ذاكرة التاريخ

قصة معامل الدجاج السرية.. تعرف على تاريخ الإنتاج الداجنى فى بر مصر| صور

9-5-2021 | 11:35

الإنتاج الداجني

محمود الدسوقي

لوكان زمانك هو بداية القرن التاسع عشر، بدون ثورة اتصالات وكهرباء واختراعات حديثة، ودون مبيعات تدار أونلاين، فأنت ستكون مجبرا على الاتجاه لمعامل التفريخ الصناعية السرية المنتشرة فى الدلتا والصعيد، كى تقدم البيض، وتحصل بدلا منه على دجاج نظير البيض، حيث كان من المتبع فى أوائل القرن التاسع عشر، أن يورد الأهالى إلى معامل الدجاج بيضا لتفريخه، وبعد التفريخ يأخذون نحو 50 فرخا عن كل مائة بيضة، ومايبقى يأخذه صاحب المعمل .


يؤكد المؤرخون أن أول من استخدم مُفرخات الدواجن"التفريخ الصناعى" هم المصريون القدامى، حيث كان يتم تسليم البيض للمعامل المصنوعة من الطين الخالص؛ حيث توقد فيها النيران لتفقس دجاجًا يتم تسليمه لصاحب البيض، واستمرت هذه الصناعة "سرية" ممنوع على الأجانب تعلمها، حتى عصر محمد على باشا، حيث كان من أسس قواعد الطائفة أن يكون مصريًا خالصًا.

حاول الأجانب الذين زاروا مصر فى رحلات فى أوقات زمنية قبل القرن التاسع عشر، معرفة هذا الاختراع بشتى الطرق، لكنهم باءوا بالفشل ولم يعرفوا الطريقة، فالمصريون أحاطوه بالسرية التامة، والمعامل الطينية، وكذلك صاحب المهنة لايورث هذه المهنة إلا للمصريين، وقد أكد الرحالة الأجانب الذين شاهدوا الاختراع العجيب فى القرن السابع عشر، أن المعامل لم تكن قاصرة على الدجاج فقط، بل كانت متنوعة مابين بيض البط ،والأوز، وغيرها ، حيث كان النساء يحملن معهن بيض الطيور المختلف لوضعها داخل الأفران؛ وبعد فترة يرجعون لاستلامها بدلا من البيض طيورا.

ويؤكد المؤرخ أحمد أحمد الحتة، والذي تنقل "بوابة الأهرام" من مؤلفه "تاريخ الزراعة.. قصة معامل الدواجن"، أن معامل تفريخ الدجاج كانت طائفة أشبه بنقابة فى عصرنا، ولا يعمل بها سوى المصريين، ويرجع تاريخها إلى القدم منذ العصر الفرعونى، وهذه الطائفة لاتسمح بدخول الأجانب فيها، إذ أن أفرداها المحنكين فى المهنة، لايُطلعون أحدا على سر مهنتهم، إلا إذا كان من أبنائهم أو أقاربهم.

إذن..كيف كان المصريون يؤسسون معامل التفريخ لفقس البيض بطرق بدائية ؟، يؤكد أحمد الحتة، أن معمل الدجاج عبارة عن بناء من الطين، يتوسطه ممر على يمينه ويساره أفران مستديرة، يبلغ عدها 34 فرنًا وتنقسم إلى طبقتين، والطبقة السفلى تسمح بمرور الإنسان من طبقة إلى أخري وتنتهى الطبقة العليا بقبة" قباب"، وفى وسطها فتحة صغيرة ينفذ منها الضوء، ولكل من الطبقتين باب على الممر وآخر فى الحاجز الذي بينها وبين الفرن التالى لها، بحيث أن الطبقات تتصل بصف واحد، وتخصص الطبقات السفلى لوضع البيض المراد تفريخه، والعليا لوضع النار، وكان العمل يبدأ فى معامل الدجاج فى فبراير أو مارس غالبا، ويوضع فى كل فرن مابين 300 إلى 400 بيضة.

وعلى أرضية الطبقة السفلى من الفرن وفوقه تتواجد حصير موضوعة على طبقات بعضها فوق بعض يفصلها شيء من التبن، ثم تُضرم النار فى نحو ثلث الطبقات العليا من الأفران، وتستخدم الجلة "المصنوعة من روث البهائم"؛ لإيقاد النيران، وبعد أربعة أو خمسة أيام تُضرم النار فى الطبقات العليا بأفران أخري، وكلما أُوقدت النار فى فرن أطفأت فى نار أخري، وتجدد النار ثلاث مرات أو أربع مرات يوميا ، ويتم إشعالها قبيل الليل لدفع البرودة ،كما تسد فتحات الأفران ويقلب البيض، ويكرر العمل 8 مرات كل 24 ساعة، ويوضع البيض على ضوء المصباح فى اليوم الخامس فيعزل غير المخصب من المخصب.

ويؤكد المؤرخ أحمد أحمد الحتة، أنه البيض يفرخ بعد مضي 22 يوما من وضعه فى الأفران، وعملية التفريخ تحتاج درجة حرارة معينة، يُقدرها القائمون بالعمل بالشعور، وهو سر مهنتهم ولا يكتسبونه إلا بالمران الطويل المتواصل، وذلك لأنهم يجهلون ميزان الحرارة، مضيفاً أن درجة الحرارة تبلغ فى الأفران نحو 43 درجة مئوية غالبا.

و فى أقاليم مصر كانت المعاملة تختلف من مكان لمكان، ففى ديروط الشريف بأسيوط كان يُدفع نظير تفريخ 30 بيضة نظير تفريخها، أما فى الأقصر كانوا يقدمون البيض إلى المعمل وبعد تفريخه يأخذون أفراخا بنسبة الربع، وماتبقى من الأفراخ يأخذ صاحب المعمل ثلثيه، ويعطى القائمين على التفريخ الثلث الآخر، وحين تولى محمد على حكم مصر قرر احتكار معامل التفريخ وجعلها تعمل لحساب الحكومة.

ويقول الحتة، إن معامل التفريخ فى عهد محمد على أصبحت تُدار لحساب الحكومة، حيث يقوم المعاملية بديوان المديرية بتقسيم البلاد، فتخصص معامل لكل بلاد معينة، ويسأل عن عدد الأفران ومقدار البيض اللازم وسعر شراء البيض، وسعر بيع الأفراخ ويثبتها فى التقرير، ويقوم برفعها للحكومة فى تقرير، وكان عدد معامل الدجاج فى مايو 1830م يبلغ 168 معملا، منها 105 فى الوجه البحري، و63 فى الوجه القبلى، وهى معامل تنتج ملايين من الدجاج والطيور، وأعطى محمد على باشا لأصحاب المعامل سلفة نقودا على أن يتم تحصيلها منهم بعد مدة، بل فرض عليهم ضريبة اسمها "عوائد الحملة"، ولكن بعد عصر محمد على باشا رجعت المهنة حرة مثلما أسسها المصريون القدامى.

الصحف الأجنبية بدورها اهتمت قبل نهايات القرن التاسع عشر وقبل احتلال مصر بمدة عامين، بمعامل التفريخ، حيث فتحت صفحاتها لقرية برما بالغربية التى حافظت على جذور المهنة الفرعونية، بحثا عن سبب تفرد المصريين فى هذه المهنة، كما قدمت الصحف المصرية عادة نوم الإنسان على البيض لاكتسابه حرارة جسمه لتفريخ الدجاج، وهو ما تظهره الصور القديمة المتواجدة على أرشيف الصحف والمجلات المصرية، والتى عاصرت معامل التفريخ بشكلها البدائي مثلما صنعها المصريون القدامى.


الإنتاج الداجني

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة