آراء

مقبرة لـ 5 مليارات إنسان!!

5-7-2021 | 16:16
Advertisements

إشعار جديد على حسابي على الفيس بوك يُذكرني بعيد ميلاد صديقي الراحل منذ عشر سنوات، لحظات قليلة عشتها وكأنه ما زال على قيد الحياة، ناسيًا أو متناسيًا وفاته، ما أجمل أن تشعر بعودة صديق من العالم الآخر، حتى لو كان شعورًا كاذبًا.

فتحت الإشعار وذهبت لحسابه على الفيس بوك، لم أجده هناك، فقط مجموعة من الصور القديمة المٌعلقة على جدران حسابه، وبعض التعليقات التي تركها أصحابها ربما بالخطأ، ومشاركات نشر مُجمعة لأصدقاء افتراضيين ربما لا يعلمون أنه رحل منذ عشر سنوات، وبقايا وجوه بعضها ضاحك وباسم، والآخر غاضب، تتوسطها علامات إعحاب فقدت بريقها، وقلوب فقدت دفئها، ومن الوهلة الأولى سوف تشعر أنك في زيارة لحساب مهجور، لم يزره أحد منذ أن رحل صاحبه، رغم عدد متابعيه الذين تخطوا المائتي ألف، وسوف تشعر افتراضيًا بالوحشة والهجر.

قررت أن أتصفح منشوراته القديمة لأستعيد بعض ذكرياتنا التي شاركني فيها وشاركته فيها، أفراح وأحزان، نجاحات وإخفاقات، ضحكات ودموع، مشاعر وشجون، سفر وترحال، بُعد ولقاء.

آخر منشوراته كتب "لا تصدقوا العالم الافتراضي"، بعدها رحل، وصمت حسابه إلى الأبد، بعد أن كان مليئاً بضجيج الأصدقاء، ما بين مشاركة وإعجاب وتعليق، لم أجد غير بعض منشورات عابرة من أصدقاء مخلصين تُعد على أصابع اليد الواحدة، تدعو له بالرحمة والمغفرة، ومنشورات لا تتوقف لزوجته وأبنائه بعضها دعوات، والبعض الآخر يحمل مشاعر الفقد والوحشة والاشتياق، فقد كان أبًا حنونًا وزوجًا مخلصًا، وصديقًا وفيًا.

فتحت الرسائل المشتركة بيننا، وحواراتنا التي لم تكن تنقطع ليلًا نهارًا، تجولت في رسائلنا التي تمتد أمتارًا صعودًا وهبوطًا، لتؤرخ لحياة كاملة، ابتسمت أحيانًا وأنا أقرأ، وتجهمت أحيانًا أخرى، وكأنني أسير وسط بحر تقذفني أمواجه أينما تشاء، لم أتحمل المتابعة، بصفة خاصة عندما بدأت أسمع رسائلنا الصوتية المتبادلة، فهذا هو صوته الذي أسمعه داخل قبره الافتراضي.

رغم ما تفتقده حياتنا الافتراضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مشاعر حقيقية، إلا أن المقابر الافتراضية، عكس ذلك تمامًا، فهي تختزن بالصوت والصورة ذكريات وتراثًا إنسانيًا لأشخاص كانوا يومًا يعيشون بيننا.

هذا ما يُرشح وسائل التواصل الاجتماعي لتكون بلا مُنازع أهم ذاكرة للبشرية، مثلما أكدت دراسة لمعهد أوكسفورد للإنترنت مؤخرًا، حول عدد الحسابات الخاصة بالمستخدمين المتوفين، والتي أكدت أن عدد الموتى سوف يتجاوز عدد الأحياء مع نهاية القرن الحالي وتحديدًا عام 2070، وخلال العقد الأول من القرن الـ22 سوف يصل عدد حسابات الأشخاص المتوفين إلى قرابة 5 مليارات إنسان، يُشكلون أكبر مقبرة في تاريخ البشرية.

وقد أكد كارل أومان أحد الباحثين المشاركين في تلك الدراسة أن النسبة الأكبر من حسابات المتوفين ستكون من نصيب أفارقة وآسيويين، لأنهم يُشكلون ديناميكية أكبر من القارات الأخرى، وتوقع بحلول عام 2100 أن تضم المقبرة الرقمية نحو 800 مليون هندي، وأكثر من 315 مليونًا لمتوفين من نيجيريا وحدها.

ويبقى السؤال هل يضع الفيس بوك ضمن اعتباراته فكرة تكريم الموتى، حتى ولو كان ذلك رقميًا وافتراضيًا؟، وهل الفيس بوك كمؤسسة ربحية ستتعامل مع الموتى بشكل عادل، أم أن هناك تصنيفًا للموتى، طبقًا لأهميتهم وحجم ما يعودون به من أرباح للفيس بوك حتى وهم أموات، عبر المتاجرة بمعلوماتهم الخاصة، مثلما فعلت من قبل في قضية شركة الاستشارات السياسية كامبريدج أناليتيكا، المتخصصة في دراسات الرأي العام والتأثير على الناخبين في الحملات الانتخابية، والتي حصلت على البيانات الخاصة لنحو 87 مليون مستخدم لموقع "فيس بوك" عام 2018، من أجل استخدامها للتأثير على رأي الناخبين الأمريكيين إبان الانتخابات الرئاسية للرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب.

هناك موروث إنساني رقمي، يتضمن رسائل وصورًا ومقاطع فيديو عائلية وخاصة، هناك مشاعر وعواطف تم أرشفتها لملايين بل مليارات البشر، هناك معلومات وتاريخ تم توثيقة لحقب زمنية مختلفة ومهمة في تاريخ البشرية والإنسانية، هناك كنز تملكه إمبراطوريات التكنولوجيا في العالم، تلك الإمبراطوريات التي تقوم على مبدأ الربح والخسارة.

وفي حال المستخدمين المتوفين لا أعتقد أن الفيس بوك أو تويتر أو أي وسيلة تواصل اجتماعي سوف تٌحافظ أو تحتفظ بجميع حسابات المستخدمين المتوفين؛ لأن هذا في حد ذاته يُشكل كُلفة مادية كبيرة، ولن يُحقق عوائد باستثناء المشاهير منهم، وبالتالي نتوقع أن يتم محو وإلغاء حسابات المستخدمين المتوفين.

في عام 2010 منح تويتر أرشيف التغريدات لمكتبة الكونجرس، وكانت هذه بادرة رائعة، نرجو أن يتبعها مارك زوكربرغ الرئيس التنفيذي لشركة فيس بوك، وأعتقد أيضاً أنه لابد من سن القوانين والتشريعات الدولية التي تحكم تلك الإمبراطوريات الرقمية التي تتحكم في تاريخ البشر والإنسانية، لأن القضية هنا تتخطى فكرة الاستثمار، والربح والخسارة، لتصل للتأريخ للبشرية.

كلمة أخيرة للمؤلفة ورائدة الأعمال الأمريكية إيمي جو مارتن:
تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تغيير الطريقة التي نتواصل بها والطريقة التي يُنظر بها إلينا، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. في كل مرة تنشر فيها صورة باسمك أو تحدّث حالتك، فأنت تسهم في وضع وتوضيح بصماتك الرقمية التي لا تُمحى أبداً، وتعيش للأبد، وكذلك بناء علاماتك الشخصية من انطباعات عن خبرتك وخبراتك وكفاءاتك وإنجازاتك.

[email protected]

اقرأ أيضًا:
Advertisements
البذور الأولى للحياة ..

ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مرّ عليّ وعلى آبائي من أحداث، فكل ما يلقاه الإنسان من يوم ولادته، بل من يوم أن كان علقة، بل من يوم أن كان في دم آبائه، وكل

بائع الثقافة

اقرأ الحادثة تلك كانت الجملة الشهيرة لبائعي الصحف والمجلات، وبالطبع كانت هناك حادثة تستحق أن تُقرأ، حيث كان لبائع الجرائد في ذلك الزمن سياسة خاصة في

قصصنا تُلهمهم ولا تُلهمنا!!!

لم يكن الشاب المصري عبدالله عبدالجواد - صاحب الصورة الشهيرة التي يقود فيها الحفار الصغير وهو يُحاول تحريك السفينة العملاقة إيفرجيفن الجانحة في قناة السويس

نور مصري في بلغاريا..

شاب مصري يعيش في بلغاريا، باحث وكاتب في تاريخ الموسيقى العالمية، ومنذ سنوات قرر أن يؤسس مشروعه الخاص إلى جانب الدراسة، وهو عبارة عن سلسلة مطاعم في مدينة

ميثاقًا غليظًا

قرر الأب أن يتنازل عن "القايمة"، ويكتب مكانها "من يؤتمن على العرض، لا يُسأل عن المال"، كتبها بخط عربي أصيل، وربما طلب من أحد الخطَّاطين المتخصصين كتابتها،

سمير غانم أبهجنا وأبكانا..

الموت فقط هو القادر على كشف شعورك الحقيقي تجاه شخص ما بكل صدق، لدرجة قد تجعلك تشعر أحيانًا أن روحك تُريد أن تخرج من جسدك لتُودعه، وربما تضمه وتحتضنه للمرة الأخيرة...

ماما تينا.. وأخطر رجل في العالم

في أيرلندا خلال فترة الخمسينيات، عاشت كريستينا نوبل طفولة قاسية بين أكواخ دبلن مع أب مُدمن كحول وأم مريضة وستة أخوات مُشردين يبحثون عن الطعام بين أكوام

مبقاش ينفع خلاص..

كنت أستيقظ يومياً مبكراً، خلال المرحلة الثانوية، وكنت أراه دائماً وأنا في طريقي لصلاة الفجر في المسجد المجاور للبيت، ملامحه مصرية أصيلة، يرتدي "البدلة

هرم الحياة "المقلوب"...

متاهة يعيش فيها الفأران "سنيف" و"سكوري" والقزمان "هيم" و"هاو"، وجميعهم يبحثون عن الجبن، وفي أحد الأيام ينفصل الفأران عن القزمين في ممرات المتاهة الطويلة،

أخلاق بتاح حُتب

كنت لا أزال طفلًا عندما بدأت أرصد وأتابع تلك المشاهد التي كانت تجمع بين جدي ووالدي وبقية أعمامي، وكان فارق السن بين جدي وعمي الكبير 14 سنة فقط، وكنت أحيانًا

المُعذبون في الأرض

رجل مصري بسيط، نشأ وسط أسرة متوسطة الحال، درس وتعلم في المدارس الحكومية، تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وعمل طبيبًا في الوحدات الصحية بالقطاع الريفي

هايكلير مصر..

منذ أيام كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن واحد من أشهر وأعرق القصور أو القلاع التاريخية في لندن، وهو قصر "هايكلير كاسل" الذي يضم 300 غرفة، وسط خمسة آلاف فدان

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة