راديو الاهرام
7-6-2021 | 00:11

أنا بطبيعتى أحب السفر جدًا وكنت أتمنى دوما أن أعمل فى مجال يسمح لى بالترحال والتجوال خارج مصر.

فى أحد الأيام تلقيت دعوة من إحدى الجمعيات المتخصصة فى شئون البيئة فى كينيا لحضور مؤتمر دولى تنظمه تلك الجمعية وإلقاء محاضرة فى مجال القانون الدولى للبيئة.

قبلت الدعوة فورًا وتوجهت إلى المطار، لم تكن أولى رحلاتى إلى كينيا لذلك كنت على علم بمسار الرحلة التى تقلع من القاهرة لتتوقف فى مطار الخرطوم ثم تتجه إلى العاصمة الكينية نيروبى.

وصلت الطائرة بسلام إلى مطار الخرطوم، رحل بعض الركاب ممن كانت وجهتهم الخرطوم وحل محلهم آخرون ذاهبون إلى نيروبي.. ثم أقلعت الطائرة لتكمل رحلتها إلى كينيا .

جلس بجانبى شاب فى الثلاثينيات من العمر، منذ بدأ حديثه معى لاحظت قدرته الغريبة على تكوين علاقات مع الغير، تعرفنا فى ثوان معدودة، أخبرنى أنه من جنوب أفريقيا وأنه يمتلك شركة مع أخيه للاستيراد والتصدير وأنه يقوم حاليًا بجولة فى بعض الدول الأفريقية لعقد بعض الصفقات، بدأها بالسودان وسوف يتجه إلى كينيا وغيرها من الدول.

كان هذا الشاب يتمتع بطاقة إيجابية هائلة تراها العين بسهولة فى كل حركاته وتنطق بها كلماته، تتمنى وهو يتحدث إليك أن ترى نفسك أو ابنك مثله، ولا تملك إلا أن تقول فى سرك: ما شاء الله عليك يا ابنى ربنا يحميك.

هل أنت متزوج؟ قال سوف أتزوج بعد شهرين، بنت عمى، أحبها منذ الصغر، وربما يكون كل كفاحى ونجاحى من أجل أن أثبت للجميع أننى أستحقها، كان يفترض أن نتزوج قبل أن أبدأ تلك الجولة، لكننى فضلت التأجيل حتى أتمكن من إتمام بعض الصفقات التى سوف تدعم مستقبلنا، أنا أريد أن يكون كل شيء على أفضل وجه، كما أننى كنت أريد أن أطمئن على صحتى، لقد كان وزنى كبيرًا وحذرنى الأطباء من هذا الأمر؛ لذلك بدأت منذ عام نظامًا غذائيًا قاسيًا حتى تكتمل لياقتى، وكما ترى فقد أصبحت فى كامل لياقتى.

جاءت المضيفة بالطعام ، شكرها ولم يتناول الطعام وقال لى ضاحكًا أنا ملتزم بنظام غذائى يمكن أن يفسده طعام الطائرات، بدأت فى تناول طعامى وفجأة شعرت بصوت حشرجة وحركة غريبة بجانبى، التفت فوجدت هذا الفتى فى حالة تشنج غريبة، ينظر إلى مستنجدًا ولا يستطيع أن ينطق كلمة واحدة، صرخت فورًا مناديًا على المضيفة التى جاءت بسرعة وأعطته جهاز التنفس، لكنه استمر فى التشنج، نادت المضيفة فى الطائرة: هل يوجد طبيب يمكنه المساعدة؟ تقدم أحد المسافرين وقال إنه طبيب!!

حملنا الفتى ووضعناه على أرض الطائرة وبدأ الطبيب فى عمل الإسعافات الأولية اللازمة، والكل ينظر وينتظر وأنا أنظر إلى الفتى والذهول يجتاح رأسى، هل هذا هو ذلك الفتى الذى كان منطلقًا فى الحديث منذ ثوان معدودة، ممتلئًا بالنشاط والحيوية يحكى عن حياته وعمله وزواجه!!

رفع الطبيب رأسه ونظر إلى المضيفة وقال: آسف لقد مات، ثم حملوه إلى المقعد الأخير فى الطائرة وقاموا بتغطيته لحين الوصول.

كانت المرة الأولى فى حياتى التى أعايش فيها هذا الموقف، المشكلة أنه كان يجلس بجوارى وتعارفنا تعارفًا جيدًا وحكى لى عن حياته وطموحاته وأنشطته... ظللت أقوم من مكانى وأذهب إلى نهاية الطائرة حيث يرقد صديقى - الذى اتفق معى منذ ثوان على زيارتى فى مصر بعد زواجه؛ حيث كان ينوى قضاء شهر العسل بها - أرقبه راقدًا وأتذكر كلماته ثم أجدنى أبتسم غصبًا عنى ابتسامة لا أدرى لها سببًا، لكنها أراحتنى وأشعرتنى بالسكينة والاطمئنان، أحسستها تحتضننى بقوة وتربت على كتفى وتنظر في عينى وتقول لى "اهدأ" . وفجأة ارتفع صوت قائد الطائرة معلنًا الوصول وانتهاء الرحلة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة