رياضة

ثورة المدربين الشباب.. ليس الجميع «زيدان»

17-5-2021 | 18:31

زين الدين زيدان

عبدالله البرى

في الثاني من مايو 2021، بمدينة ريجيو الإيطالية، سجل دومينكو بيراردي هدف التعادل لساسولو في شباك أتالانتا، معلنا تتويج إنتر ميلان بالـ"الكالتشيو" بعد تسع سنوات سيطرة من يوفنتوس على اللقب، سيطرة انتهت لعدة أسباب على رأسها، وجود الأسطورة أندريا بيرلو مديرا فنيا للفريق.


أصبح تفكير معظم إدارات الأندية هذه الأيام، بعد تردي الأوضاع وسوء النتائج، هو التعاقد مع أحد أساطير النادي، أو أساطير الكرة بشكل عام، ويبدو أنه قرار غير مدروس، لكنه يعطي الإدارة هدنة للتفكير في الخطوة التالية، وإن نجحت الخطة الأولى كان بها، لم تنجح فإنهم قد كسبوا بعض الوقت.

وتستفيد الإدارة ماديًا من تعيين المدربين الشباب، لأنهم لن يتقاضوا رواتب كبيرة مثل باقى المدربين فمثلا أرتيتا ولامبارد يتقاضون 5 ملايين ، أقل من نصف ما يتقاضاه أنشيلوتي 11.5، ومن ناحية أخرى، يظنون أن وجود أسطورة النادي أو أحد اللاعبين الكبار، يجعل الأمور أفضل من ناحية الأجواء، فتقل الخلافات خارج المستطيل الأخضر، وداخله سيجعل اللاعبون يتحولون إلى وحوش كاسرة تلتهم الخصوم.

البداية كانت في كتالونيا

في صيف 2008، أعلن نادي برشلونة تعيين بيب جوارديولا، المدير الفني للشباب حينها، مدربا للفريق الأول، وسط تعجب كبير من المشجعين والصحافة، لأن النادي قد رفض مورينيو، الذي كان نجمه ساطعا وقتها، وفاز بدوري الأبطال مع بورتو وتألق مع تشيلسي، تم التخلي عنه، لأجل صاحب الـ 37 عاما، الذي لم يخض أي تجارب كبيرة أو لديه إنجازات.

قاد تلك المخاطرة، الراحل الهولندي، يوهان كرويف، بمصاحبة السكرتير التقني، تيكسيكي بيجرستين، كان كرويف مؤمنا بقدرات بيب، لأنه أحببه وهو لاعبا، رغم أنه لم يكن لاعبا عظيما أو أسطوريا.

مرت الأيام، ونجح بيب في إثبات جدارته، وقدم كرة عظيمة، اكتسح بها العالم، وشهد لها الجميع بالكمال الكروي.

زيدان.. مُفجر الثورة

«جاء في حالة طوارئ، وجعل أوروبا في طوارئ»، جملة رددتها جماهير ريال مدريد، بسبب ما فعله زيدان مع النادي.

في الرابع من يناير 2016، أقال فلورينتينو بيريز، رافا بينتيز، المدير الفني للفريق، وأعلن تعيين زين الدين زيدان، مدرب الفريق الثاني، وقاد الفريق لتحقيق دوري أبطال أوروبا 3 مرات متتالية، فى سابقة تاريخية للبطولة فى مُسماها الجديد.

ما فعله زيدان، فتح الباب للكثير من أبناء جيله، للدخول في عالم التدريب، كما شجّع بعض الإدارات، لاتخاذ المخاطرة، لكنهم تناسوا شيئا مهما، ليس شرطا أن تكون مدربا كبيرا لأنك كنت لاعبا كبيرا.

ويعتبر زيدان هو المشجع وليس بيب، لأن جوارديولا كان لاعبا عاديا، بينما زيدان يُصنف كواحد من الأفضل في تاريخ اللعبة، رغم أفضلية الإسباني الواضحة من ناحية الأسلوب وما قدمه لكرة القدم.

التدرج.. الخطوة الأهم

لا يكفي اللاعب، خبرته وتدربه تحت أسماء كبيرة فى عالم التدريب، لأن ينطلق من تلك النقطة فقط، لكن عليه أن يعمل ويدرس حتى يحصل على الرخص التدريبية اللازمة، ومعايشة بعض المدربين ليرى كيفية تطبيق تلك الأفكار، وطريقة السيطرة على اللاعبين.

الشيء الثاني، هو التدرج في مستوى الفرق، فليس طبيعيا أن تكون أولى التجارب مع فريق هدفه التتويج بلقب الدوري، أو ما فعله «بيرلو»، لأن تدريب فرق مثل يوفنتوس وبايرن ميونخ وباريس سان جيرمان، من أصعب القرارات التي يمكن اتخاذها، لأن التتويج بالدوري أو الكأس ليس نجاحا، ويكون المقياس فقط دوري الأبطال، إذا لم تحصل عليه، فإن موسمك غير ناجح، وفشل بيرلو في الفوز بلقب الدوري هذا الموسم، لتنتهي هيمنة اليوفي، التي دامت 9 مواسم متتالية.

لأن الجميع ليس «زيدان»

جمع الأسطورة الفرنسي، بين كل مقومات النجاح، ذهب لأكثر من مدرب ليتعلم منه، أبرزهم بيب جوارديولا ومارسيلو بيلسا، وعمل كمدير رياضي فى 2011 بريال مدريد، قبل أن يكون مساعدا لكارلو أنشيلوتي فى 2013، وحصل على العاشرة، وفي يونيو 2014، تولى تدريب الفريق الثاني للنادي الملكي، قادهم في أحد المواسم خلال 19 مباراة حقق الفوز فى 10 وخسر مرتين فقط.

ما قدمه زيزو، شجّع بيريز لإقالة بينتيز وتعيينه، اختلفت الأجواء تماما، وكان الفرنسي قادرا على رفع الروح المعنوية للاعبين وتحفيزهم، كان أغلبهم يملك التقدير لزيدان كأحد أساطير النادي وأساطير الكرة بشكل عام، لكن ما فعله زيزو في غرفة الملابس، كان بمثابة السحر.

كان للحظ دورا بالتأكيد في فوز زيدان بالألقاب، لكن لا يمكن ترديد نغمة فوز زيدان بالبطولات، لأنه محظوظ فقط، وإنكار قدراته التدريبية، فأي حظ الذي سيجعله يتوج بثلاثة أبطال أوروبا، ودوريين وغيرها، ويتأهل إلى نصف نهائي الأبطال هذا الموسم وينافس على «الليجا» مع كل الإصابات التي لحقت بالفريق ؟

نيفيل وهنري.. جيرارد ولامبارد

جاري نيفيل، أحد أساطير مانشستر يونايتد، وواحد من أفضل الأظهرة في تاريخ "البريميرليج"، كان مساعدا لمدرب منتخب إنجلترا، روي هودسون، حوالي 3 سنوات، وفشلا معا فشلًا ذريعا، خروج من ربع نهائي يورو 2012، وتذيل المجموعة الرابعة في كأس العالم 2014.

ثم تولى نيفيل، تدريب فالنسيا في مهمة دامت لحوالي 119 يوم فقط، وقاد الفريق في 28 مباراة فاز بعشرة وخسر 11، حقق 37 نقطة فقط، وسجل فريقه 39 هدفا واستقبل 38، وقدم أداء هزيلا، جعل الفريق فى المركز 14 بالدوري، وخسر 0/7 أمام برشلونة في الكأس.

تيري هنري، واحد من أساطير الكرة الفرنسية والدوري الإنجليزي، ويعتبره البعض أفضل مهاجم في التاريخ بعد الظاهرة رونالدو، بدأ كمدرب للشباب في أرسنال، وبعدها بعشر أشهر، أصبح المساعد الثاني للمدير الفني لبلجيكا، روبرتو مارتينيز، وحصل على برونزية كأس العالم 2018، وبعدها رفض تدريب بوردو، قبل أن يقبل عرض تدريب موناكو.

الفريق الفرنسي كان وصيف النسخة السابقة، وحاصل على نسخة 2017، لكنه عانى من مشاكل تحت قيادة ليوناردو جارديم في 2018/2019، لتتم إقالته، ويتعاقدوا مع هنري، لكن قبول الفرنسي لتلك المهمة، كان أشبه بالمهمة الانتحارية، لأن موناكو كان يحتل المركز 18، فبأي منطق أن تكون بداية مسيرة تدريبية مع فريق كبير ولديه مشاكل، ويصارع للابتعاد عن مناطق الهبوط ؟

قاد الغزال، فريق الإمارة، في 20 مباراة، فاز بخمس فقط، وخسر 11، سجل 23 واستقبل 43، وفشل في لم شمل اللاعبين وإدراتهم فنيا دخل وخارج المستطيل الأخضر، ثم خاض تجربة أخرى، بعدها بعشر أشهر تقريبا، مع مونتريال إمباكت، بطل كندا، وقاد الفريق فى 29 مباراة فاز بتسع وخسر 16.

لا يُخفى على أحد، تيري هنري، وما قدمه لكرة القدم وعبقريته، بالإضافة إلى تدربه تحت أساتذة في التدريب، مثل أرسين فينجر وبيب جوارديولا، ويجهل الكثير عبقرية جاري نيفيل في التحليل، وظل سنوات يُحلل ويشرح ما يفعله المدربون واللاعبون داخل الملعب، لكن كل هذا شيء، والتدريب وقيادة فريق شيء آخر، لا يكفي معرفة الخطط والتكتيكات، بل بكيفية تنفيذها واختيار اللاعبين القادرين على تطبيق أسلوب المدرب، ووجود خطط بديلة، إذا فشلت الرئيسية بسبب عدم توافر نوعية لاعبين مثلا.

حارس فالنسيا ماثيو ريان«وقت تدريب جاري نيفيل»، قال إن الإنجليزى أخطأ بتدريبه للفريق، مازال أمامه خطوات ليتخذها قبل تدريب فريق كبير مثل فالنسيا، وتشابه القول مع تصريحات فينجر عن المدرب ذاته، كما قال جورجينيو، لاعب تشيلسي، عن مدربه السابق فرانك لامبارد، إنه تعجل في مسيرته ولم يكن مستعدا لتدريب البلوز.

فرانك كان متعجلا فعلا، لكنه قدم موسما عظيما مع ديربي كاونتي، ووصل بالفريق إلى الملحق النهائي للصعود للبريميرليج، وفاز على ليدز يونايتد، لكنه خسر المباراة النهائية أمام أستون فيلا، كما أطاح بمانشستر يونايتد «مورينيو» من كأس الرابطة.

لامبارد كان يجب أن يأخذ خطوة أخرى قبل تشيلسي، فريق منتصف الجدول مثلا في البريميرليج، أو تجربة خارج إنجلترا، مازالت بعيدة عن ضغوطات الإعلام، لكن رغم قبوله تحدي تشيلسي، فهو نجح في الوصول إلى دوري أبطال أوروبا والفريق مُوقع عليه عقوبات وممنوع من التعاقدات، وقدم أداء جيدا، وفي الموسم الثاني له – الحالى – تعاقد الفريق مع عدة لاعبين، لكنه لم يكن له رأي فيهم، ولأنها صفقات بمبالغ كبيرة، فيجب أن تلعب، حتى وإن لم تؤدي جيدا.

تدريب تشيلسي ليس سهلا، ضغوطات مستمرة من الإعلام، لكنها كانت أقل حدة لأن فرانك إنجليزي، على الجانب الآخر، وجود المالك الروسي، أبراموفيتش، الذي لا يعرف ولا يريد سوى التتويج بالبطولات، لا يهتم بما يقدمه الفريق سواء كانت دفاعية أو هجومية، الفريق له شكل أم لا، المهم هو تحقيق الفوز في النهاية، واستغل إقالة توخيل، وأقال لامبارد.

بينما اختار الإنجليزي الآخر، ستيفن جيرارد، طريقا مختلفا، بدأ بتدريبه لفريق ليفربول تحت 18 سنة ثم فريق الشباب، قبل أن يبدأ مسيرته الفعلية كقائد لأحد الفرق الأولى، مع رينجرز الإسكتلندي، في موسم الأول، أنهى الموسم وصيفا بفارق 9 نقاط عن سيلتك المتصدر، وفي الموسم الثاني أنهى وصيفا أيضا بفارق 13 نقطة مع مباراة أقل، لكن في الموسم الثالث 2020/2021، فعل جيرارد المعجزة وقاد الفريق لتحقيق البطولة لأول مرة منذ 10 سنوات، وبفارق 23 نقطة عن الوصيف سيلتك.

مقاييس النجاح
المسألة في النهاية، ليست متعلقة بالسن أو الخبرة كلاعب، هناك أساطير نجحوا وآخرين فشلوا، ولاعبين عاديين نجحوا وآخرين فشلوا، وشخص لم يلعب كرة القدم مثل مورينيو ونجح، وآخر مثل يوليان ناجلسمان اعتزل في العشرين من عمره، وبدأ تدريب في 28 ونجح.

الفكرة في الدراسة والتطور والقدرة على المرونة ومواكبة التغييرات، إن منظور النجاح يختلف من كل شخص لآخر، هذا يرى بأن النجاح هو التتويج بالبطولات فقط، وأنا أرى أن النجاح في قدرة المدرب على تطبيق أسلوبه – خاصة لو كان هجوميا – وفرض سيطرته على الخصم، واستغلال نقاط ضعف المنافس، حتى لو فشل مرة أو اثنين بسبب اللاعبين، سينجح لا محالة.

لم يُتوج يوليان ناجلسمان، بأي بطولة حتى الآن، لكنه تولى تدريب هوفنهايم في فبراير 2016 وأنقذهم من الهبوط، وقادهم الموسم التالي إلى دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخ النادي، وانتقل إلى لايبزيج وأطاح بتوتنهام وأتليتكو مدريد خارج دوري الأبطال وصنع تاريخا بالتأهل إلى نصف النهائي، وخطف أنظار أوروبا بأكملها حتى أعلن بايرن ميونخ تعاقده معه، صاحب الـ 33 عاما مدربا لبايرن ميونخ، ألن يُحسب هذا نجاح، لأنه لم يتوج، وسيُحسب لدي ماتيو، مدرب تشيلسي الأسبق، لأنه فاز بدوري الأبطال، هو نفسه لا يعلم كيف فاز به ؟

التحدي الأكبر لجميع المدربين هذه الأيام، هو السيطرة على غرفة الملابس، والتعامل مع النجوم الكبار، وهو التحدي بالنسبة لناجلسمان أيضا، والموضوع يختلف بين المدربين، لأن أنشيلوتي فشل في تلك النقطة مع بايرن، كما فشل كوفاتش، وأيضا بينتيز مع ريال مدريد، ومورينيو مع تشيلسي ومانشستر يونايتد وأخيرا توتنهام، والأمثلة كثيرة.

في النهاية، على المشجعين والمدربين والإداريين، إدراك أن الجميع ليس زيدان، ليس كل لاعب أسطوري، سيقود فريق، يمتلك العصا السحرية، التي ستُغير حال النادي 180 درجة ويفوز بثلاثة بطولات أبطال أوروبا، المعجزة حدثت مرة واحدة وكانت من نصيب زيزو.


مورينيو وبيب جوارديولا معا فى برشلونة


ستيفن جيرارد وجارى نيفيل

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة