ثقافة وفنون

محمد سلماوي: استقلتُ من المناصب لأتفرغ لنفسي

24-6-2021 | 15:27

محمد سلماوي

سارة سيف

روائي وقاص متفرد.. له في المسرح بصمة، لم يسبقه إليها  أحد، قدم للمسرح عشرات الأعمال التي تركت أثرها في مسيرة المسرح المصري، أسس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وكان أول أمين عام له في عام 1988، صاحب موقف ورؤية واضحة لا يخشى الإعلان عنها والتضحية فى سبيلها، ولم لا؟ وهو الذي مُنع من الكتابة أكثر من مرة بسبب آرائه، وفصل من عمله، منها مرة عرف خبر فصله من الأهرام من رئيس وزارء أستراليا في أوائل الثمانينيات حين ذهب ممثلا للأهرام لإجراء حوار معه.. وكانت المرة الأولى التي يذهب صحفي لإجراء حوار مع شخصية سياسية مهمة، فيجري رئيس الوزراء حوارا مطولا معه إعجابا بشخصيته وثقافته، سامحا له على أثر الحوار باللجوء السياسي إلى دولته إن أحب ذلك.. فيرفض شاكرا، فالحرية في الوطن مهما تكن القرارات، وأي لجوء سياسي لأي بلد إنما هو منفى لم يفكر فيه يوما..


عشرات الجوائز المحلية والدولية حصل عليها في مسيرة أدبية عمرها خمسون عاما وأكثر، غير أن تكريم الدولة له منذ أيام بمنحه جائزة النيل، أرفع جوائز الدولة التي تُمنح لكبار الكُتاب، كان الأسعد في حياته، تتويجا لمسيرة أدبية حافلة بالإنجازات، ترجمت خلالها أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية ولغات أخرى عديدة، وبعض نصوصه المسرحية عرضت على مسارح باريس وواشنطن ومونتريال..

الجائزة هي نفسها التي حصل عليها للمرة الأولى صاحب نوبل «نجيب محفوظ» فتشاركا معا الرحلة والحب والتقدير..  وظلا رفيقين مخلصين، فخصه نجيب بأكثر من 500 ساعة من التسجيلات ضمت تفاصيل لم تنشر عن حياته، يحكي، وسلماوي يكتب.. ورغم كل مانشره عنه.. مازال لديه المزيد..

الكاتب الروائي الكبير محمد سلماوي في ضيافة «نصف الدنيا» يحكي لنا بعضًا مما في صدره عن الجائزة والكتب وأشياء أخرى.


 - بداية نبارك لك جائزة «النيل».. هل كنت تنتظرها؟

فلنقل كنت أتطلع إليها كتتويج لمسيرتي، خصوصا وأن هذه الجائزة، تُعطى للكاتب عن مجمل أعماله، بالتالي أرى في الجائزة تقديرا لمسيرة حياتى يملؤنى امتنانا والأعظم أن يكون هذا التقدير من مصر، بعد أن حصلت من قبل على الجوائز والأوسمة من دول مختلفة، فرنسا وإيطاليا وبلچيكا والسنغال وفلسطين، لكن جائزتي من مصر تمثل معنى خاصا بالنسبة لي، ولقد سبق أن فزت بالجائزة التقديرية عام 2012 لكن هذه المرة الجائزة هي الأكبر في مصر، وبالتالي مذاقها مختلف.

- لكنك رشحت لها أكثر من مرة فى السابق.

نعم رُشحت لها من قبل، لكنى – منذ عامين تقريبا – تراجعت عن الترشيح، بعدما أخبرنى مثقف آخر كبير برغبته فى الترشح فلم أحب المنافسة معه، لأنه كان جديرا أيضا بالجائزة. مما يعني أنها كانت في الأفق بالنسبة لي، دون شك.


- مع كل نجاحاتك الأدبية والصحفية مُنعت مرات كثيرة من الكتابة، ونُقلت من الأهرام إلى الهيئة العامة للاستعلامات، بخلاف فترة اعتقالك، كيف كنت ترى هذا المنع في حياتك؟

كان ذلك في فترتي حكم السادات ومبارك، وأثناء حكم الإخوان، لكنى رأيت في كل تلك المناسبات، اعترافا بموقفى فلو لم يكن لي موقف واضح وصريح، لما اتخذت ضدي تلك الإجراءات، ولولا ثبات هذا الموقف لما تكررت هذه الإجراءات.


 - قرأت أنك عرفت خبر فصلك من الأهرام عام 1981 عن طريق رئيس وزراء أستراليا وأنك رفضت اللجوء السياسي الذي عرضه عليك وقتها، ما صحة تلك الحكاية؟

فى سبتمبر عام 1981 كنت فى زيارة عمل لأستراليا وكان لدي لقاء مع رئيس الوزراء مالكولم فريزر لإجراء حديث صحفي، فور دخولي سألني عما يحدث في مصر من حملة اعتقالات قوية، وأجواء سياسية مربكة، فأخبرته بأنني لا أعلم شيئا بحكم وجودي خارج البلد، فأخبرني بأنه ورد إليه من سفارتهم في مصر، أن اسمي منشور في الصحف ضمن قائمة المعتقلين، وما كان أمامي إلا أن أطلب الانسحاب فورا بعدما عرفت أنني لم أعد في الأهرام ولا يحق لي إجراء هذه الحوار.. إلا أنني فوجئت به يطلب استكمال الحديث بيننا، ويسألنى عما يضايق الناس من سياسة السادات، واستمر حديثنا 45 دقيقة، وكانت المرة الأولى التي أذهب فيها لإجراء حوار صحفي مع رئيس وزارة دولة، فيجرى هو معى الحديث، وفوجئت بعدها بمكالمة من مكتبه، يخبرونني فيها بأن إجراءات اللجوء فى أستراليا صارمة، لكن رئيس الوزارة سيساعدني لو أحببت ذلك، فشكرته وقررت فورا الرجوع إلى مصر، لأرى ما سيحدث معي وأنفذه دون شك.


- ألم تفكر ولو قليلا في أن تكون حرا في حياة جديدة؟

لم أر فى ذلك حرية.. بل هو منفى، فمن لا يستطيع العودة إلى بلده، فهو فى سجن مهما تتسع مساحته.. ولم أحب أن أكون في هذا الوضع أبدا.


ـ أسست «الأهرام إبدو» وكنت رئيس تحريره طوال 16 عاما، كما انتخبك الأدباء رئيسا  لاتحاد كتاب مصر طوال 10 سنوات، وكذلك الأدباء العرب،  واستقلت من تلك المناصب وقلت إنك ستتفرغ للكتابة، لماذا فكرت في ذلك والمجال بالتأكيد كان في حاجة إلى خبراتك؟

لقد بذلت جهودا على مدار خمسين عاما تقريبا وأحببت أن تكون سنواتى الأخيرة ملكا لى، لم تكن الحكاية بالنسبة لي أنني اكتفيت أو أن المكان مازال في حاجة إلى خبرتي، لكن حياة الإنسان مراحل، غير منطقي بالنسبة لي أن يظل الإنسان يدور فى ساقية العمل حتى آخر يوم فى حياته، ويفعل الأشياء نفسها كل يوم إلى أن يرحل، فلكل منا مرحلة يجهتد فيها ويبني ويخدم مهنته وبلده، ثم تأتى مرحلة يشعر فيها بعد إنجازه بأنه يستحق الراحة والتفرغ للأشياء التى يحبها، وهى بالنسبة لى أسرتى وأحفادى والقراءة والاستماع إلى الموسيقى.. كنت أتطلع إلى أن يكون لدي وقت أكبر للتـأمل والكتابة، بعدما كرست لالتزاماتى المهنية كل الوقت.. نصف قرن من المجهود والعمل والإنجاز، وهذا يكفي.. وبعد أن استقلت تمكنت من قراءة الكثير من الكتب التى لم يكن يتسع وقتى لها، وتمكنت من كتابة مذكراتي، التى صدرت باسم «يوما أو بعض يوم» واحتفى بها الناس احتفاء كبيرا، كما تمكنت أخيرا من الانتها من الجزء الثانى منها باسم «العصف والريحان»، ولو كنت مازلت في الساقية التي لا تتوقف، لم أكن لأتمكن من تجميع  أوراقي وجمع مستنداتي لأكتب هذا الكتاب الذى أمضيت فيه سنتين من البحث والإعداد.


 -وما مصير المتحف الذي أسسته في اتحاد الكتاب لمشاهير الأدباء؟ ولماذا لا تُسلط عليه الأضواء إعلاميا؟

متحف مقتنيات مشاهير الإبداع موجود في اتحاد الكتاب فرع القلعة، وهوواحد من أجمل المشروعات التي شرفت بتأسيسها، فالمتحف موجودة فيه مقتنيات كبار الكتاب، مثل نجيب محفوظ، ويوسف السباعي وعلى أحمد باكثير، وسعد الدين وهبة، ونجيب سرور، ويحيى حقى، وهو متحف فريد من نوعه فى مصر وليس لدي أي فكرة لماذا لا تُسلط الأضواء عليه؟ يسأل فى ذلك الإعلام الذى يفضّل الاهتمام بفساتين الفنانات وفضائحهم.

ما رؤيتك لحل أزمة الكتب المزورة؟

هناك حلول كثيرة، وهناك أيضا قانون يجرم التزوير لكن ليس هناك  شك أن العمل على تخفيض سعر الكتاب - مهما يكلف الأمر ذلك- سيسهم كثيرًا في حل هذه الأزمة،  بل أصبح ذلك إلزامًا على الدولة، بعدما صار في غير مقدرة القارئ العادي، وأراه إلزاما لأن الدستور ينص على ذلك، فقد شرُفت بأن أكون في لجنة الدستور 2014 وتقدمت وقتها بمقترح لكتابة باب مستقل عن الثقافة، وكان ذلك لأول مرة في الدساتير المصرية، ونصت المادة الأولى في هذا الباب على أن الثقافة حق لكل مواطن وعلى الدولة أن تكفل هذا الحق دون تمييز لكل المواطنين، سواء في القدرة المالية أو البعد الجغرافي، أى واجب الدولة دستوريا أن توفر له الكتاب أينما يكن وأيا كانت قدرته المالية، ليس عدلا ألا يقدر أي قارئ على شراء كتاب لارتفاع سعره.. الدولة لابد أن تجتهد في تخفيض ثمن الكتاب، إما بدعمه، أو إعفاء الخامات المستخدمة في صناعته من الجمارك والضرائب، فحسب سياستها عليها أن تجد الوسيلة لتطبيق تلك المادة الدستورية، وبعدها لن يقبل المواطن على شراء الكتب المزورة التي يغريه فيها سعرها. وقد لا يعرف أنها مزورة أحيانا.


 -زوجتك هى الفنانة التشكيلية الكبيرة نازلى مدكور، فماذا عن ابنك سيف وابنتك سارة؟

ابنى سيف سلماوى درس إدارة التراث الثقافى فى جامعة يورك بإنجلترا، وهو مؤسس ورئيس دار «الكرمة» للنشر، وابنتى سارة درست التصميم الفني فى نيويورك، والآن تُدرِّسه هنا فى مصر.. ولدى خمسة شياطين هم أحفادى..


- كتبت المسرح وتخصصت فيه وكتبت الرواية والقصة القصيرة، إضافة إلى أنك واحد من  أهم كُتاب المقال الصحفي، أي الأنواع الأدبية وجدتها الأقرب إلى قلبك؟

أنا كاتب صاحب قلم، هذا القلم يكتب ما يحلو له، يكتب المقال، أو المسرحية أو القصة أو الرواية أو المذكرات، يظل القلم نفسه، معبرا عن الكاتب نفسه، ويندر أن تجد كاتبا متخصصا فى نوع واحد فقط من الكتابة، الروائى الكبير نجيب محفوظ مثلا، كتب أكثر من 40 رواية، ونحو 350 قصة، وحوالى 7 مسرحيات أو 8 من ذوات الفصل الواحد.. وقد أحببت أنواع الكتابة كلها.


ــ وهل من أجلها تركت التدريس بالجامعة في السبيعينات تقريبا؟

نعم.. كانت الإغراءات أكبر في الحقيقة، لأن فيها اسم الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي عرض علي الانضمام إلى كتيبة الأهرام، كانت نقلة غير منتظرة أو متوقعة، لكنها كانت محببة إلى قلبي، لأنني رأيت الصحافة ستقربني من الواقع الذى أريد الانتماء إليه، بينما فصلني عنه الأدب الإنجليزي الذي درسته وكنت أُدرِّسه بسبب عشقي له، وكانت الأهرام في ذلك الوقت إحدى أدوات صنع الواقع الذى نعيشه والذى كنت مهتما بقضاياه الكبرى.

ولما قررت قبول العرض استغرب أستاذي الدكتور رشاد رشدي رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، من تركي للتدريس والعمل صحفيا، والذي كان لا يساوي فى نظره أستاذ الجامعة، وبدأت مرحلة جديدة تماما في حياتي.


ـ كنت أقرب المقربين إلى نجيب محفوظ، وقرأت أن لديك أكثر من 500 ساعة تسجيلات معه، أين تلك التسجيلات الآن؟

لدي بالفعل حوالى 500 ساعة بصوت نجيب محفوظ كنت أسجلها من جلساتنا الأسبوعية على مدار أكثر من 12 سنة، لكنى بحاجة إلى إعادة الاستماع إليها مرة أخرى لأنني على يقين أن بها ما لا يجب نشره، لكن بها الكثير مما هو قابل للنشر.


- ذكرت أنك انتهيت من الجزء الثانى من مذكراتك بعنوان «العصف والريحان»، فماذا تناولت فيها ومتى سنقرأها؟

الكتاب الآن في المطبعة وأنتظر صدوره معكم في معرض القاهرة الدولي للكتاب آخر الشهر الحالى، فى الجزء الأول تناولت الحقبة الزمنية من عام 1945 أو ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحتى مقتل أنور السادات فى1981، أما الجزء الثانى فيتحدث عن الفترة من عام 1982 وتولي مبارك الرئاسة وحتى 2015،مرورا بثورة 25 يناير، وحكم الإخوان، ثم قيام ثورة 30 يونيو، وحتى صدور الدستور الجديد للبلاد، الذى بمقتضاه بدأت مرحلة جديدة تماما فى تاريخ مصر، قائمة على الاستقرار وإعادة البناء والإصلاح. متناولا بين كل تلك التفاصيل، محطات وجودي كرئيس لاتحاد الكتاب والمجلس الاستشاري الذي شكله المجلس العسكري بعد الثورة، ووجودي في لجنة الدستور التى كنت المتحدث الرسمى باسمها.

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة