راديو الاهرام

البحث عن الذات الفلسطينية

1-6-2021 | 00:32

عودة الفلسطينى إلى الذات تبدو قريبة للمرة الأولى، يعيش مواطنا متحررا، فى دولة طبيعية ككل البشر، فآلة الموت الدولية وصلت إلى نهاية المطاف، فلم تعد لديها أفكار مميتة أبدع من الأفكار التى جربتها فى البدن الفلسطينى، وقد تحملها، رغما عنه، ودفع أثمانها الباهظة من الدماء والتشرد، وعدم الاستقرار.

يكاد الفلسطينى يتخلص من أثقال وضعوها على كاهله دون إرادته أو رغبته أو تخطيطه الحر، تعايش معها كأنها قدر نافذ، دون أن يطرح على نفسه الأسئلة الجوهرية، عن مدى صحتها أو معقوليتها، فتعطل مشروعه لتحرير بلاده من آخر معاقل الحرب العالمية الثانية.

على مدى أحد عشر يوما واجه معركة وجود، تأكد أن لديه القدرة والمقدرة على الصمود، وإيلام الاحتلال، وأنه لن يفعل ويكرر أخطاء عقود متتالية، ويترك الميادين فارغة مرة أخرى، والارتكان إلى اللجوء على قسوته، ذلك الفعل الذى ترافق معه منذ حرب 1948 إلى الآن، وجعل الطرف الآخر يشعر بالارتياح لهذا الفعل غير المبرر وطنيا، وجربه المعتدى وأفلح فيه، ثم كرره طويلا، حتى باتت قضية اللاجئين وحق العودة جزءا من الخطاب السياسى والإعلامى العام، كحالة مستعصية، أو قابلة للنسيان.

والفلسطينى رهين المحبسين، وعليه أن يتخلص من هذين المحبسين، مع الاعتذار لشاعر الغفران أبى العلاء المعرى.

الأول، هو احتمال الفلسطينى أوزار الحرب العالمية الثانية دون ذنب، فهو لم يكن مخططا فى دول الحلفاء أو فى دول المحور المتقاتلة، ولم يكن جارا لأى من قادة الموت الأوروبيين، بل شاء حظه العاثر، أو حظه المخطط، أن يتطاير الدخان عليه من قلب ساحات الحرب الأوروبية، فتعمل على إغراقه وإغراق بلاده الموصوفة بأرض اللبن والعسل فى الأدبيات الدينية المتطرفة، تلك الأدبيات التى قذفت بالمتطرفين فى حملات مستمرة على الشرق.

أما المحبس الثانى، فهو ارتهان الفلسطينى لجماعات ودول إقليمية، اتخذت من قضيته العادلة منطلقا للوجود المريح، ضمن نظام عالمي، كان يتشكل بعد الحرب العظمى ولا يزال، وهذه القوى والجماعات جعلت من الدماء الفلسطينية جسورا للعبور إلى المصالح، ويقينى أن تلك القوى لا تريد أن تنتهى القضية الفلسطينية، أو لا ترغب فى تحرير شعب فلسطين لنفسه، وكلما اقترب الحل تدخلت بعنف، وأسهمت فى بقاء حالة الفلسطينى فى حلقة مفرغة.

وعلى الفلسطينى أخيرا أن يمسك بالفرصة النادرة، فإسرائيل تقف عند مفترق طرق، فسواء أكانت تمتلك سلاحا فتاكا، أم تهيمن على مراكز صنع القرار فى العالم، أم تستحوذ على وسائل الثقافة والإعلام الدولية، فإنها مع كل هذا الامتلاك الفادح، لم تستطع أن تطمر جمرة القضية الفلسطينية فى الرماد.

الأحد عشر يوما للموت الإسرائيلى تثبت أن البارود الدموى كان جرس إنذار لإسرائيل نفسها، فقد استيقظ الساكتون المتعايشون داخل الخط الأخضر من عرب 48، وهو استيقاظ انتبهت معه مراكز الاستشعار الإسرائيلية، وارتجفت له عقولها الجوانية، خشية التعايش مع قنبلة زمنية، لا تستطيع إبطال مفعولها الخطير، فهى لم تحتسب - غرورا - أنه يمكن أن يتكلم الساكت بعد أكثر من 70 عاما.

نفس مراكز الاستشعار هذه تنظر إلى ما يجرى داخل الخط الأخضر على أنه خطر داهم مقيم، قد لا يفضى إلى حرب أهلية فحسب، كما قال الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين، أثناء الحرب الأخيرة، بل قد يعيد تذكير إسرائيل بأفكار تراها خطيرة على وجود الدولة الإسرائيلية نفسها، كبرنامج النقاط العشر الفلسطينى، أو طرح فكرة الدولة الموحدة، أو الدولة ثنائية القومية، وكلها أفكار قابلة للتنفيذ، إذا تغير مزاج المجتمع الدولى، وساعتها سيكون «حل الدولتين» جنة مستحيلة.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة