راديو الاهرام

لحظة فارقة للتحرير

25-5-2021 | 00:08

بعد 73 عاما تتغير قواعد المسألة الفلسطينية، يشتبك الشعب الفلسطينى منفردا مع الاحتلال الإسرائيلي، فى مسرح عمليات، يشمل كامل الجغرافيا الفلسطينية التاريخية، وهو مسرح محدود الأبعاد بمساحة تصل إلى 27 ألف كيلو متر، ومكشوف أمام الأسلحة الحديثة الأكثر فتكا، ومكشوف أمام تغييرات بنيوية جرت داخل وخارج الإقليم العربي.

فى 14 مايو عام 1948 كانت رقعة الشطرنج تتغير إستراتيجيا فى الشرق العربى، بإقامة إسرائيل بقرار أممي، وبعد 73 عاما تتغير الرقعة واللاعبون مرة أخرى.

فى 6 مايو 2021 أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا قرارا بإخلاء منازل سبع عائلات فلسطينية، وإعطائها للمستوطنين الإسرائيليين فى حى الشيخ جراح بمدينة القدس الفلسطينية، فتندلع شرارة العنف بين الفلسطينيين أصحاب الحق والمستوطنين الطارئين على مدينة القدس.

وتصل الذروة فى 10 مايو 2021، باشتباك الشعب الفلسطينى بأبعاده الثلاثة: غزة، والضفة الغربية، وعرب 48 داخل الخط الأخضر مع الاحتلال الإسرائيلي، ويصل الصدى إلى أماكن اللجوء الفلسطينى فى لبنان وسوريا والأردن.

إن السلاح المكدس فى هذه المساحة الضيقة كفيل بإبادة شعوب، وارتكاب محرقة أفظع من محرقة الهولوكوست، جاءت فكرة تكديس السلاح فى أراضى فلسطين لترويع السكان الأصليين، ونجحت الفكرة، عبر الفيلق الذى كانت قد شكلته بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثاني، فى هذا الهدف، هدف تكديس السلاح، وصولا إلى هزيمة 48 العربية، وإعلان دولة إسرائيل على أنقاض الشام الجنوبية، وطرد السكان إلى بلدان اللجوء.

كان هؤلاء اللاجئون يعتقدون أن الجيوش العربية القادمة إليهم، قادرة على طرد العصابات المهاجرة إلى فلسطين، تحت سمع وبصر ورعاية القوى العالمية المنتصرة فى الحرب العالمية الثانية، واعتقاد السكان هذا كان فلسفة استمرت طويلا، حتى صارت جزءا لا يتجزأ من السياسة الفكرية الفلسطينية على مدى أكثر من 70 عاما.

أما إسرائيل، وقد نشأت بقرار دولي، واعتراف كامل من القوتين العظميين: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتى فى نفس لحظة الإعلان، فقد تبنت فلسفة القوة، والعنف، والحروب الاستباقية، ثم أضافت إليها فلسفة تنوع السلاح الفتاك، وصولا إلى إنشاء قوة نووية رادعة، وأخيرا انتهاج الحرب خارج الأرض لضيق مسرح العمليات، وقد أفلتت طوال سبعين عاما بهذه الفلسفة، حتى إن بنيامين نيتانياهو وصل إلى حد القول: إنه استطاع صياغة دولة إقليمية كبرى، ثم تمادى إلى أن وصل إلى حد القول: إنه استطاع صياغة دولة عالمية عظمى.

الفلسطينى الجديد، أدرك أنه لا يمكن الارتكان إلى فلسفة انتظار إخوته القادمين من خارج الأرض، سواء أكانوا عربا أم مسلمين، حتى يطردوا له الاحتلال، وهى الفلسفة التى دعت كثيرين من مفكرين ومثقفين وسياسيين إلى الارتكان إليها، واعتناقها كحتمية تاريخية، وقد أثبتت فشلها الإنسانى والوطني، وعملت على تكريس الكسل فى تحرير فلسطين كوطن محتل، كأى وطن آخر.

فلسفة أخرى لا تزال خاطئة، وهى اعتناق فكرة أن الصراع فى المسألة الفلسطينية يقوم على الصراع الديني، وهو خطأ جوهرى، مع اعتزازنا وتقديرنا واحترامنا للأديان كافة، فهذا الصراع لا ينتهى إلا من خلال سياق وطنى خالص، دون الاعتماد على قوى إقليمية أو دولية، تجعل من دماء الشعب الفلسطينى رهينة فى معاركها مع الأطراف الأخرى، أو لتأكيد مصالحها القومية.

هذه المرة قواعد اللعبة تغيرت، وعلى الفلسطينى الجديد ألا يفلت هذه الفرصة النادرة، فالحرب الحالية ستتوقف حتما، لكن الأهم هو اليوم الفلسطينى التالى لنهاية لحظة فارقة لم يصادفها الفلسطينى من قبل، ولم تتصور إسرائيل أنها يمكن أن تحدث، فآخر تقرير إستراتيجى من معهد الأمن القومى الإسرائيلى، يؤكد أن قوة إسرائيل العسكرية الفادحة ستنتصر على كل الأعداء كالعادة بضربة واحدة، وتجاهل التقرير أن الدائرة المحكمة يمكن أن تكسر، بسبب عارض، كطرد السكان من حى الشيخ جراح بالقدس الفلسطينية.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة