آراء

الحرام .. رؤية أكثر اتساعًا

23-6-2021 | 10:20

لحظة تتجلى فيها منظومة من القيم، العابرة للإنسان والزمان والمكان، إذ هي إنسانية الجوهر، كونية المعنى، عالمية النزعة، تلك اللحظة، في بعدها الماضوي الأثري بطلتها (تاء تأنيث) امرأة ذات عقل راجح، شظاياها تنسف مقولات مغرضة الفهم قاصرة الفكر، وفي بعدها الراهن بطلها كاتب عظيم.

والبطولة في المعنى الذي يكسر أفق التوقع، لا يغلق الفكرة؛ بل يتركها تحلق في الأجواء لنراها في أنفسنا وفي الآفاق، لعلنا نتبين الحق من الباطل، والحلال والحرام، وهي معانٍ مجردة، لكنها لا تدور في حلقة مفرغة، بل تتجلى مصداقيتها في المسافة بين التصورات والتصديقات، وهي المسافة التي نجاهد ويجاهد كل مفكر في نسفها نسفًا.

إذ مرت امرأة على مجلس فقالت: من الفقيه فيكم؟
فأشاروا إلى أحدهم، قالت له كيف تأكل؟
فقال لها: أسمي باسم الله، وآكل، بيميني، وآكل مما يليني، وأصغر اللقمة، وأجيد المضغة.
فقالت له: وكيف تنام؟
قال: أتوضأ، وأنام على جنبي الأيمن، وأقرأ وردي من الأذكار.
فقالت: أنت ﻻ تعرف أن تأكل وﻻ تعرف أن تنام!!
فنظر لها وقال مستغربًا: إذن كيف الأكل والنوم؟!

فقالت له: ﻻيدخل بطنك حرام، وكل كيف شئت.. وﻻ يكون في قلبك غلٌ على أحد، ونم كيف شئت.. وما أخبرتني به هو أدب الشيء.. وما أخبرتك به هو جوهر الشيء. 

استدعي هذا المشهد الذي يمتليء به الأمس، ويغتني به اليوم، ويتشبث به الغد، أو يفترض ذلك، رائعة المبدع الكبير الدكتور يوسف إدريس (الحرام عام 1959) التي تصنف على رأس قائمة أفضل مائة رواية عربية، وقد تحولت إلى واحدة من أجمل وأرقى كلاسيكيات السينما، ولعبت بطولتها الفنانة القديرة فاتن حمامة، وأخرج الفيلم بركات عام 1965.

تصور الرواية مجتمع الفلاحين المهمشين والمسحوقين والذين لا يملكون إلا عافيتهم، ويعثرون بالكاد على قوت يومهم، من خلال حكاية سقوط عزيزة في الخطيئة، وقد أدخلهم يوسف إدريس في التعبير الأدبي لأول مرة، وتعمق في عالمهم، لهم عاداتهم وتقاليدهم وهمومهم وعذاباتهم وليسوا نفايات بشرية، كما يصفهم الآخرون. 

ينتشر العنوان الذي يفكر كثيرًا لنص رواية «الحرام» ثلاثين مرة، في سياقات لا تنضوي فقط تحت المعنى المجرد للحرام، بل تتجاوزه إلى آفاق أكثر اتساعًا وتنوعًا، تتناثر على ألسنة كثير من الشخصيات سواء من الفاعلين للحرام أم المستنكرين، أم الرائين إليه من بعيد، أم المتسائلين عنه والمتشككين في ثبات حدوثه.

جاء أول استخدام للحرام تسمية للقيط، كعلامة وحيدة دالة على فعل ارتكاب المحرم، في موقفين، الأول فردي حين اكتشف «عبدالمطلب الخفير» اللفافة فظن بطريقة ما، أن ما أمامه ليس عفريتًا أو شيئًا من هذا القبيل «ولكنه رضيع ابن حرام على وجه الدقة»، وكان الموقف الثاني جماعيًا كدلالة مادية نابعة من المشاهدة العينية «كل قادم كان يريد رؤية ابن الحرام هذا الذي مات لتوه».

هناك استخدام الحرام لتسمية اللقيط، العلامة الدامغة، الواحدة المحددة، على فعل ارتكاب المحرم، وهناك الاستخدام نفسه للإشارة إلى ظاهرة جماعية، تشمل كل مرتكبي الحرام وكل ثمراته المرة، ويمْثل المعنى مطلقًا بشكل غير متعين بزمان وغير محدد بمكان «الحرام الذي كنت تسمع عنه يا فكري أفندي ولا تصدقه موجود، وأمامك الفرصة مواتية لترى فاعلته كما رأيته».

وهناك المعنى الشائع الذي تلتصق به كلمة الحرام حين تكون الإشارة إلى ممارسة الجنس، خارج ما هو مسموح به، ومباح.. وثمة استخدام يدل على التمايز بين الرجل والمرأة في ارتكاب الحرام بالمعني المباشر، وهي تراتبية تشمل كل أحد على وجه العموم، «فهو مستعد أن يصدق الحرام في الرجال، ولكنه لأمر ما يصعب عليه أن يصدق الحرام في النساء»، وتصبح تراتبية مضاعفة، إذا طالت «نساء الغرابوة» كشريحة ينظر بشرية.

يتخذ الحرام في فضاء الرواية أيضًا معنى يصل بين الحرام وبين شيء هو أبغض الحلال وهو الطلاق، كأن يقسم "عرفة" - كواحد من الشخصيات - "عليَّ الحرام بالتلاتة من بيتي كلهم موجودين".

وهناك التجسد المرئي الإشاري لمعنى الحرام، كأنه يعلن عمن يرتكب، وهناك استخدام يربط ربطًا مباشرًا بين الحرام والعيب «كنت عارفة إنه حرام وعيب»، ويستحضر عنوان الحرام كمسحة دينية، وهناك الوصل بين ثمرة الحرام وسلوك ما، غير عادي، إذ تحاول من حملت سفاحًا، في «الحرام» أن تتخلص من جنينها، ثمرة الحرام المتنامية والدليل الحي المتفاقم على ارتكابه، ولكن الجنين، مثل الحرام نفسه، قد استقوى بطاقة من الشر هائلة: «كان ابن حرام فعلًا فلم يزحزحه كل هذا ولم يسقطه بل مضى يكبر كل يوم».

وهناك الصيغة التي ترسم الحرام كيانًا ما، ثم تتخذه، ونقيضه، معيارًا لتصنيف الناس، ومحدّدا لطبيعتهم ولوجودهم وربما لخلقهم ذاته، «فقد صدر عنها شيء حرام كهذا الذي حدث منذ أيام حاولت إخفاءه،الترحيلة أنفسهم كانوا يكادون يصبحون شيئًا حرامًا وكأن الناس جميعًا مخلوقات حلال وهم وحدهم مخلوقات حرام».

وهناك ما يجعل الحرام اختزالًا لتجربة مقرونة بالاستنكار والاستبعاد، ويصاغ هذا بتعبير شائع يصل بين الحرام هنا وبينه في مجال أشمل: «حتى لو كان حملها وولادتها حرامًا في حرام». 

وهناك ما يشي باستخدام تصور ما، في عبارات حوارية، توظف الخوف من الدمغ بــ «وصمة» الحرام في سياق الاستعطاف والرجاء لتحقيق استجابة ما: «حرام عليك ياحضرة المأمور.. حرام عليك.. دي عيانة». 

وهناك ما يطرح الحرام ركنًا ومكوّنًا أساسيًا في بناء تشيده مواضعات راسخة متفقًا عليها، مدعومة بقوة أبوية، وما يحلق به فوق المساءلة والشك أو حتى التفكير، وهناك الاستخدام الذي يصوغ الحرام مرادفًا للطلب والنهي، موازيًا لفعل الأمر والزجر: «لم يحرم أحد عليهم الاقتراب من أولاد العزبة وهم يلعبون».

وهناك ما يقرن بين الحرام و«الخصوصية الشخصية» التي يتكافأ معناها ومعنى الشرف: «وكأنها أصبحت عيبًا، وكأن في الإفاضة فيها خدش (كذا) لحرمة وشرف ناس».

وفي سياق ما، موصول بموازاة الراوي للشخصية مرتكبة الحرام، «عزيزة»، سوف يعاد النظر، ضمنيًا، في مدى إثم الفعل الذي اضطرت لارتكابه، سوف يلوح سلوكًا من سلوكيات ممكنة الحدوث، حتى لو لم تكن مألوفة، وسوف تشعر عزيزة بعد أن تخلصت من علامة الجرم ودليله الكبير المنتفخ، من الجنين الذي حملت به سفاحًا، بأن الصباح جميل، وبأن «كل شيء سوف يسير كما أرادت تمامًا وكأن الله معها».

د. مجدي العفيفي يكتب: تغريدة مصرية في قلب العالم (1-2)

ليس فقط، لأنها تدثر نفسها وحسها وحدسها باسم النهر الخالد في سياق المنظومة النيلية الإعلامية، التي تنساب كصفحة النيل الجميل منذ العام 1994.. وليس فقط،لأنها

إن العيون التي في طرفها «جراحة» (3-3)

ما إن أذن الله تعالى بإزالة الغشاوة التي حالت دون الرؤية إلا قليلا، حتى تضرع القلب إلى المنعم العظيم أن لا يُحرم أحدٌ سواء من المحبين والمحبوبين أم من

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (2-3)

قلت في الجملة الأخيرة من النظرة السابقة، إنني حاولت - أثناء استسلامي للطبيب اللبيب وهو يحاور ألمي في العيون التي في طرفها نزيف - أن أحقق معادلا موضوعيا

د. مجدي العفيفي يكتب: إن العيون التي في طرفها «نَزْف» (1-3)

العين.. وما أدراك ما العين.. سبحان الذي أحسن كل شيء خلقه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.. بلى.. حسب العين أنها آية من آيات الله.. إذن فلا

ومضة نور في طريق مـظلم

الساعة تدق الثالثة صباحًا.. الشوارع خالية.. إلا قليلًا.. طائر الفكر يسري على جناح الليل، والليل صديق..

أقوى من المعرفة والمال والحب والحظ

تكررت الكلمة في حواريتي مع محدثي أكثر من مرة، حتى إنها لفتت انتباهي واستقطبت اهتمامي.. وهي نفس الكلمة التي تتخذ منها الطرق الصوفية سبلًا قويمة ومرجعيات

منصة لإطلاق الجمال

آه لو عرف الشباب.. وآه لو قدر المشيب.. هيمنت على وجداني هذه الفكرة، وأنا أحدق في تلك الساعة التي كانت بطلتها هذه السيدة الأنيقة والأناقة سلوك ..الجميلة جمالا ارستقراطيا، والجمال منحة أكثر منه محنة.. .

رجل .. رجلان .. ثلاثة رجال

ثلاثة مشاهد مثيرة فعلا، تتغشاها كتلة سردية من الشوك البشري إلى الشوق الإنساني.. الأول يثير الغيظ.. والثاني يثير الشفقة.. والثالث يثير الهمة الإنسانية المفقودة، ورب همة أيقظت أمة.

..واسألوا هذا الصقر...!

يعيش الصقر 70 عامًا، ولكن حتى يصل إلى هذا العمر، يجب عليه اتخاذ قرار صعب جدًا، ليكمل حياته.. فماذا يفعل؟ عندما يصل إلى سن الأربعين تفقد أظافره مرونتها،

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (30)

رغم الأجواء الملبدة بالألم والأمل معًا، في أرض فلسطين الغالية، وتحديدًا من «غزة» الرهيبة، حيث انطلقت إلى فضاءات العالم كله، وزلزلت دوائره السياسية، ولا

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (29)

كانت مفردة الموت، بكل تجلياتها وتداعياتها هي القاسم المشترك في أحاديث أنيس منصور، لا سيما بعد عودته من رحلة العلاج بباريس، وأشار إلى أنه ينتظر لحظة التنوير

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (28)

حمل السطر الأخير من المشهد رقم 27 من مشاهد الطابق السادس في الأهرام، استغاثة أنيس منصور إلى طبيبه بصوت مذبوح: (والله يا دكتور اعفني من حياتي كلها.. اعفني

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة