت – يعاقبنى ويلزمنى بالطريقة التى شرحها فى الحصة السابقة، ويرفض مناقشتى ودايمًا يقول لى: هى كده إعمل زى ما بقولك وبس. طريقة التدريس تساعدنى أنا وزملائى للحصول على أعلى الدرجات فقط، لكن لا تساعدنا على فهم المستقبل وتحديد اختياراتنا، وبالتالى نحن لا نعلم ما هى كلية الطب ولا العلوم ولا التجارة ولا الحقوق ولا الآداب ..... إلخ. وأزيدك من الشعر بيتًا، لقد عودونا أن مجرد ذكر اسم بعض هذه الكليات يعتبر عيبًا كبيرًا وأن الالتحاق بها يعتبر فشلًا ذريعًا ونهاية أليمة لابد من تجنبها بكل ما أوتينا من قوة. 

الفزورة الكبيرة بالنسبة لى ولزملائى أننا نجيد المذاكرة فى حد ذاتها، يعنى لو دخلنا علمى علوم أو رياضة أو أدبى، سوف نحقق أعلى الدرجات، لكن بعد كده نروح فين؟ فعلًا مش عارفين لأننا لم نتعلم أو يتم تدريبنا على هذا الاختيار، ما نعلمه أن الدكتور يكتب للناس المريضة علاج وحقن، والمهندس يبنى بيوت، والظابط يقبض على المجرمين، والمحاسب يصرف للناس فلوس فى البنك، والمحامى يدافع عن الناس .. لكن طبيعة دراسة هذه الأشياء ليس لدينا عنها أى فكرة.. صحيح ممكن ندخل هذه الكليات وننجح فيها وبتفوق، لأننا نجيد المذاكرة، لكن النجاح فى العمل بعد ذلك شئ آخر. 
يا أبى أنا لا أريد أن أندم بعد مرور سنوات من عمرى وأقول كان نفسى لما أكبر أبقى حاجة تانية غير إللى أصبحت عليها... ممكن تساعدنى؟

كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة