تحقيقات

مأساة تفوق التصور.. العجوز العذراء تنجو من كهف الجحود بالشرقية بعد 22 عامًا من القهر |صور

10-6-2021 | 21:07

شادية

ميادة عبد المنعم

جحود أخوة "شادية" فاق كل تصور، بدأت مأساتها بموت الأم والأب ليتبدل الواقع من النقيض للنقيض، وتسوء معاملة الأشقاء للأخت التي بدت في نظرهم "عانس" وتحتكم على ميراث لا بأس به ومن ثم وجب الخلاص منها، فكادوا لها كيدا.


العنوسة والطرد

في مدينة بلبيس محافظة الشرقية، عاشت "شادية" في كنف أبيها وأمها، حياة مستقرة حتى تجاوزت الثلاثين، تجوب البيت تخدم صغيره وكبيره رغم سوء معاملة الأخوة.

وبعد وفاة الأبوين وتجاوز الفتاة سن الزواج المتعارف عليه في القرى، انقلب الحال رأسا على عقب، فالفتاة لا تقرأ ولا تكتب وعانس من وجهة نظر أخوتها، وهو ما يجعلها صيدا سهلا وعبء قرر الأخوة التخلص منه.

الأمية والإعاقة

"بتاعة ربنا" جملة تقال في المجتمعات الريفية مفادها أن الشخص مريض نفسيا كانت تطلق على شادية وربما كانت سببا في طمع أخوتها وطردهم لها من البيت.

ولأنها لم تحظ بتعليم يمكنها من القراءة أو الكتابة، فقد وقعت الفتاة في شراك المكر، واستسلمت رغما عنها لخطة الاحتيال التي تنازلت فيها عن ميراثها، لتذل قدم بعد ثبوتها في غيابات التشرد والضياع والجوع.

"سنشد عضدك بأخيك" آية قرآنية لم تجد من يقرأها بين أخوة أذاقوا أختهم كل ألوان الإهانة، لا لجرم اقترفته المسكينة وإنما ليخل لهم بيت أبيهم وإرث أمهم.

بثمن بخس باع الأخوة، فتاتهم، لذئاب البغي والكلاب الضالة التي كانت تطاردها وتقاسهما المأكل والمشرب والجسد، المستباح.

العذراء وسن الأربعين

تمر الأيام دهرا، تظمأ فيها الفتاة وتجوع، تبلى ثيابها وتتعرى، تقذف بالحجارة وتنهش جسدها عيون المارة، حتى بلغت الأربعين، وزار الشيب رأسها وأطاح بضفائرها على رصيف ساخن أصاب قدميها بقرح غائرة.

10 أعوام مضت وهي خارج حدود البيت والعائلة والزمان، يغيب عقلها من حين لآخر، وربما هي رحمة الله لها كي ينسيها ما لاقت من جحود.

10 أعوام مرت وهي بين الأزقة والغيطان، تائهة، تحدث نفسها تارة، وتسأل تارة عن بيت أخوتها الذي لم تعد تعلم له طريق، تحدق في وجوه المارة بجسد يرتعش خوفا من أي محاولة للضرب أو التعدي، خاصة أن الجسد لم يعد يحتمل.

لـ 10 أعوام تنام واقفة كالخيول

الآن تجاوزت المرأة سن الأربعين دون أن تعتدل في جلستها أو تستلق على ظهرها يوما، واقفة على قدميها ليل نهار، لدرجة أنها كانت تنام واقفة مثل الخيول، بسبب الخوف من المجهول والبطش ممن اعتبروها ضمن المجاذيب.

القبو وضمور العضلات

ضمور في العضلات وتآكل في الأطراف، فضلا عن حالة نفسية ومرضية تتفاقم - أسباب جعلت وزنها وجسدها يشبه جسد طفل لم يبلغ العاشرة، ولهذا قررت السقوط والاحتماء بالأرض.

اختارت العجوز العذراء، مكانا مهجورا تواري فيه سوأتها التي بدت تتكشف، واختبأت في قبو قلما يزوره إنس أو حيوان لمدة 10 أعوام أخرى، تتمتم بكلمات لا يفهمها سواها، مع شعور بالأمان، جاد به عليها قبو مظلم موحش، كان أحن وأرحم من ضوء الشمس ونار ذوي القربى.

محطة الشيخوخة وسن الخمسين

وفي المحطة قبل الأخيرة من الرحلة، حيث أتمت العجوز الـ 52 عاما، بينما ملامحها تؤكد أنها بلغت المائة، ترفض الطعام والشراب وكافة المساعدات التي كانت تقدم لها، فهي لم تعد تشعر بالجوع أو العطش كما لم يعد جسدها يبالي بحرارة الصيف ولا برد الشتاء، وكأن الحواس الخمس تتعطل تعاطفا مع مأساتها.

البئر لم يكن قاسيا على يوسف كأخوته، كذلك الكهف المظلم الذي سكنته شادية، وسكنت معه أوجاعها حتى أذن الله بالفرج بعد 22 عاما من الكرب.

محطة الفرج والإيواء الحسن

تستيقظ المرأة على صوت بعض الفتيات، يبتسمن ويطالبنها بالرحيل معهن لحياة أفضل وعالم جديد تستحقه وتبقى فيه عزيزة مكرمة حتى تلقى ربها.

استجابت العجوز وخرجت من العتمة وهي تجاهد عينيها لترى ضوء الشمس، ويفلح فريق "بسمة" للإيواء بالشرقية، الذي لم يتردد لحظة عن طلب نجدة تلك العجوز، وتنتقل شادية لدارها الجديد.

بدلت العجوز ملائتها الغثة التي كانت تتلحف بها، بثياب بيض نظيفة وتخلصت من جدائلها المهترئة، وقلمت أظفارها، ونامت على فراش آمن، كما حظيت بطعام آدمي لا تشاركها فيه الحيوانات، وظهر النور على الوجه البشوش.



المفاجأة

شعرت العجوز بالأمان ولكن القدر لازال يحوي لها المزيد من الصدمات، فبعد أن قام شباب الفريق بنشر صورها على صفحات التواصل الاجتماعي للاستدلال على أهلها حدثت المفاجأة.

ظهور أخت شادية

دق جرس الدار وظهرت سيدة تدعي أنها شقيقة شادية وأنها جاءت لأجلها وتهلل وجه كل من في الدار فرحا فتسارعوا ليزفوا إليها نبأ اختها.

الصدمة

تباينت توقعات الجميع، تُرى هل ستأخذ الأخت الزائرة أختها المريضة لبيتها؟ أم أنها جاءت وسيطة للصلح مع أخوتها؟، أو جاءت لتعيد لأختها الميراث لتتحلل من الذنب؟، أما لتنقلها لدار أخرى.. على أي حال مؤكدا الهدف من الزيارة نبيل!. ولأن الأقدار غالبا لا تتعاطف مع المعذبين، فقد خاب ظن الجميع، حين أفصحت الأخت الزائرة عن هدفها من الزيارة وطالبت بجواب من الدار يفيد بوجود شادية فيها، لتتمكن الزائرة من الاستيلاء على معاش تكافلي.

لم تأت الأخت لتستسمح أختها وإنما جاءت لتكمل ذبح الأضحية وتستفيد من عجز أختها المسنة بالاستيلاء على معاش العجز.

خيبة أمل تملكت الجميع، أمام فرحة "شادية" بمجيئ أختها رغم كل ما لاقته من أهوال، وبين موقف الأخت الجاحد، وهو ما جعل القرار جماعيا بإخفاء حقيقة وسبب الزيارة عن العجوز اليائسة، حتى لا تقهر مجددا.

المحطة الأخيرة

تسأل "شادية"، مع كل صباح، عن أختها بنظرات حائرة، ودموع لا تجف، إلا أن الزائرة منذ أن قوبل طلبها بالرفض، قررت ألا تعود للزيارة مرة أخرى .

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة