راديو الاهرام

سد النهضة .. أسئلة جديدة

24-6-2021 | 17:26

"... تكلفة التعاون أرخص من تكلفة الحرب".. هكذا لخص وزير الري والموارد المائية محمد عبدالعاطي، موقف القاهرة من أزمة سد النهضة مع أديس أبابا.. وعشية مغادرته إلى جوبا لبحث مشروعات تعاون مائية مع جنوب السودان، قال عبدالعاطي إن مصر لم تدخل دائرة حروب المياه، ووصف ما أسماه بـ"تعنت إثيوبيا في بناء سد النهضة" بأنه "ليس قوة ولكنه عدم ثقة في النفس، وعدم وجود إرادة سياسية ووجود قوى (هناك) تزايد على مصلحة وطنها".

ورفض استخدام كلمة "اطمئنان" في رسالته إلى الشعب المصري، وإنما فضل القول: إنه يجب أن نشعر بالقلق الصحي الذي يجعلنا نعرف المشكلة، ولخص أزمة المياه الحالية في البلاد في ثلاث نقاط: نقص المياه، والتغيرات المناخية والزيادة السكانية في مصر.

وفي جوبا أكمل وزير الري سبل التعاطي المصري مع الأزمة، بعيدًا عن الحرب وقال: حريصون على استكمال مفاوضات السد الإثيوبي بما يحفظ حقوق مصر المائية وتحقيق المنفعة للجميع.

ما الذي تفيد به تصريحات وزير الري، إنها الحرب ولكن بوسائل أخرى، ما يعني أن القاهرة مازالت تنتظر الجلوس إلى مائدة مفاوضات جادة يشارك فيها المجتمع الدولي وليس الاتحاد الإفريقي فقط.. وصولا إلى اتفاق قانوني عادل وملزم، يحفظ الحقوق المائية لمصر والسودان، ويحقق المنفعة ويلبي طموحات جميع الدول حول نهر النيل في التنمية.

والمزيد من التفاوض عند المصريين، الناس والخبراء، هو استكمال السير في الموقف المرن الذي التزمت فيه مصر طوال عشر سنوات خلت، لم تجد فيها من الطرف الآخر سوى الغموض والمراوغة والتعنت..

وفي الأيام الماضية توجهت كل من القاهرة والخرطوم إلى مجلس الأمن بطلب عقد جلسة حول سد النهضة الإثيوبي في أقرب وقت، لبحث "تأثيره على سلامة وأمن الملايين من الذين يعيشون على ضفاف النيل". (وأنقل هنا من نص الخطاب الرسمي السوداني إلى رئاسة المجلس)..

الكلام كثير في القاهرة والرأي العام، حتى غير المسيس، غاضب وقلق بالفعل بسبب قرب حلول شهر يوليو الذي حددته أديس أبابا للملء الثاني، رغم انشغال إثيوبيا بالانتخابات، لكنها أكدت أن الملء الثاني في موعده المقرر.

ولا أظن أنه بعد الانتخابات التي جرت هناك سيكون لحكومة أديس أبابا أقوال أخرى، لأن الشعور بالعقد التاريخية لا يتم محوه بهذه السهولة، وهذه العقدة عميقة قد تصل من دون أن نرغب إلى عهد الفراعنة.

ويبدو أن المرونة التي تحدث عنها وزير الري هي من تسببت في انتقاد هذه السياسة مع إثيوبيا، لأن أديس أبابا لم تتلقها بقبول وتقدير، إنما رواغت لتصل بنا نحن والسودان إلى ما تتصور أنه أمر واقع يمكن فرضه بسهولة، لقد تجاهلت أديس أبابا كل المبادرات وأفشلت سائر المفاوضات ومضت قدمًا في خطط بناء السد.

ما الذي ينتظرنا في مجلس الأمن؟ لقد نزل دبلوماسي بارز هو الدكتور مصطفى الفقي بالتوقعات إلى "بيان رئاسي" عن المجلس يطالب بالتوجه إلى مفاوضات جادة، وبالتوقف عن اتخاذ إجراءات أحادية، واعتبر الفقي البيان تفاديًا مقبولًا لصدام قد يكون محتملًا باستخدام أحدهم حق الفيتو.

بينما ذهب سفير جامعة الدول العربية لدي الأمم المتحدة السفير ماجد عبدالفتاح إلى أن الساحة مهيأة لقرار من المجلس، بنفس المعاني، المفاوضات ووقف الإجراءات الأحادية في سد النهضة، وعدم الإضرار بدولتي المصب.

أما الفيتو فقد يأتي من الأصدقاء التاريخيين لمصر، لأن الأعمال والاستثمارات في سد النهضة تحمل الغموض نفسه الذي تتسم به أديس أبايا، وتذهب تقارير إلى دول من بينها أصحاب "فيتو" مثل الصين وروسيا لهما مصالح في إثيوبيا وفي السد نفسه.

ولا أجزم بصحة هذه التقديرات، وقطعًا لا أرفضها، ولكن كنت أود من أصدقائنا التاريخيين أن يساهموا في الأزمة؛ لأن القاهرة لم ترفض أي مشروعات تخص التنمية في إثيوبيا وفي دول حوض النيل عمومًا، ولكنها ترفض أن يصيبها الضرر والأذى من هذه المشروعات، والقاهرة أرادت ولا تزال أن تكون جزءًا من الحل في مشاكل ومعضلات التنمية في هذه الدول، ولطالما قدمت مساعداتها وخبراتها.

خبراء في مصر تحدثوا عن عدم قدرة أديس أبابا على إتمام الملء الثاني وعن عيوب إنشائية.. لكن كل هذا لم يبدد مخاوف الشارع المصري من نقص المياه، خصوصًا مع تشديد الإجراءات الحكومية في عمليات الري واستخدامات المياه، لتحمل صدمة مائية لم تشهدها مصر منذ خمس سنوات.

هل يتزحزح الموقف الإثيوبي المتعنت خطوة واحدة تحدث الانفراجة،؛ لأنه وبالنظر إلى كل التقارير التي تخص المياه يمكن تفادي إحداث أزمة في دولتي المصب، ولكن بالنظر إلى النوايا السياسية فإن العناد هو ما يفاقم الأزمة ويشعلها.

والرهان الذي تلعب عليه الدبلوماسية المصرية والسودانية الآن هو قدرة الضغوط على إثيوبيا في الفضاء الإفريقي والعربي ثم المجتمع الدولي، على الإتيان بنتائج تؤثر في حساسية الميزان، بحيث تتخلى أديس أبابا بسبب هذه الضغوط عن الانفعالات غير المبررة والتحديات غير الواقعية ضد القاهرة والخرطوم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة