ذاكرة التاريخ

من "أرشيف الأهرام".. السادات يُعلن "ثورة التصحيح" فى خطاب ارتجالى والشعب يقول كلمته

14-5-2021 | 13:29

السادات يحرق تسجيلات مراكز القوى

هبة سعيد سليمان

"هذه هي الحقائق واترك الحكم عليها للشعب".. بهذه الكلمات بدأ الرئيس الراحل محمد أنور السادات حديثه، ففتح قلبه للشعب وأطلعه  بأمانة على كل شيء وأظهر التفاصيل الخطيرة للمؤامرة التي دُبرت ضد وحدة جبهته الداخلية.


ففي الساعة السابعة مساء يوم الجمعة 14 مايو 1971 وجه الرئيس السادات بيانًا مهما للشعب مدته 90 دقيقة، كشف فيه تطور الصراعات على السلطة وتشكيل مراكز قوى للإرهاب والتخويف ومحاولات التآمر ضد الجبهة الداخلية، وبدون أن يقرأ من ورق مكتوب توجه بالحديث إلى الشعب، وأفردت جريدة "الأهرام" خمس صفحات لخطاب الرئيس فى عددها الصادر صباح اليوم التالي وجاء فيه:

"بسم الله- الحقيقة في المرة دى وأنا أتحدث إليكم ما اعددتش خطابا مكتوبا ولا جهزت ورقا وإنما في إيدى فقط النوتة اللي بسجل فيها جميع الاجتماعات اللي بتحصل سواء كانت على مستوى سياسي أو على مستوى السلطة التنفيذية يعنى مجلس الوزراء، أو حتى جلسات المباحثات إذ كانت هناك وفود عندنا..أنا بفضل في هذه المرة أنى أتحدث إليكم حديث من القلب المفتوح؛ لأنه لابد أن يعلم الشعب كل شىء وكل حقيقة بشكل مفتوح وبشكل عادى وبشكل طبيعي ومن غير أى إعداد".

واستطرد السادات فى سرد التفاصيل الكاملة قائلا:"في الـ24 ساعة الأخيرة كلكم بالتأكيد حسيتم إن في حاجة، ولكن أنا عايز ابدأ القصة من أولها علشان أوصل لـ 24 ساعة الأخيرة، المسألة بدأت عندما عُدت من بنى غازي".

وشرح السادات قصة اجتماعه مع معمر القذافى وحافظ الأسد وحسين الشافعي وعلى صبري (نائبا رئيس الجمهورية آنذاك) وثلاثة من القيادات القطرية، والاتفاق على قيام دولة اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، ولكن على صبري اعترض على الاتفاق وعندما عادوا للقاهرة طلب الرئيس عقد اللجنة التنفيذية العليا لبدء التصويت على ميثاق قيام دولة الاتحاد الثلاثي، ولكنه وجد صراعا غريبا وبكل الطرق والأساليب، وعند التصويت فوجئ باعتراض كل من على صبرى،وعبد المحسن أبوالنور، وضياء الدين داوود، وشعراوي جمعة، ولبيب شقير ولم يوافق غير الرئيس السادات والدكتور محمود فوزي وحسين الشافعى، فقرر الرئيس عرض الاتفاق على اللجنة المركزية، وتم عرضها بالفعل ولكن حدثت خلافات ورفعت الجلسة وطلب السادات استكمال المناقشة في مكتب عبد المحسن أبو النور؛ لعرضها على الشعب ليكون هو الحكم الأول والأخير، وتمت الموافقة على الاتفاق فى الاجتماع، ولكن السادات شعر بأن هذا الأسلوب لا يُمكن أن يستمر، وهو في معركة بناء الدولة فقرر تجديد انتخاب الاتحاد الاشتراكي لتحالف قوى الشعب، الذي يعتبر أحسن إطار سياسي يعمل من داخله ويمارس الديمقراطية في البلد حتى يكون الخلاف قائم على أساس المصلحة ونصل في النهاية لأحسن الحلول وبذلك أمر بإعادة انتخاب الاتحاد الاشتراكي من الوحدات الأساسية.

وفى مساء يوم الأربعاء 12 مايو، وفى تمام الساعة الواحدة ليلا فوجئ السادات بشخص يعمل في أحد أجهزة الأمن يطلب مقابلته وألح على المقابلة قائلاً إن الأمر في منتهى الخطورة فبلغوا الرئيس الذي استغرب،  وعندما قابله قدم له الرجل أشرطة التسجيل التي كشفت الكثير من الحقائق المحزنة عن صراعات ومراكز القوى، وقرر السادات القضاء على مراكز القوى.

أما أبرز النقاط التي شملها حديث السادات فجاءت كالآتى كما وردت على صفحات "الأهرام":

"الرئيس يضع الشعب أمام تفاصيل أخر مؤامرة دبرت ضد وحدة جبهته الداخلية".
"أسرار اللجنة التنفيذية العليا التي في يدها مستقبل الوطن كانت تذاع وتستغل لصالح صراع السلطة".
"جهاز الأمن الذي يتبع الدولة يتلقى أوامر لحصار الإذاعة لمنع رئيس الدولة من التوجه للشعب إذا أراد".
"أجهزة للرقابة على التليفونات عند شعراوي جمعة وعند سامي شرف وفى المخابرات العامة وآلاف الأشرطة المسجلة""حتى في غرفة مكتبي وبيتي .. كان فيها جهاز تسجيل للتجسس على كل اجتماعاتي ومقابلاتي".
"استقالات الوزراء الخمسة وصلت إلى رئيس الجمهورية لحظة إذاعتها""أرادوا باستقالاتهم المفاجئة إحداث انهيار دستوري في البلاد فلم يصنعوا إلا زوبعة في فنجان".
"مصر لن تنهار أبدا، وكفاياتها ورجالها لن ينتهوا، وقد أتممنا تشكيل وزارة جديدة من خيرة الأكفاء".
"لن أفرط في مسئوليتي أمام الشعب ولن أسمح بقيام مراكز للقوى تستبد به وتمارس إرهابه".
"واثق بالله ملئ بالأمل موقن بالنصر مهما كانت الصعاب التي تواجهناعلى طريق المعركة".


واختتم الرئيس كلمته"متوجها بالتقدير والعرفان إلى الرؤساء الثلاثة معمر القذافى والشعب الليبي .. وحافظ الأسد والشعب السوري ..وجعفر النميري والشعب السوداني: اطمئنوا ..زوبعة في فنجان وانتهت ولن تكون هناك زوابع أخرى في طريق المسيرة وستبقى مصر القلعة التي لن ينال منها أحد"

وفى النهاية قال السادات "إنه سيترك كل ما حدث للشعب: يقول فيه كلمته".

وأعلن السادات أنه سيتولى بنفسه الإشراف على حرق أشرطة التسجيل في فناء وزارة الداخلية التي تحمل مكالمات آلاف المواطنين، وقبل استقالة كل من على صبرى نائب رئيس الجمهورية، وشعراوي جمعة وزير الداخلية، ومحمد فوزي وزير الحربية، وسامي شرف وزير شئون الرئاسة، وحلمي السعيد وزير الكهرباء، وسعد زايد وزير الإسكان، ومحمد فائق وزير الإعلام، وأصدر قرارا بتعيين حسين الشافعي نائبا لرئيس الجمهورية،  وأحمد إسماعيل مديرا للمخابرات العامة، وكلف الدكتور فوزي بتشكيل الوزارة الجديدة، وضمت الوزارة 4 نواب لرئيس الوزراء و28 وزيرا، ونائبا لوزير التخطيط.

وفي نفس التوقيت أعلن مجلس الشعب إسقاط عضوية رئيسه لبيب شقير ووكيله كمال الحناوي وعلى السيد و15 عضواً "انزلقوا في عملية خسيسة هدفها طعن الوحدة الوطنية"، وذلك بحسب الجلسة الطارئة التي تقدم بطلبها أكثر من ثُلثي المجلس، والتي بدأت في تمام الساعة التاسعة مساء يوم الجمعة عقب خطاب الرئيس، وترأس الجلسة إسماعيل معتوق أكبر الأعضاء سناً، وانتخب حافظ بدوي وزير الشئون الاجتماعية رئيساً للمجلس، كما أعلن المجلس تأيده المطلق للرئيس السادات في كل القرارات وما أعلنه من خطوات.

ومنذ أن أُذيعت هذه القرارات الثورية التي أصدرها الرئيس انهالت على رئاسة الجمهورية مئات الآلاف من البرقيات من المواطنين والمؤسسات والهيئات تعلن تأييدها المطلق للرئيس، وخرجت مظاهرة تأييد بالإجماع للسادات فى يوم 15 مايو 1971 بدأت مسيرتها بزيارة ضريح جمال عبد الناصر، ثم اتجهت إلى القصر الجمهورى، وخرجت جريدة "الأهرام" في اليوم التالي:"الشعب يقول كلمته"، و جاء فى التفاصيل:"تأييد بالإجماع للسادات تؤكده جماهير الشعب في مظاهرات استمرت طوال أمس، بدأت مسيرتها بزيارة ضريح القائد الخالد، ثم اتجهت إلى القصر الجمهوري تعلن وقفتها مع السادات"، "هتافات الشعب تؤيد تصفية مراكز القوى وإجراءات سيادة القانون التي أعلنها السادات"وأعلنت كل من طرابلس ودمشق والخرطوم بتأيدها للرئيس محمد أنور السادات.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة