ذاكرة التاريخ

الذكرى 182 على معركة نصيبين.. استمرت ساعتين لتسجل أعظم معارك القرن التاسع عشر

24-6-2021 | 15:03

معركة نصيبين

فاطمة عمارة

تولى محمد على باشا حكم مصر في 1805م، ومنذ ذلك الحين عمل على بناء دولة قوية حتى زاد نفوذه وبنى جيش قوى، استجاب لطلب السلطان العثماني محمود الثاني لإخماد القلائل بالحجاز، وأرسل حملة بقيادة ابنه الأمير "طوسون"، ثم ضم السودان والشام تحت ولايته، مما أقلق السلطان العثماني من تنامي نفوذه وقوة مصر، فالتقى الجيشان المصري والعثماني في معركة نصيبين "نزيب" في 24 يونيو 1839م على الحدود التركية السورية.

واصدر المحامي والمؤرخ المصري عزيز خانكي في 1939م بمناسبة الذكري المئوية للمعركة كتاباً باسم "الذكري المئوية لواقعة نزيب" في 56 صفحة وثلاث فصول.

ابتدأ فصله الأول بعنوان "صحائف مجد وفخار للجندي المصري" تحدث فيه عن المعركة وكيف وقعت، واستهل كلامه بالنصر، قائلا:(في 24 يونيو سنة 1839م انتصر الجيش المصري في أعظم معركة حربية اشتبك فيها في خلال القرن التاسع عشر،
وقعت هذه المعركة في عهد أعظم عاهل جلس على عرش الإمبراطورية المصرية هو محمد علي باشا الكبير، وفي عهد سلطان من أعظم سلاطين آل عثمان هو السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد الحميد الأول".

ثم استطرد خانكي يتحدث عن خلفيات المعركة بدءًا من خروج حملة الأمير طوسون على الحجاز في 2 أبريل 1811م تلبية لاستنجاد السلطان محمود، وخاصة بعد منع الحج لثلاث سنوات، وتألفت من 10000 مقاتل، منهم و7000 مشاة و2000 فارس، ثم أرسل لها نجده في 1812م، وتمكن "طوسون" من طرد المتمردين من المدينة المنورة ومن مكة المكرمة ومن جدة، وتأكيدا على حُسن العلاقة والولاء يوضح :"ولما تم فتح الحجاز أرسل محمد علي إلى السلطان مع ابنه إسماعيل مفاتيح الكعبة، قدمها إليه في 30 يناير سنة 1813م في صينية من الذهب الخالص مرصعة بالأحجار الكريمة، فاستقبل السلطان الأمير إسماعيل في جامع أيوب بجميع مظاهر الأبهة التي اشتهر بها سلاطين آل عثمان".

وبالرغم من هذا النصر المبدئي عاود المتمردين الهجوم، واستمرت المعارك بين الجيش المصري وبينهم حتى تمت الهدنة، وسرعان ما نقضوها وعاد الجيش المصري ليُرسي الأمن والاستقرار، ومات في هذه المرة الأمير طوسون فأرسل محمد على ابنه الأكبر إبراهيم الذي استطاع تحقيق النصر، وأرسل الأمير عبد الله إلى اسطنبول بناءً على أوامر السلطان وعاد إلى مصر في 1819م بعد ثلاث سنوات بالحجاز، وأقام محمد على على شرفه الأحتفالات سبعة أيام وسبع ليال متوالي.

وسرعان ما وجه الباشا انظاره بعد ذلك إلى السوادان، فأرسل ثلاث حملات متتابعة من أكتوبر 1820م على رأس كل منها ابنه اسماعيل، وصهره محمد بك الدافتردار، والثالثة بقيادة ابنه إبراهيم، ثم تفقد أحوالها بنفسه في عام 1838م، وأسس مدينة باسمه هناك، واستقر له الحكم في السودان.

عاود السلطان استنجاده بمحمد على لمعاونة الأسطول العثماني في قمع الفتن في جزر بحر اليونان، وبالفعل خرج الأسطول المصري من ميناء الاسكندرية اسطولاً من 15 قطعة بقيادة إسماعيل أغا "الجبل الأخضر"، واستطاع السيطرة على جزيرة رودس ، واستمرت استعانة السلطان بمحمد على وجيشه المصري، فبعد عام استنجد به للسيطرة على ثورة في قبرص، وليكسب ولائه التام أصدر فرماناً بتعيين محمد على والياً على قبرص إلى جانب مصر، وكانت المرة الرابعة لجزيرة كريت ولم ينتظر انتصاره بل ولاه عليها قبل ارساله الجيش ليثير حميته، ثم استنجد به الخامسة مع غارة الفرس على بغداد، والسادسة لقمع ثورة باليونان وأصدر فرماناً قي 16 يناير 1824 بتوليته إياها.

ويستمر "عزيز خانكي" في سرد تقديم الجيش المصري النجدة الدائمة للسلطان العثماني في الحرب الروسية في 1828م، ثم الحجاز مرة أخري، حتى اشتهر محمد على وعرضت عليه فرنسا غزو الجزائر وضمها لحكمه، إلا أنه رفض حتى لا يغضب الباب العالى.

ولما كان التجنيد إجباريا في الجيش المصري، هرب الكثيرين منه إلى عكا والشام، وأرسل محمد على يطالب والي عكا عبد الله باشا بدين لديه ويطلب منه إرسال الفلاحين المصريين الهاربين، فأجابه والى عكا:"أنا وزير السلطان مثلك، ليس لي أن أمنع رعايا السلطان من الهجرة من مصر إلى سوريا، كما ليس لي أن أمنع هجرة رعاياه من سوريا إلى مصر، إن أردت فاستصدر فرمانًا من السلطان برد الفلاحين وأنا أردهم".

شكا محمد علي إلى السلطان، فأجابه السلطان:"إن الفلاحين المصريين هم عبيد بابنا العالي لا عبيد وزيري، لهم حرية الإقامة حيث شاءوا".

ازعج الرد محمد على حيث نكث السلطان بوعوده له، فتحرك الجيش المصري في 14 أكتوبر 1831م، والأسطول المصري في 2 نوفمبر من نفس العام، وحقق انتصارات باهرات، ودخل يافا ثم حيفا، ثم قدم له عرب نابلس وطبرية والقدس الطاعة، فألف السلطان مجلسًا من بين اعضائه مفتي الآستانة، حيث أعلن في 23 أبريل 1831 تمرد محمد علي وعزله وتعين حسين باشا سردار واليًا على مصر بدلاً منه.

لم يهتم محمد على بهذا القرار واستمر في زحفه حتى سقطت عكا في مايو 1832 واسر واليها، وتبعها دمشق واتخذها مركزاً لحكومته، واوضح للسلطان انه على استعداد ان يقبل ولايتَي عكا ودمشق إلى جانب مصر وجدة وكريت مقابل التضحيات الكبيرة التي ضحاها من رجال ومال في سبيل استرجاع الحرمين الشريفين.

واستمر محمد على في زحفه، وانتصر في بيلان، ودخل إسكندرونة ومن بعدها انطاكية، ثم توغل في الأناضول، واحتل طرطوس وأضنة ومضيق كولك بوغاز، وهزم في كل منها الجيش العثماني شر هزيمة، حتى احتل المصريون قونية في 28 نوفمبر 1832م، ثم كوتاهية في 2 فبراير 1833م وتبعها في نفس الشهر أزمير.

ويشرح "عزيز" كل من هذه المعارك بالتفصيل ويوضح قائلا:"وقد بلغ ذعر الأهالي والحكام من اسم إبراهيم، وفزعهم من اسم الجندي المصري، أن تقدم محمد أغا إلى حاكم أزمير، وطلب منه باسم إبراهيم باشا تسليم المدينة، فأذعن في الحال، وسلم المدينة".

وبعد هذا النصر فكر إبراهيم باشا في خلع السلطان محمود ونقل الخلافة من إستانبول إلى مصر، ومال بعض رجال السياسة في أوروبا في وقت من الأوقات "ومنهم سفير إنجلترا في الآستانة وقيصر روسيا وبعض وزرائه" إلى العمل برأيه، وأشاروا بوجوب خلع السلطان محمود ومبايعة محمد علي سلطانًا وخليفة، وتمنت ولايات عثمانية كثيرة لو أنها دخلت في طاعة محمد علي، ونعمت بحكمه.

استعان السلطان العثماني بروسيا ووقع معها معاهدة " حنكار أسكه لي سي"، فخافت كل من انجلترا وفرنسا وسعت للتوفيق بين السلطان ومحمد على، وبعد مفاوضات طويلة وقعت معاهدة كوتاهية في 4 مايو 1833م، ونصت المعاهدة على (أن تكون ولاية مصر وراثية في ذرية محمد علي، وتنازل لمحمد علي عن ولاية سوريا كلها «دمشق وطرابلس وصيدا وحلب والقدس ونابلس»، وتنازل لإبراهيم عن ولاية أضنة وجدة، وعيَّنه شيخ الحرم المكي، واسترد من محمد علي جزيرة قبرص، وأخذ عليه عهدًا بعدم إعلان استقلال مصر عن الدولة العلية).

ظهرت بعض الفتن والقلائل، حتى قال البعض أن ما حدث إثر معاهدة كوتاهية عام 1833 أدى إلى معركة نصيبين 1839م، حيث حاول السلطان العثماني أن يسترد من محمد على ما منحته المعاهدة له من ولايات، ولكنه رفض فلجأ السلطان لزيادة عدد الجيش في 1837م، واظهر محمد على في مايو 1838م نيته إعلان استقلال مصر، ولما بلغ السلطان الأمر في يناير 1839م أمر بتجييش الجيوش.

بدأت أول أشارة للمعارك في المولد النبوي حيث التقى الجيش العثماني بقيادة حافظ باشا والمصري يقوده إبراهيم باشا (يعاونه سليمان باشا الفرنساوي، وأحمد باشا المانكلي، وأحمد باشا الدرملي، وعباس باشا بن طوسون بن محمد علي باشا، وسليم بك الحجازي، ومحمد معجون بك، وغيرهم من الأبطال).

استمرت المناوشات حتى آخر الأسبوع الأول من يونيو، ثم بدأ الأسبوع الثاني باجتماع مجلس من الوزراء والعلماء مع السلطان الذي أعلن اعتبار محمد على متمرداً، وتم تبادل الرسائل بين قواد الجيشين، واستولى العثمانيون على عينتاب، واسترد المصريون بلدة مزار.

وخرج إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي لاستطلاع مواقع العدو في 21 يونيو، ولاحظا أن التحصينات قام بها ألمان وليس أتراك، وقد ظهر ذلك من أسلوبها  وطريقتها.

ومع غروب هذا اليوم دعا إبراهيم باشا ضباط الجيش المصري، وقام في وسطهم خطيبًا ذاكرًا ما ناله الجيش المصري من الشهرة في أنحاء العالم بفتوحاته وغزواته وانتصاراته العديدة، ثم لفت أنظارهم إلى أن يوم الغد — 24 يونيو سنة 1839م — هو يوم فصل الخطاب.

وبين الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة ليلًا فكَّر حافظ باشا في مباغتة الجيش المصري، وأخذِه على غِرَّة، فسار في الليل، واستطلع مواقع الجيش المصري، ثم أمر بإطلاق المدافع في الحال. 

 كان الجيشالعثماني مؤلفا من 38000 مقاتل، منهم 5000 من الفرسان و3000 من رجال المدفعية مزودين بمائة وأربعين مدفعًا، والجيش المصري كان مؤلفًا من 40000 بما فيهم 2000 من الهنادي، وكان مزودًا بمائة وعشرين مدفعًا.

ورغم التكافؤ  في العدد والعُدة، إِلا أن الجيش المصري كان يمتاز بالقوة المعنوية، ومع شروق الشمس واشتداد المعركة بدأت الكفة ترجح لصالح الجيش المصري بعد أن احتل الفرنساوي ربوة أهملها العثمانيون، واستمر ضغط الجيش المصري وتوغل إبراهيم باشا على فرسه وسط الجيش العثماني،
وفي أقل من ساعتين انكسر الجيش العثماني وانتصر الجيش المصري، ووقع معسكر حافظ باشا كلُّه في أيدي إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي.

ويشرح المؤرخ في فصله الثاني بعنوان "نزيب لا نصيبين" في أربع صفحات أي الاسمين أصح، مستعيناً بالخرائط والمراجع التاريخية ووصل ان الأسم الأصح هو "نزيب".

ويختتم الكتاب بمقال نشره "جميل خانكي" بجريدة الأهرام في 26 أبريل 1939م بعنوان 'تخليد ذكري نزيب" و كتب فى أولي فقراته: "ألا يحسن لمناسبة حلول الذكرى المئوية لواقعة نزيب في ٢٤ يونيو القادم — أن يُقام في أحد ميادين القاهرة الفسيحة نصبٌ كبير تُوقد بين جوانبه شعلةٌ ملتهبة لا تنطفئ؛ تخليدًا للجنود المصريين البواسل الذين استشهدوا في ساحة الحروب العظيمة التي أبلوا فيها أحسن البلاء مع البطل إبراهيم باشا، وكتبوا لمصر فيها صفحات مجد وفخار سجلها لهم التاريخ بسطور من ذهب".

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة