ذاكرة التاريخ

صفحات «الأهرام» تدافع عن النهر الخالد.. كيف اعترفت بريطانيا بالحقوق التاريخية والطبيعية لمصر فى مياه النيل؟

10-5-2021 | 20:33

نهر النيل

محمود الدسوقي

فى مارس عام 1919م كان على صحيفة "الأهرام"، أن تخوض حربا من أجل نهر النيل، سر حياة المصريين وبقائهم، وسر حضارتهم الخالدة، وذلك فى سنوات عصيبة، وهى سنوات الاحتلال البريطانى لمصر، هذا ماجعل "الأهرام" تفتح صفحاتها لتصريحات المسؤلين الأجانب، عن شئون الري فى مصر ، وأن تتابع كل مايحدث فى مشاريع نهر النيل لحظة بلحظة.


بدوره أكد المؤرخ العلامة يونان لبيب رزق فى كتابه "الأهرام ديوان الحياة المعاصرة"، أن سلطات الاحتلال البريطانى حين قامت باحتلال مصر عام 1882م، قامت بالسيطرة على مصلحة الري؛ لإيمانهم القوى أن من يتحكم فى النهر يتحكم فى مصر كلها، وذلك سيرا على قاعدة نوبار باشا رئيس النُظار الأسبق الذي كان يؤمن ويردد دائما: "إن المسألة المصرية هى مسألة الري".

كان مفتش الري فى مصر يقبع فى دار المعتمد البريطانى التى حُكمت من خلالها مصر، إلا أن فصلا جديدا من حرب النهر بدأت تشتعل، بعد اشتراك الفلاحين الهائل فى ثورة 1919م، لتقوم "الأهرام" برصد كل كبيرة وصغيرة، وهى مادعاها أن تفتح صفحاتها لرصد مايحدث فى نهر النيل، خاصة بعد إعلان بريطانيا على تنفيذ مشاريع جديدة على النهر فى السودان، حيث نشرت "الأهرام' تحت عنوان "الري فى مصر والسودان"، وهى محاضرة ألقاها وليم ولكوكس أحد مهندسي الري البريطانيين فى المعهد العلمى المصري، حيث قامت 'الأهرام" بترجمة تصريحاته المهمة عن كيفية استخدام مياة نهر النيل مستقبلا.

ولكوكس الذي أعاد محاضرته التى وضعها عن خزان أسوان عام 1894م، أكد أن مصر متى وجهت وجهها شطر النيل لم تعد خائبة، وهذا هو حال المصريين منذ عصر الفراعنة الذين اهتموا بمراقبة نهر النيل والفيضان، وقد أكد ولكولكس إن مصر فى حاجة ماسة للتحول من ري الحياض إلى الري الدائم، فهى تحتاج 6 مليارات من أمتار المياه المكعبة بمبلغ يقدر ب244 مليون جنيه؛ لتحقيق هدفها، مطالبا بالتطلع إلى إنشاء خزان فى منطقة السدود بالسودان لري القطن.

تصريحات ولكوكس أدخلت الريبة والشك لدي "الأهرام"، كما يقول يونان لبيب رزق، حيث تعلم المصريون من الدروس وخاصة فى حرب بريطانيا مع فرنسا فى فاشودة، فقد أرادت فرنسا السيطرة على النيل الأبيض وفشلت، نتيجة السياسة البريطانية القائمة على التحكم فى نهر النيل، ومن يتحكم فى نهر النيل يتحكم فى مصر؛ لذا قامت "الأهرام" من خلال اتصالاتها بنقل ما يحدث فى الصحف الأجنبية الأخري وخاصة اللندنية، حيث كشفت الصحف أن البريطانيين يريدون إقامة مشاريع فى السودان، بخلاف تجفيف مناطق البحيرات التى تغمرها المياه فى الدلتا، وإنشاء قناطر نجع حمادى، حيث تقرر إنشاء خزانين فى السودان على النيلين الأبيض والأزرق مع نظام الترع.

المسيو بيولا كازللى رئيس جمعية الاقتصاد ألقى محاضرة فى المجمع العلمى نشرتها "الأهرام" أيضا، حيث طالب رئيس جمعية الاقتصاد بإنشاء جمعيات زراعية فى مصر على نسق جمعيات إيطاليا، وإن هذه الجمعيات تقوم بفض منازعات المياه التى تحدث فى مصر نتيجة جلب المياه بالآلات الرافعة؛ بسبب نقص المياة الدائم فى مصر ، كذلك قامت الأهرام أيضا بفتح صفحاتها نقلا عن التايمز فى وقت اشتداد ثورة 1919م، حيث كشفت أن السياسة البريطانية تنوى إقامة مشاريع على النيل الأزرق فى السودان، وهو المقال الذى سبب التساؤلات والقلق، حيث عقبت "الأهرام" قائلة إن تجفيف مساحات الأراضي المغمورة فى الدلتا من المياه يوفر الاكتفاء، بدلا من تجفيف منطقة السدود وتحميل ميزانية الحكومة المصرية مبالغ طائلة، حيث كان الإنجليز يطمحون لزيادة القطن فى السودان؛ لخدمة الإمبراطورية البريطانية.

حينها كتبت الأهرام: "إن مصر جديرة أن تعرف كيف يتصرف البريطانيون فى نهر النيل؛ لأنه نيلها ومورد حياتها، ولأنها بكثرة ناسها وقلة الأراضي التى تعمر فيها أحق بماء النيل، مؤكدة أن السودان له حق فى نهر النيل فهو دمنا ولحمنا ولن نتركه ولن يتركنا".

وكان مقال "الأهرام" هو بداية لأن تشن الصحف الأخري حملة على المشاريع الاستعمارية البريطانية على النيل؛ ليطالب الرأى العام بحقه فى الجواب عما تنوى بريطانيا الاستعمارية تنفيذه من مشروعات بأموال الخزانة المصرية.

تعقدت الأمور أكثر، واحتجت "الأهرام" على بيان وزير الأشغال العمومية وحديثه مع موظفى الري، وانفجر الوضع بين البريطانيين حين دب خلاف كبير بين مردوخ ماكدونالد مستشار وزارة الأشغال، والسير وليم ولكوكس، حيث اتهم مكدونالد وليم ولكوكس بالسب والقذف، وقامت الأهرام بشكر وليم ولكولكس الذي أوضح أن إحصائيات مردوخ ماكدونالد مغلوطة، بل فتحت صفحاتها للمواطنين المصريين فى عام 1920م ليعبروا عن رأيهم.

كتب المحامى راغب إسكندر بأن المصريين لم يصابوا فى حياتهم بمثل ما أصيبوا فى هذا الزمن من المشروعات وضياع ماء النيل هدرا، أما على متولى الذي شارك فى الحرب العالمية الأولى، وكان من بورسعيد، فقد طالب المصريين بالاهتمام بماء النيل؛ لأن النهر العمود الفقري لمصر، بل هو القلب فى الجسد، وطالب بإشراك الأمة فى تلك المشاريع التى تنوي بريطانيا الاستعمارية تنفيذها، كما طالب بتدخل البرلمان.

ورغم تصميم بريطانيا على تنفيذ مشاريعها، التى أخذتها حجة للضغط على مصر مثلما حدث فى عام 1924م كما يقول يونان لبيب رزق بعد اغتيال السير لى ستاك فى زيادة الأراضي المنزرعة بالقطن فى السودان، إلا أن الحرب التى قادتها "الأهرام" نجحت أيضا، حيث اعترفت بريطانيا بحقوق مصر التاريخية فى مياة نهر النيل.

بدوره يقول إبراهيم المصري طايع باحث تاريخى لــ"بوابة الأهرام "إن الصحف المصرية فى عام 1925م نشرت وثائق هامو للاتفاق الذي تم بين محمد محمود باشا رئيس الوزراء واللورد لويد، فيما يختص بمسائل الري التى تمت بين بريطانيا ومصر عام 1925م، حيث اتخذت كافة الصحف أسلوب "الأهرام" فى متابعة كل مايحدث فى نهر النيل.

وأضاف المصري أن الاتفاق نص على عدة بنود مهمة لتنظيم شؤن الري، منها عدم إقامة أى مشاريع إلا بالاتفاق مع مصر، وأن تقوم مصر بعمل المقاييس والدراسات والأعمال على نهر النيل، حتى فى الدول التى لم تكن بريطانيا تحتلها مثل الحبشة وغيرها، وهو ماكان معمولا به قديما، حيث أرست مصر مقاييس النهر لمتابعة الفيضان.

أما البند المهم فى اتفاق 1925م فهو الذي يقول صراحة "أذكر دولتكم بأن حكومة جلالة ملك بريطانيا سبق لها الاعتراف بحق مصر الطبيعى والتاريخى فى مياة النيل، وأقر أن حكومة المملكة تعتبر المحافظة على هذه الحقوق مبدأ أساسيا من مبادئ السياسة البريطانية القاطعة التى تؤكد حق مصر الطبيعى والتاريخى فى مياة نهر النيل".

إن جميع الاتفاقيات والوثائق الدولية تؤكد الحق التاريخي لمصر فى مياه النيل، ومن قبلها سطر التاريخ ووقعت الجغرافيا والطبيعة بحق مصر التاريخى والطبيعى فى نهر النيل المبارك الذي يجري فى أراضيها منذ الأزل.


صفحات الأهرام تدافع عن النهر الخالد


صفحات الأهرام تدافع عن النهر الخالد

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة