آراء

رحلة القضاء على إبراهيم الأبيض

24-5-2021 | 13:30
Advertisements

مُدنْ الصفيح، مُدنْ الكرتون، الأحياء الفقيرة، المناطق العشوائية؛ تلك المُصطلحات أُطلقت على مناطق أُقيمت مساكنها بدون ترخيص وفي أراضٍ تملكها الدولة خارج نطاق الخدمات الحكومية مُفتقِرة لكل المرافق؛ لعدم الاعتراف بها ولم تقتصر تلك الظاهرة على الدول التي تُعاني اقتصاديًا فحسب؛ بل طالت الدول العربية ذات الدخول المرتفعة والمتوسطة.


وفي مصر تُعَد تلك العشوائيات مُعضْلة كبرى في تآكل أي خطوات إصلاحية يقوم بها النظام على مر العصور؛ ساهمت في تفشيها مُعدلات الزيادة السكانية المُتسارعة وتدفق الهجرة من الريف للحضر وارتفاع أسعار الأراضي المُعدة للبناء وزيادة القيمة الإيجارية للمعروض من الإسكان، بالإضافة لتقلص ومحدودية المساكن الشعبية التي كانت قائمة في الستينيات من القرن الماضي وانخفاض واضح في نسبة الإسكان الاقتصادي في ظل غياب القوانين الخاصة بالبناء والتي تكفْل حماية أراضي الدولة.

رصدت الدولة منذ عام 1997 خطة للتطوير شملت 1221 منطقة عشوائية منها 20 منطقة تقرر إزالتها ولم تُنجَزْ تلك الخطة بالشكل ذي الأثر حتى عام 2008، وحتى عندما استفاق المجتمع المصري على كارثة الدويقْة لم يُتخَذ التخطيط السليم من أجل تجنْب ازدياد تلك المناطق ودرء شر انفجار تلك القنبلة الموقوتة التي تشمل جميع الأنماط السلبية والمتدنيّة في المجتمع أخلاقيًا واجتماعيًا من بطْالة وانحراف وإدمان وفقر؛ بل أصبح نموذج مواطن تلك المناطق فردًا مُعترفًا به؛ وليس أدْل على ذلك من تجسيد السينما لفيلم (إبراهيم الأبيض) بكل أبطاله كشريحة مُجتمعية خطرة عكست مسلمة تواجدها واستمراريتها بلا حياة آدمية في القادم.

وجاءت الحكومة الحالية وأعلنت عن مشروع طمْوح لنقل المواطنين ساكني 351 منطقة عشوائية في العاصمة المصرية لمساكن مُعترفِ بها بخدمات ومرافق؛ مما يعني نقل 800 ألف من سكان العشوائيات، تم تنفيذ 165 ألف وحدة سكنية وتطوير 298 منطقة خطرة بتكلفة 41 مليار جنيه شملت منطقة تلْ العقارب، ومشروع أهالينا، ومشروع بشاير الخير ومشروع الأسمرات، بل ووصلت المشروعات القومية إلى حلايب وشلاتين والوادي الجديد وجنوب سيناء ومرسي مطروح، ولم تكتف القيادة الحالية بذلك بل كان هناك تطوير آخر بتدشين المدن الجديدة وهي من مدن الجيل الرابع وتم الانتهاء بالفعل من تنفيذ 6068 وحدة سكنية، ولعل المشكلة التي عبْرت عنها القيادة أخيرًا لا تَكمُن في توفير الـ 500 مليار دولار؛ ولكن المشكلة وبعد ثلاث سنوات من بداية المشروع تَكمُن في الإجراء التنظيمْي والهندسْي للمشروع، وضمان توصيل الخدمات والمرافق وتوفير وسائل المواصلات وهو ما تم أخذه في الاعتبار عند تدشين المجتمعات العمرانية الجديدة؛ مما يضمن عدم عُزلتها وضمان استثمار مُربِح للمناطق التي تم إخلاؤها.

ومن خلال مشروع الإسكان الاجتماعي تم تدشْين 315 منطقة بها 195 ألف وحدة سكنية يتم نقل ملكيتها للفرد بعد سبع سنوات من التخصْيص بنظام التمويل العقاري على 20 سنة بفائدة 7%، وعلى الرغم من أريحية التقسيط وإعطاء صفة الضبطية القضائية لبعض موظفي وزارة الإسكان إلا أن الأمر لم يخل من تلاعب البعض في تغيير النشاط السكني إلى إداري أو تجاري من أجل بيعه أو تأجير الشقة أو عدم إشغالها لاستغلالها تُجاريًا أو تنفيذ تعديلات في البناء دون إخطار للجهاز، وذلك على الرغم من تغليظْ القانون بسحب العين من صاحبها وحبسه لمدة لا تقل عن سنة وبغرامة مالية إلا أن التلاعب ما زال مستمرًا.

فرنسا كدولة من العالم المتقدم تفشت فيها ظاهرة العشوائيات في قلب باريس في ستينيات القرن الماضي؛ ومن ثم أصدرت قانون عام 1961 ينص على استبدال المباني العشوائية القديمة والمرافق الأخرى والتي لا تفي بمتطلبات السكان وليس أدل على ذلك من إزالة أشهر أسواقها (Les halles).

والذي كان يعمل به 30 ألف شخص واكتملت عملية الإزالة عام 1974، وحل مكانه أشهر مركز تجاري وثقافي في أوروبا FORUM DES) HALLES).
ولا تقل عنها مصر التي تسير بخطوات تخطيطية ثابتة لأول مرة منذ عهود سابقة لتنفيذ هذا المشروع بشهادة كل خبراء الإسكان والاقتصاد؛ لكن من أجل إكتمال تلك المنظومة المُشرِفة وإعادة ترسيم لشكل مُدننا مع تمتْع المواطن بحقه كاملًا في الخدمات والمرافق.

لابد من تضافر كل الجهود بدءًا من الفكر الشعبي الموروثي بنبذْ الانتقال لمكان خارج حدود المدينة الأم إلى قوانين رادعة يُعاقب بها كل من يستغل عطيّة الحكومة لأغراض تجارية بالتحايل؛ عندئذ نستطيع القول أننا نجحنا في القضْاء على العشوائيات وأربابها من أمثال إبراهيم الأبيض قبل أن تقضي علينا.

اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. شيرين الملواني تكتب: لكم لقاحكم ولنا لقاحنا!

بقوة لسانهِ المعهودة واجه فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر العالم بحقيقتهِ الظالمة فى المؤتمر السنوي لقمة الأديان المُنْعقِد فى روما مؤخرًا ؛ حين قال:(نحن

د. شيرين الملواني تكتب: جَرائم المُجتمع بين (الفودو) و(الشبو)!

المُخدرات ذلك الغول الذى يتلاعب بمُجتمعنا مُنذ سنواتٍ طوال؛تحت مُسمْيات وصور تَعاط مُختلفة باختلاف الزمان وظروفه السياسية والاجتماعية؛فشهدت بدايات الحرب

د. شيرين الملواني تكتب: في (حَانة السِت) .. قَامت "ثومة" من مَرْقدِها!

نعم؛ نفخ الإبداع الروح في جَسَد (الست أم كلثوم) فأحياها عام 2021 ، فالقلم الإبداعى بخيالهِ قادر على إحياء الموتى من رموز عاشت مُقدَّسة ومؤلَّهة ؛فلم يجرؤ

د. شيرين الملواني تكتب: الصيدلي ومِهنة المَتَاعب!

يحتفل العالم في الخامس والعشرين من سبتمبر كل عام بيوم الصيدلي العالمي؛ فالصيدلي هو صاحب تلك المهنة ذات العطاء اللا مُتناهى والداعم الدائم في أي منظومة

د. شيرين الملواني تكتب: المريض في فَخ الكُرْكُم ورِجل الأَسَد!

القضاء على تساقط الشعر من أول دهان من مُنتجنا الذى يحتوى على زيت الشطة والثوم وإليكم الكُركُومين(الكُرْكُم) فى عبوة ثمنها 360 جنيهًا فقط من أجل علاج الروماتيزم

د. شيرين الملواني تكتب: في حُجرات "شيرين سامي"..

تراءت لي العديد من التساؤلات عند قراءتي لذلك العمل الأدبى رواية (الحُجرات) للكاتبة شيرين سامي، هل المرأة بقلمها هي الأجدر بالتعبير عن أحاسيس مثيلاتها والأولى

د. شيرين الملواني تكتب: جسد المرأَة

بادئ ذي بدء لست من المُدافعين عن الدكتورة نوال السعداوى على طول الخطْ رغم احترامى لكفاحها بشأن قضايا حاربت لأجلها فى محياها علنًا كقضية الختْان وبالتأكيد

د. شيرين الملواني تكتب: على عَتَبة نجع بريطانيا العُظمى!

كثيرًا ما تساءلت كَونى أستاذة للأدب ومُترجِمة عن جدوى غزارة الإنتاج الأدبي، وخاصة الروائي في مصر وما هي معايير بقاء ذلك الإنتاج لسنوات قادمة؟ وتوصلت لكون

د. شيرين الملواني تكتب: ابني دكتور!

فاجأتنا نتائج الثانوية العامة هذا العام؛ حيث انخفضت مجاميع الطلاب ولأول مرة منذ سنوات لم نر نسبة المئة بالمئة ولم يتجاوزها الطلاب كما اعتدنا سماعها من

د. شيرين الملواني تكتب: من أشعل حرائق الجزائر؟

الغالبية العظمى من المصريين لا يعلم شيئًا عن الجزائر وشعبها وعن طبيعته الأمازيغية وعن مامر به عبر التاريخ، ولا تجد لدينا سوى معطيات ضئيلة تنصْب أغلبها

د. شيرين الملواني تكتب: ثاني أُكسيد الكربون وحقوق الإنسان

من فيضانات وأعاصير اجتاحت أوروبا وخاصة ألمانيا في هذا التوقيت من العام، إلى انهيارات جليدية عارمة، صرح العلماء بكونها كفيلة بإغراق ولاية فلوريدا إذا ما

جوائز أم جنائز للأدب؟

فى كل مرة يُعلَن فيها عن اسم كاتب أو روائي أو شاعر لفوزه بجائزة داخل مصر أو الوطن العربي يمشي بخجل نحو المنصة وبتواضع جم وتأثر ملحوظ يشكر لجنة التحكيم

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة