جذبته السينما منذ أن كان في العاشرة من عمره، وشدت انتباهه على تلك الشاشة الفضية، وتردد على سينما أمبير أحد أوائل دور العرض في مصر، وكان فيلمي "أسرار نيويورك"، و'فانتوماس" أكثر ما حرك مشاعره للفن الجديد، إنه شيخ المخرجين صاحب أهم كلاسيكيات السينما المصرية، وأحد الرواد الأوائل للسينما المصرية، وأول عميد للمعهد العالي للسينما، وأول نقيب للسينمائيين، أنه المخرج محمد كريم.
ولد محمد عبد الكريم 8 ديسمبر 1896م في عابدين بالقاهرة، في أسرة متوسطة، ارتبط بالفن منذ صغره، أثرت فيه الموسيقي، اصطحبه والده لحضور العروض السينمائية، وتفتح ذهنه على أفق أوسع، بدأ يجمع قصاصات المجلات الفنية، وصور الممثلين وبدأ يتقمص الشخصيات التي يشاهدها بالسينما، وحول سطح منزله إلى ما يشبه الأستوديو وصمم ديكورات مشابهه لما يراه وملابس الممثلين وصور نفسه فوتوغرافياً بها.
كون ما يشبه فرقه تمثيلة مع جاره يوسف وهبى الذي جمعهما حبهما للسينما، وضموا إليهما على شقيق يوسف وزميلهم مختار عثمان، وقدما العروض التمثيلة لأبناء الحي أمام منزلهم بعد أن حولوا "المصطبة" أمامه لمسرح، تحول المسرح إلى دار عرض سينمائي بحجرة "يوسف وهبي" بعد انتقاله إلى حى المنيرة، واستأجرا آلة عرض سينمائي من شركة "جومون" ووقف "كريم" خلف الستار ليقوم بالمؤثرات الصوتية باستخدام أدوات الطعام المختلفة فتحولت الأفلام الصامتة لتكون أكثر تشويقاً لجمهورهم الصغير من أبناء الحي واستحق ذلك مليمين من كل شخص، انضم الصديقين بعد ذلك إلى أحد فرق الهواة.
راسل بنك روما بالأسكندرية في 1917م بمجرد أن علم بتأسيسه شركة إنتاج سينمائي، وأرفق معه رسالته 18 صورة في مشاهد تمثيليه، إلا أنه تلقى جواباً بالرفض لعدم حاجتهم لممثلين، فتعلم الإيطالية وأعاد مراسلتهم بها فطلبوا منه في 15 مايو 1918 الحضور على نفقته الخاصة للخضوع للأختبار، وقُبل للعمل بها وكان المصري الوحيد فيها، وكان أول أفلامه "شرف البدوي" بدور شاويش واشترى على حسابه حذاء شرطي، واستمر معهم وبلغ أجره 20 جنيهاً، ثم صفت الشركة أعمالها.
حاول التواصل مع شركات أخرى في عدة دول، ولكنه لم ينجح، فقرر السفر إلى إيطاليا ليكمل حبه بالدراسة، وسافر إلى روما في في 21 أبريل 1921، وعاد إلى مصر بعد أن وجد الأهتمام هناك بالمسرح، ثم سافر مرة أخرى إلى ألمانيا ودرس الأخراج على يد المخرج "فريتس لانج" وعمل معه كمساعد في عدة أفلام، وشارك كممثل في بعض الأفلام، كما درس كتابة وإعداد السيناريو، والتصوير، والمونتاج في عدة معاهد سينمائية هناك، وانضم إلى عضوية نقابة الممثلين الألمانية، وتزوج ألمانية سمت نفسها "نعمة الله" وعملت معه مساعدة بالأفلام، وأنجب منها ابنته ديانا.
المخرج محمد كريم
عاد إلى مصر في 28 أغسطس 1926 لتأسيس سينما مصرية بعد أن سيطر عليها الأجانب، أخرج في البداية فيلماً تسجيليلاً عن "حديقة الحيوان" عام 1928م، وأسس مع يوسف وهبي شركة رمسيس، ثم اختار بعد بحث طويل رواية الأديب محمد حسين هيكل "زينب" لتكون أول فيلم مصري، من بطولة بهيجة حافظ وسراج منير، وعُرض بالسينما لأول مرة في 14 يوليو 1930، ويعتبره النقاد البداية الحقيقية للسينما المصرية وحقق نجاحاً كبيراً، وأعادها في فيلم ناطق عام 1952م من بطولة راقية ابراهيم ويحيي شاهين.
لم يكتف كريم أن يكون صاحب أول فيلم مصري، بل هو كان صاحب أول فيلم مصري ناطق "أولاد الذوات" 1932 من بطولة يوسف وهبى وسراج منير وأمينة رزق، ثم قرر الاتجاه إلى الفيلم الغنائي فاقنع الفنان محمد عبد الوهاب أن يخوض تجربة التمثيل ووافق ليخرج إلى النور أول فيلم غنائي مصري "الوردة البيضاء" 1933م، واستمر مشواره الفني ليكون أول من يخرج فيلم مصري ملون "دليلة" 1956م من بطولة شادية وعبد الحليم حافظ.
أسس محمد عبد الوهاب شركة إنتاج سينمائي باسمه وعهد إلى "كريم" إدارتها واشترط عليه أن يخرج أفلامه والتي بلغ عددها 6 أفلام، كما اكتشف الكثير من النجوم وقدمهم كأبطال في أفلامه منهم بهيجة حافظ، ليلى مراد، سميرة خلوصي، وإلهام حسين، مديحة يسري، ونجاة علي، وزوزو ماضي، وسميحة سميح، ورجاء عبده، وراقية إبراهيم، وكانت بداية الفنانة فاتن حمامة معه.
قدم 9 أفلام تسجيلية و17 فيلماً روائياً، وتضم قائمة أفضل 100 فيلم مصري اثنين من أفلامه هما زينب، ورصاصة في القلب 1944م.
أُختير في 1943 ليكون أول نقيب السينمائيين تقديراً لجهوده، وأسس معهد السينما عام 1959م، وتولى عمادته، واشتهر عنه هوسه الشديد بالنظافة ودقته الشديدة على المواعيد للطلبة والأساتذة، استقال من العمادة في 1963م مع تخرج أول دفعة، ومنحته وزارة الثقافة منحه للتفرغ لكتابة تاريخ السينما المصرية الذي كتبه من ذكرياته وذكريات أصدقائه إلا أنه توفي في 27 مايو 1972 قبل أن يكمله، وقام المخرج أحمد كامل مرسي باستكماله.
امتاز أسلوبه في الأخراج بالعناية الشديدة بالتفاصيل، فاهتم بالمنظر ومحتوياته واختيار الموضوع والممثلين، ومال إلى تصوير المناظر الطبيعية، وحرص على تجميل الواقع؛ لأنه يمثل مصر.
عُرف كريم بأنه صاحب مباديء لم يتخل عنها طوال حياته، ولم يحقق مكاسب مادية فسكن في شقة بسيطة واستخدم الترام في تنقلاته.
حصل على جائزة الدولة في الإنتاج والإخراج والسيناريو عن فيلم "جنون الحب" 1955م، وعلى وسام الدولة في الفنون من الدرجة الأولى عام 1963م، كما حصل على عدة جوائز من مهرجانات محلية وعالمية منها مهرجان موسكو السينمائي، مهرجان كان السينمائي الدولي ، ومُنح اسمه بعد وفاته جائزة الدولة التشجيعية في الفنون.