راديو الاهرام

راوية عبدالعظيم .. وفاة ناشرة شجاعة

19-5-2021 | 14:04

«دار العودة» تستدعي راوية عبدالعظيم، المقاتلة السياسية، والناشرة الجسور، صاحبة القلب الحديدي، ومؤسسة دار سينا للنشر، ودار العصور الجديدة، بمجلتها الفكرية الأهم في تاريخ العرب.

فى صمت إعلامي لا يليق بمن ملأت الدنيا وشغلت الناس، بحركة نشر نادرة، لا تضاهيها عالميًا إلا دار بنجوين البريطانية الشهيرة، فكما أثرت الأخيرة في المناخ السياسي العام ببريطانيا منذ نشأتها عام 1935، أثرت دار سينا منذ وجودها عام 1985، ثم العصور الجديدة في المناخ السياسي العربي بلا منازع.

آخر أحلام راوية عبدالعظيم كان كتابة مذكراتها، لكنها قررت فجأة السفر دون موعد يوم السادس من مايو 2021، قبل عشرة أيام فقط من احتفالها بعيد ميلادها فى 16 مايو 2021.

هاتفني الصديق إلهامي المليجي ظهيرة السادس من مايو: البقاء لله، راوية أوصت أهلها بأن يعرفوك ويعرفوني بأنها ستذهب، وإلى اللقاء.

شعرت بشريط الذكريات يمر أمامي، التقينا في بداية عام 1993 في 18 شارع ضريح سعد، حيث دار سينا للنشر، سريعًا حدثت الكيمياء، اتفقنا، وجدت سيدة مناضلة شجاعة، تمسك صناعة الأفكار بيديها، لا تمت بصلة إلى الناشرين التجار، وضعنا خطة نشر لا تخشى رقابة أو رأيًا عامًا، أو تيارات سياسية، وأشهد أنها تتقن صناعة الكتاب في جميع مراحله، شكلًا ومضمونًا.

صرنا فريقًا واحدًا خلال خمس سنوات، أصدرنا فيها عشرات المؤلفات الخطيرة، واجهنا معارك ضارية، لكنها وللحق كانت تقف صلبة في الميدان، لا تتراجع مهما يكن المنافسون أو الأعداء.

وقفت بشجاعة ضد ظاهرة التمويل التي اجتاحت الرفاق السابقين، وكان يمكن أن تقع في فخ هذا الإغراء المميت، لكنها كانت عن يقين وثبات ترفض بقوة ومصداقية أن تلوث التاريخ الناصع بالتمويل، بل خاضت معركة ضخمة عندما نشرت كتاب «تمويل وتطبيع» للكاتبة الحرة سناء المصري، وفقدت بسببه كثيرًا من الرفاق السابقين، وفيما بعد صار الكتاب وثيقة دامغة على إدانة التمويل.

أما تجربة «العصور الجديدة» وملابساتها، فقصة كبرى، سوف أرويها في يوم معلوم، وقد تناولها الصديق عزمي عبدالوهاب، شريك تجربة العصور الجديدة، بمقاله في هذا العدد بالأهرام العربي.

تنتمي راوية إلى سلالة نادرة من الناس الشجعان، ورثت عن جدها الشيخ أحمد الجوهري المثال في الصنعة والإتقان وشجاعة الموقف، ولا يزال بيت الجوهري بمسجده وسبيله قائمًا في حي الموسكي، ومتصلا بحي الأزهر.

كثيرًا ما كانت راوية عبدالعظيم تشعر بالامتنان أنها وريثة الشيخ الجوهري.

فى سبعينيات القرن الماضي انخرطت في عالم السياسة بتشابكاتها الصعبة، اعتادت السجن والاعتقال وغدر الرفاق، لكنها لم تنكسر أو تلن، انشقت عن رفاق الأمس، سافرت إلى بيروت، عاشت في قلب توهج الثقافة العربية، وحركة النشر والمواجهة.

في بيروت كانت أولى خطوات تعلم صنعة النشر، أصدرت مجلة للمقاومة، اقتربت من صلب صناعة النشر والثقافة العربية، حلمت بأن يكون لها منبر خاص بها، رأت أن الحكاية لا تحدث إلا فى القاهرة، فكان القرار بالعودة.

في القاهرة خاضت تجربة النشر من خلال العمل المباشر في دار الثقافة الجديدة، ثم الالتحاق بمعلم النشر العظيم الحاج محمد مدبولي، وكان لطفي الخولي يقول عن مدبولي إنه وزير الثقافة العربى الحقيقي، وإذا كان لطفي الخولي محقًا في هذا اللقب عن الحاج مدبولي، فإن راوية عبدالعظيم، جديرة بأن تكون وزيرة الفكر العربي الحر بلا منازع.

وإذا كانت مصر معتادة على الثنائيات، أم كلثوم ورياض السنباطي، شوقي وحافظ، عبدالحليم والموجي، الخطيب وحسن شحاتة، فإننى بلا تردد أو مبالغة أقول إن مصر خلقت ثنائية كبيرة: الحاج مدبولي وراوية عبدالعظيم.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة