راديو الاهرام

"عبدة الشيطان" سكينًا في قلب أهل الريف

6-7-2021 | 11:39

حادث حريق "عبدة الشيطان" بإحدى قرى الدقهلية، شوه تمامًا وصف القرية المصرية بالطفل الوديع، والذي ظل عالقًا في ذهني حتى وقت قريب، وقد اهتزت عندي بشدة تلك الصورة الذهنية في الفترة الأخيرة، خاصة عقب تعاقب مثل هذه الأحداث المؤسفة والصادمة على واقع الريف المصري، وأظهرت مدى استبدال العنف والسلوك الشاذ بعادات حب التسامح ومراعاة مشاعر الغير.
 
"أنا رايح البلد عشان استريح شوية"، مقولة كان الجميع يرددها، ويقصدون بها الفرار إلى أمان القرية، وللتزود بدفء جوها الممزوج بفضيلة التراحم، والبعد عن لغة المصالح وصراعاتها السائدة في المدينة.
 
ويوم بعد يوم تكبر الصدمة تجاه انحدار سلوك عدد من شباب القرية، والخزي الأكبر موافقة كبارهم على أفعالهم الشاذة، وهم يقدمون استعراضًا، أطلقوا عليه "عبدة الشيطان"، ووضعوا لوحات على طرق القرية قبل الاستعراض، رسموا عليها جماجم ودماء ومشاهد مرعبة.
 
ورقصوا هؤلاء الشباب باستخدام طفايات الحريق وأنابيب الغاز، وارتدوا زيًا موحدًا وأجزاء من جسدهم العلوي عارية، وخلال استعراضهم انفجرت أسطوانة غاز في فتاتين، وماتت أحداهما على الفور، وألقت الشرطة القبض عليهم.
 
وحدث ولا حرج عن انتشار حوادث الثأر، وسقوط ضحايا داخل الأسرة الواحدة فأحيانا يقتل الأب أبناءه وزوجته كما حدث في الفيوم منذ أيام، أو زوجة تقتل زوجها بمساعدة ابنهما، خلافًا عن المشاجرات بالأسلحة.
 
والعديد يرى أن المتغيرات الحديثة التي طرأت على المجتمعات، لابد أن يتأثر بها سكان الريف، ولكن في الريف المصري أسلحة دفاعية وحوائط صد قوية، تقف صامدة أمام هذه الهجمات الشاذة الباعثة من عوادم تكنولوجيا وموضة العصر الحديث، وإذا حدث تغيير في بعض طبائع أهل الريف فلن تكون بشكل صادم.
 
وقد يقول قائل الصورة الذهنية عن بساطة الريف المصري لا يمكن أن تدوم طويلًا، وأن سنة التغيير من أسس قوانين الطبيعة، وأضف إلى ذلك تنامي العشوائيات في القري، نتيجة تزاحم العائلات في العيش على مساحات صغيرة يمتلكونها، وساعد تدهور الحالة الاقتصادية في العصور السابقة على تصاعد نسبة البطالة وتراجع نسب الزواج.
 
وأثر انتشار المخدرات المصنعة على عقول العديد من شباب القرى، وأفرزت سلوكًا شاذًا يتنافى كليًا مع تقاليد الريف المصري، وهذه التقاليد أقامت أسس الترابط والإخاء، وسمحت ببناء وتماسك حضارة مصر القديمة، وحافظت على لحمة الدولة المصرية الحديثة، وأنتجت ثقافة وأنشطة اقتصادية خاصة بها، فكان الفلكلور الغنائي والشعري المتميز عن غيره من ثقافات الحضر والبوادي.
 
 وفي الماضي كان أهل الريف يعتبر تماسكهم بتقاليدهم وثقافاتهم رمزًا للأصالة والانتماء، ولذا يجب أن يعترف سكان الريف المصري أن رقصة "عبدة الشيطان" وأمثالها من أفعال وسلوكيات ذميمة سكين في قلب سماحة وبساطة عاداتهم وتقاليدهم.
 
Email: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة