راديو الاهرام

أمل دنقل .. رحم الله الأمل

23-5-2021 | 15:46

تعرفت على شعر أمل دنقل من المقاطع المدونة فى مجلات الحائط بالكلية.. لم يكن الفضاء الإلكترونى قد ولد بعد، والكمبيوتر الشخصى يحبو بطيئاً خَجِلاً.

اجتذبت القصائد ذات الجَرْسِ النُحاسى أطياف شباب ينقبون عن غدٍ واعد فى حاضر قَلِقْ وغامض، ليقترب استشراف المستقبل من قفزة فى ظلام لا يدرك أحد تبعاتها. امتلك أمل ناصية اللغة فتأبط مقاليد الشِعرَ الحر، الذى صنفه أستاذنا العقاد تحت بند النثر، وقت ترؤسه لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للفنون والآداب منتصف الخمسينيات.

بعد أيام من نكبة 1967 نشر أمل قصيدته (البكاء بين يدى زرقاء اليمامة)، متخذاً من ذخائر التراث زاداً للحاضر. يُروى أن امرأة زرقاء العينين رأت جيش الأعداء يتقدم نحو مضارب قبيلتها، اليمامة، متخفين خلف فروع الأشجار، فحذرت قومها فَسَخِروا منها وشككوا فى نظرها، وما هى إلا أيام حتى فاجأهم العدو، فقتل وأسر، فندموا وقتَ لا ينفع الندم. يُسقط أمل القصة على الحاضر، وكيف أهمل متخذو القرار، حينها، صيحات التحذير، حتى وقعت الكارثة؛ (أيتها العرافةُ المقدسة/ ماذا تفيد الكلمات البائسة؟/ قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبار/ فاتهموا عينيك، يا زرقاء، بالبوار/ قلت لهم عن مسيرة الأشجار/ فاستضحكوا من وهمك الثرثار/ وحين فوجئوا بحد السيف: قايضوا بنا/ والتمسوا النجاة والفِرار).

ولد أمل فى 23 يونيو 1940 بإحدى قرى محافظة قنا بصعيد مصر، ونزل القاهرة بعد حصوله على الثانوية، وكانت حياته مزيجًا بين التمرد على العمل وكتابة الشعر. برع فى ربط التراث العربى بالواقع، حتى تظن أننا نعيش دورة تاريخ لا تنفك تتكرر أحداثها وتختلف شخوصها.

فى أوائل السبعينيات كانت مصر تمور وتئن تحت وطأة ضبابية الموقف من الحرب ضد إسرائيل، وسياسات اللا سلم واللا حرب، اندلعت المظاهرات واعتصم الطلاب بأحد الميادين حتى حاصرتهم الشرطة وانتهى الأمر كالمعتاد فأصدر ديوانه (العهد الآتي)، كتب تحت عنوان سفر الخروج، الإصحاح الأول؛ (أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحةْ/ أَشهِروا الأسلحة!/ سَقطَ الموتُ؛ وانفرطَ القلبُ كالمسبحة/ والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!/ المنَازلُ أضرحَةٌ/ والزنازن أضرحَةٌ/ والمدَي.. أضرِحهْ/ فارفَعوا الأسلحة واتبَعُوني!/ أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحة/ رايتي: عظمتان.. وجمجمة، وشِعاري: الصَّباحْ!)

نُصِبَ أميراَ لشعراء الرفض، وكناهُ آخرون (شاعر لا تصالح) نسبة إلى مدخل ديوانه الأشهر (أقوال جديدة عن حرب البسوس)، استلهم رسالة كُليب لأخيه الزير سالم قُبيل مقتله على يد أعدائه مُعبرًا عن رفضه الصلح مع إسرائيل: (لا تصالحْ!/ ولو منحوك الذهب/ أتُرى حين أفقأ عينيك/ ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل تري..؟/ هى أشياءٌ لا تشتري..).

دامت حرب البسوس نحو أربعين عامًا بين قبيلتى تغلب وبنى شيبان، وهما أبناء عم، أربعون عامًا والعرب يقتل بعضها بعضًا ثأراً لناقة قتلها كُليب. أربعون عامًا والعرب تتفاخر بانتصاراتها العربية ــ العربية، وتذلها هزائمها العربية ــ العربية أيضًا. ببراعة أسقط أمل الأحداث على الصراع العربى الإسرائيلى، فعندما جاءت الوفود تناشد اليمامة، ابنة كُليب، الصلح، قالت لهم: (أبي.. لا مزيد !!/ أريدُ أبي.. عند بوابة القصر/ فوق حصان الحقيقة منتصبا من جديد)، ولكن هيهات أن يعود الأب الفقيد أو يحلَ الصُلح.

مضى على رحيل أمل قرابة الأربعين عامًا؛21مايو 1983، وما زال أيقونة تتلألأ فى سماء الشعر، ونختم بمقطع من قصيدته الموت فى الفراش: (بيان../ أيها السادةُ، لم يبقَ اختيار/ سقط المُهرُ من الإعياء/ وانحلَت سيورُ العَرَبة/ ضاقت الدائرةُ السوداءُ حول الرقبة/ صدرنا يلمسهُ السيفُ/ وفى الظَّهرِ: الجدار!). يا إلهى أى حصار هذا. رحم الله الأمل!

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة