راديو الاهرام
13-6-2021 | 13:17

عندما غادر الدكتور بطرس غالي، أمين عام الأمم المتحدة الأسبق، منصبه أصدر كتابه (5 سنوات فى بيت من زجاج)، تحدث فيه عن خلفيات اتخاذ الكثير من القرارات فى المنظمة العالمية العتيقة، وتأثير الدول الكبرى، ومتى استخدم الفيتو كحق يراد به باطل لإعاقة استصدار قرار يحظى بالإجماع من كل الدول، حتى صارت المنظمة أقرب ما تكون إلى جثة لا يربطها بالحياة إلا نفس يتردد جراء توصيلها بأسطوانة أكسجين، فإذا نُزعت منها فارقت الحياة، جسد غير قادر على الحركة، لا ميت ليدفن ولا واقف لينهض، حاضرة وغائبة فى آن واحد.

ولعنوان الكتاب دلالات صارخة، بيت من زجاج، لا ساتر فيه ولا مستور، لا خصوصية لساكن وإن كان عابرًا، بالمعنى الدارج (الشغل ع المكشوف)، كما أنه بيت سهل تحطيم جدرانه واقتحامه، تكفى حصاة صغيرة لكسره أو على الأقل ترك آثار تنتشر خطوطها العنكبوتية فى كل الاتجاهات بعشوائية، من هنا يصبح على ساكن البيت ألا يستعدي أحدًا، وإن عاداه الآخرون سالمهم، يبحث دائمًا عن التهدئة، بمعنى آخر عليه الالتزام بوصية معاوية بن أبى سفيان، (لو أن بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف؟ قال: لأنهم إن مدوها خلّيتها وإن خلوا مددتها)، حكم بها الشام أربعين سنة، قضى نصفها واليًا، والنصف الآخر خليفة.

لا تقتصر بيوت الزجاج على تولى وظيفة بعينها، يعمل المسئولون كافة من داخل بيوت زجاجية، وإن شئت الدقة بيوت عنكبوتية، أوهن البيوت، عادة ما يحطمها واحد من أهلها.

تولى دومنيك كامينجز فى يوليو 2019 منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، وغادره فى ديسمبر الماضي إثر خلافات متكررة مع طاقم العمل، شخص يصعب دمجه مع الآخرين، فما إن أعطى ظهره لمقر الحكومة فى 10 داوننج ستريت حتى شن هجومًا عنيفًا على جونسون مشككًا فى كفاءته، ونزاهته، وفى أسلوب إدارته لأزمة فيروس كورونا، وحرب اللقاحات، لم يترك كامينجز حصاة ولا حجرًا جمعه وخبأه، وربما تستر عليه، خلال عمله الرسمى إلا ورمى به بيت رئيس الوزراء الزجاجي.

وفى عام 2006 تولى نفتالي بينيت إدارة مكتب بنيامين نتنياهو، وقت كان زعيمًا للمعارضة، وعمل معه على صياغة برامجه الانتخابية داخل حزب الليكود، مما مكنه فيما بعد من تبوء منصب رئيس الوزراء، بعد ترك عمله مع نتنياهو تفرغ نفتالي لدعم الاستيطان الإسرائيلى وأسس حزب البيت اليهودي، وحقق نتائج مكنته من تولي عدة مناصب وزارية وأخرى رسمية مؤخرًا، وبعد أربع جولات لم ينجح فيها أحد المتنافسين فى تشكيل حكومة إسرائيلية كان نتنياهو طرفًا ثابتًا فيها- شكل نفتالى بينيت مع يائير لابيد، رئيس ومؤسس حزب (هناك أمل)، تحالفًا ضم القائمة العربية، ليصبح تشكيل حكومة ائتلافية أمرًا قريب المنال.

من جانبه، يستميت نتنياهو فى الدفاع عن بيته الزجاجى، ليس رغبة فى المنصب وفقط، بل لتلافى تبعات اتهامات له ولزوجته بالفساد والرشوة وإساءة السلطة، فى ندم يعض نتنياهو إصبعه على فوات فرصة استيعاب تلميذه السابق، نفتالى بينيت.

تفوق التلميذ على الأستاذ، تعلم كيف يستقطب أصوات الناخبين؛ إظهار العداء الشديد للفلسطينيين، ورفض مبادرات الصلح، ونهم توسع الرقعة الاستيطانية، فى الجوار، تحول البيت الفلسطينى إلى شظايا من زجاج متناثر لا تخبر بأى حال عن قرب جمعها لصنع بيت من زجاج يقطنه رجل مشتت بين جوانب العالم الأربعة، رجل يضع نصب عينيه حكمة معاوية، يقينًا أنه سيمد الخيط إلى آخر مدى، فالطرف الآخر ليس معنيًا سوى بالكلام والبارود.

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة