راديو الاهرام
10-7-2021 | 16:20

لكل ثورة  في عمر التطور البشري جانب آخر، والجانب الآخر للتطور المادي أو الجائحة المادية الحالية هو تآكل صفات الرجولة، وغياب سمات الفطرة الطبيعية التي فطر الله بها "عز وجل"، الرجل عن الأنثى..

وقيم الاستهلاك قد تكون هي شعار المرحلة المادية الحالية.. فمهما بلغت المتع والملذات بالإنسان أو الرجل، فهو دائما يبحث عن المزيد، فالنفس وأطماعها وشراهتها نحو المتع لا نهاية لها، والرجل عندما ينتهي من متعة ويحقق مايسعى إليه، يقول دائما وماذا بعد، وهكذا دائرة مفرغة للترف لاتنتهي .. 

مابال الرجولة، أين هي صفات المروءة والنخوة التي كانت غالبة في الماضي، نكاد نبحث ونفتش عنها، ولا نكاد نراها إلا نادرا.. إلا في أشلاء الشباب وبقايا الرجولة على الأرصفة والمقاهي ونوادي "الجيم"..

لم يأت هذا من فراغ، ولم يولد رجل اليوم بشكل مفاجئ، فلننظر إلى ما يلقى لنا ويبث على شاشاتنا من ثقافات لاهدف لها إلا تجريف الثقافة العربية الإسلامية والتقليل من شأن القيم الشرقية، وهذا لايحتاج إلى البحث أو التحقيق، فنجده بشكل غير مباشر، ومباشر أيضا، في كثير من تفصيلات الحياة وسلوكيات شباب اليوم الذي لايهتم بجوهر الأشياء ومنطق الأمور والاهتمام بالعقل، بل التركيز فقط على الشكل واللبس وأسلوب الحياة والتشبه بالغرب في كل ماهو يخالف الفطرة البشرية والسلوك القويم، ومن نتائجه الخطيرة الاضراب عن الزواج، وحتي من يتزوج فإنه نادرا ماينجو من حالات الانفصال..

"الرجولة في خطر"، هذا المعنى حمله كتاب أصدره الطبيب الفرنسي أنتوني كلير، وقال فيه: "إن الحياة المعاصرة في الدول المتقدمة أفقدت الرجال خصائصهم الجسدية والنفسية والأخلاقية أيضا، وأن الرجل البسيط في الغابة أو الصحراء هو أكثر رجولة من ملوك المال والصناعة والتجار والموظفين الجالسين وراء مكاتبهم، واقتربت صورة الرجل لتتشابه مع المرأة إلى حد خطير، فبات نجوم الغرب الذين هم القدوة والمثل وصناع الموضة  يظهرون بالأقراط في آذانهم ويعتمرون “الباروكات” ،ويعلنون وهم في كامل مكياجاتهم عن زواجهم بمثليين"..

وهذه الظاهرة، ضياع قيم النخوة، أو ذوبان الرجولة وتآكل الغيرة على القيم، لاتواجه مجتمعاتنا فقط، بل تواجه أمة مثل الصين،  فهي تخطط لإضافة مادة عن "الرجولة" في المناهج المدرسية، حيث لاحظ المسؤولون أن فتيان هذا الجيل أصبحوا ناعمين وتغلب عليهم صفات الأنوثة، هذا الطرح الجديد، وخطة "تشجيع الرجولة" لدى الطلاب أثار نقاشا حادًا حول ماهية الأدوار والوظائف الجديدة للجنسين، حيث وضحت الحكومة الصينية عن طريق المستشار الصيني سي زيفو: "إن ربات البيوت والمعلمات أفسدن الصبية الصينيين في المدارس"، وقال أيضا: "إن الأولاد سيصبحون قريبًا "حساسين و خجولين وربما شاذين" ما لم يتم اتخاذ إجراءً جادًا لمعالجة هذه القضية، حيث يعتبر هذا الأمر بالنسبة للصين "أمنا قوميا"، ومحذراً من أن "تأنيث" الأولاد الصينيين "يهدد بقاء الصين وتنميتها" المستقبلية"...

لذلك صدر قرار  لوزارة التعليم الصينية بإعداد خطط "لتنمية الرجولة" لدى الأولاد من رياض الأطفال وحتى المدرسة الثانوية، وتأتي هذه الخطة بعد تحذير الباحثين في الصين، من أن الأمة تعاني من "أزمة رجولة" وطنية..

وللمفكر عبدالرحمن الكواكبي مقولة شهيرة عن الرجال يقول فيها: "ما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس، ويرفعون الالتباس، يفكرون بحزم، ويعملون بعزم، ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون"..

من أين سيأتي هؤلاء "رجال ابن خلدون"، من برامج "المواهب الجديدة – Good Talant"، أو من صالونات الفضائيات التي اكتظت بأصحاب الإعاقة الفنية، وأشباه النجوم، أو النجوم بالإكراه..

هل ستنتج الجامعات ودور العلم خريجون يتمتعون بملكات قيادية في ظل المهرجانات التي تصدح بها القاعات في العديد من الجامعات ومراكز التعليم..

مبكرا، وصف عالم الاجتماع الشهير عبد الرحمن ابن خلدون أحوال الأمم بمنطق عالم الاجتماع، فقال:

"أكل العرب الجمال فأخذوا منها الغيرة والغلظة، وأكل الأتراك الخيول فأخذوا منها الشراسة والقوة، وأكل الافرنج الخنزير فأخذوا منه الدياثة، وأكل الأفارقة القرود فأخذوا منها حب الطرب..

كل من ألف ضربا من ضروب الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه.. فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى، ونحن في زماننا هذا أكثرنا من أكل الدجاج.. أكلناه فأكثرنا البقبقة والصياح، فتكالبت علينا الأمم، فأخذنا من الدجاج المذلة وطأطأة الرأس، وعدم التحليق في أعالي السماء، والثرثرة والصياح فقط، وما أكثر الدجاج في زماننا وأرخصه" ..

ولعلاج هذه الظواهر السلبية ومواجهة تردي السلوكيات والقيم المادية الاستهلاكية، جاء حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: "اخشوشنوا.. فأن النعمة لاتدوم"..كما جاءت العقائد السماوية لتضع قاعدة صحيحة ثابتة حتى لاتميد الأرض تحت أقدام البشر.

[email protected]

كلمات البحث
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة