راديو الاهرام

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (30)

27-5-2021 | 13:52

رغم الأجواء الملبدة بالألم والأمل معًا، في أرض فلسطين الغالية، وتحديدًا من «غزة» الرهيبة، حيث انطلقت إلى فضاءات العالم كله، وزلزلت دوائره السياسية، ولا تزال.. وأقامت الدنيا ولم ولن تقعدها.. (الألم من جراء الهجمات الوحشية البربرية من الكيان الصهيوني، والأمل في المقاومة بكل أطيافها وعالميتها.

ورغم أنني لا أزال - منذ ثلاثين مشهدًا أسبوعيًا - أتربع على عرش لحظات التأمل والاستعادة والتذكر والتسجيل والتوثيق، في الطابق السادس من الأهرام، أو طابق «متحف الخالدين» في رواية أخرى.. إلا أن بعضي هنا في (الطابق السادس بالأهرام) وبعضي الآخر في الطابق (السادس من عمارة أنيس منصور، حيث بيته العامر بالذكريات في الجيزة) والسبب يمتد طرف الفكر، تيمنًا بالإشارة التي تتجلى في القرآن الكريم (قبل أن يرتد إليك طرفك) وأقلب في أوراق المذكرات السياسية الرائعة والمروعة التي تركها أستاذي أنيس منصور، رحمه الله (ولم تنشر بعد....!!!).

* ولا أزال بين الطابق السادس بـ «الأهرام» والطابق السادس في «بيت أنيس منصور»

عندما يصدر الرأي من ذوي الاختصاص، تصبح له قيمة، وقيمة مضافة.. وعندما يشهد مفكر بحجم أنيس منصور من واقع تجربته العملية والعلمية والفكرية عن الكيان الصهيوني، بأنه كيان سياسي لقيط، وسيظل لقيطًا، فإن هذا الكلام يوزن بأدق من ميزان الذهب..

وعندما يعتبر كاتب مثل أنيس منصور نفسه أنه كان «أحد الجيوب» التي قاومت الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بعد 1967، وأن مقاومته اتخذت شكل المقالات العنيفة والكتب الملتهبة، وقد انغمس قلمه في مرارة الهزيمة ونار الانتقام» ثم يشهد أمام الله أن هذا الكيان الصهيوني لم يعرف.. ولا يعرف.. ولن يعرف.. شيئًا اسمه «السلام» فالأمر - جد - جدير بالتوثيق والتحقيق والتحديق.

وعندما ينتهي إلى حقيقة ساطعة، عن ذلك الكيان الاحتلالي، الذي لا ريب فيه أنه احتلال وبغيض «وتقول هذه الحقيقة: «...انتهيت إلى أنه لا سلام مع إسرائيل»(!!!) وهو الذي كان قد تحمل مغامرة وخطورة القيام بالكثير من المهام الصعبة والسرية، التي كان يقوم بها مباشرة بين الرئيس الراحل أنور السادات وحكام الكيان الصهيوني، باعتباره «موفد السادات» في نظر تلك القيادة السياسية، وكانت رحلات مكوكية لم يكن يعلن عنها، حتى تؤتي ثمارها، وكما قال لي بالحرف الواحد «لقد استغرقني هذا العمل الحساس تمامًا في السنوات الأخيرة، لا سيما أنها مهام لم يكن يدري بها أحد، لا رئيس الوزراء، ولا وزير الخارجية، ولا وزير الداخلية، ولا أجهزة المخابرات، المصرية منها والعربية والأجنبية».

وقد سمح لي أنيس منصور بقراءة هذه الأوراق المباحة، بعض الشيء، بعض المعرفة، بعض البوح، ولما قرأتها أصابني الذهول، ولا يزال، من هول الأسرار التي تكشفها مهارة وجدارة مفكر عظيم مثل أنيس منصور..!!

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام» والطابق السادس في «بيت أنيس منصور»

كتب مذكراته السياسية «مشـواري السـري» وقد انتهى منه، ويعد واحدًا من أهم وأخطر مذكراته السياسية التي ظل عليها عاكفًا عدة سنوات، ويصفها بأنها مذكرات «من نوع خاص»، وعلى «قدر كبير من الخطورة»، فلها علاقات معقدة بالأمن المصري العام، كما تمس جوانب كثيرة من أوضاع الأمن الإسرائيلي، وفيها نصوص ووثائق سياسية وعسكرية، ومخاطبات في الجاسوسية، ووقائع لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها إلا مغامر ومعايش لها، بل ومشارك فيها، فحق للمحللين أن يشيروا إلى أنه «يوم يكتب التاريخ ستعرفون ما الدور المهم الذي لعبه أنيس منصور...» الشاهد على ذلك د. محمود محفوظ الذي رأس وفد مجلس الشورى قبل سنوات في لقائه بالرئيس الصهيوني.

في هذا الكتاب الخطير يزيح أنيس منصور النقاب لأول مرة عن كثير من المهام الصعبة والسرية التي كان يقوم بها مباشرة بين الرئيس الراحل أنور السادات وحكام إسرائيل.

* ولا أزال بين الطابق السادس بـ «الأهرام» والطابق السادس في «بيت أنيس منصور»

الحقيقة الفنية والتاريخية في حياة أنيس منصور تؤكد أن نكسة سنة 1967 هي التي جعلته كاتبًا سياسيًّا، بل فاجأته فجعلت الفلسفة أبعد عن قلمه، وإن كان الأدب والتاريخ وعلم النفس هي المداد والدم والعرق الذي يمزج به كل ما كتب بعد ذلك «فقد بدأت الصدمة الكبرى بأن ذهبتُ إلى الجبهة في الأيام الأولى من شهر يونيو سنة 1967، ورأيت وسمعت وانبهرت وتوقعت أن النصر لنا لا شك في ذلك، وقد جمعت قصائد الشبان وخطبهم، ووعدت بنشرها، وامتلأت عيني وأذني وعقلي وقلبي، وأصبحت مثل مدفع سريع الطلقات قد أُعِدَّ إعدادًا تامًّا لينطلق في أية لحظة ضد العدو اليهودي.

وكنت آخر الذين عادوا من الجبهة يوم 5 يونيو أو آخر مدني قد عاد، فقد دعاني الفريق صدقي محمود إلى طائرته، لتكون الهزيمة بعد ذلك بساعات، وليكون كل الذي رأيناه ترابًا، والذي سمعناه صدى، والذي توقعناه سرابًا، وليكون يوم النصر هو يوم الهزيمة، وليكون الفراغ السحيق الذي امتلأ بالألم واليأس والشك والذل والهوان...

هذه المعاني وغيرها قد هزته من أعماقه، ودفعته إلى الاعتقاد بعدد من الحقائق في مقدمتها، أننا حاربنا عدوًّا لا نعرفه، وحاربنا عدوًّا يعرفنا تمامًا، فكان لنا ما نستحقه وكان له ما يستحقه، ولذلك لا بد أن نعرف عدونا.»، في ضوء هذا الاعتقاد رفع أنيس منصور شعار «أعرف عدوك».

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام» والطابق السادس في «بيت أنيس منصور»

من هذا المشهد.. إلى المشهد القادم.. إن كان في العمر بقية..!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. مجدي العفيفي يكتب: جلال المشاهدة في المرآة الكونية (2)

تتجلى سورة الفاتحة مرآة كونية تطالع فيها كثيرًا من شواهد الألوهية، ومشاهد العبودية، فقد جعل الله تعالى النصف الأول من الفاتحة في معرفة الربوبية، والنصف

د. مجدي العفيفي يكتب: جلال المشاهدة في المرآة الكونية (1)

صار اقتناص الفرصة للتقابل مع الذات فوزًا عظيمًا.. وصار التحاور مع النفس فوزًا أعظم.. بل أصبح الانفراد بها مغانم كثيرة أيضًا، حدث ذلك في ثنايا الاحتفاء الكوني التي تغشى نفوسنا في أجواء هذه الأيام

د. مجدي العفيفي يكتب: زيارة جديدة إلى مسقط ٢٠٢٢ (٢ - ٢)

الاتحاد الدولي للصحفيين يختار مسقط.. قل هو حدث عالمي عظيم لصاحب الجلالة.. الصحافة.. قل هو نبأ عربي جميل تشهده المنظومة الإعلامية للمرة الأولى.. قل هو ملتقى

د. مجدي العفيفي يكتب: زيارة جديدة إلى مسقط 2022 (1-2)

تؤكد الشواهد الحضارية والمشاهد الحاضرة في المنظومة العمانية، أن الفعل الثقافي يتجلى دائما، أقوى من الفعل السياسي المؤقت، وأقوى من الفعل الاقتصادي الموسمي، وأقوى من الفعل المجتمعي المناسباتي

د. مجدي العـفيـفي يكتب: جدلية المواطن والسلطة بين النار والنور (3 - 3)

نعم.. في البدء كانت الكلمة.. فكان الوجود والكون والحياة والزمان والمكان والإنسان.. ومع الإنسان انساب القلم.. فكانت الكتابة وكانت القراءة وكان الإبداع.. وكان اتصال السماء بالأرض عبر الكلمة

د. مجدي العـفيـفي يكتب: جدلية المواطن والسلطة بين النار والنور (2 - 3)

قراءات سياسية.. الإعلام سلطة عابرة للقارات.. تقاسيم على أوتار المجتمع.. ثقوب في الرداء التعلمي.. نظرات في عالم الاقتصاد.. ومضات ثقافية.. تلك هي عناوين

خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة