عرب وعالم

بدء تنفيذ اتفاقية التعاون الإستراتيجى.. «القاهرة - موسكو» شراكة المستقبل

5-5-2021 | 03:33

السيسي وبوتين

د. أيمن سمير

عودة الطيران وتصنيع لقاح سبوتنيك فى القاهرة أحدث معالمها

العمل على اكتشاف مساحات جديدة للتعاون هو العنوان الأكبر للسياسة الخارجية المصرية

تحالف إستراتيجى بين القاهرة وموسكو يقوم على المصالح المشتركة وحل أزمات المنطقة بالطرق السلمية

"فى الشدائد يعرف الأصدقاء" هذا ما تأكد منه الشعب المصرى عقب اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، عندما انحازت روسيا وبوضوح لإرادة الشعب المصرى الذى نزل بالملايين فى الشارع، فمنذ تلك الأيام والعلاقات الروسية - المصرية تخطو خطوات طويلة وإستراتيجية إلى الأمام فى جميع المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، ويتفق ذلك مع نهج السياسة الخارجية المصرية التى وضعها الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ توليه المسئولية عام 2014 ، والتى تقوم على بناء علاقات إيجابية مع جميع الدول العظمى والكبرى والمتوسطة، وحتى الدول الصغيرة، ولهذا استطاعت الدولة المصرية أن تبنى وتؤسس لعلاقات ثابتة ومستدامة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشترك مع كل الدول وفى مقدمتها روسيا والصين والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى.

لا تزال عالقة فى أذهان المصريين والروس تلك الزيارة التاريخية التى قام الرئيس عبد الفتاح السيسى، عقب ثورة 30 يونيو لموسكو، عندما كان وزيراً للدفاع، والتى وضعت الأساس القوى للعلاقات الجديدة بين القاهرة وموسكو ، والتى أسهمت فى تحقيق نقلة نوعية وطفرة غير مسبوقة فى دعم العلاقات الإستراتيجية بين البلدين الصديقين اللذين تجمعهما علاقات تزيد على 250 عاماً، برغم أن العلاقات الدبلوماسية بدأت عام 1943 وأسهمت الزيارات المتبادلة للرئيسين عبد الفتاح السيسى، وفلاديمير بوتين فى فتح آفاق جديدة ومساحات واسعة من التعاون وبناء المشروعات المشتركة، خصوصا بعد أن دخلت اتفاقية الشراكة الشاملة والتعاون الإستراتيجى الموقعة بين البلدين فى17 أكتوبر عام 2018، حيز التنفيذ اعتبارا من 10 يناير الماضى، حيث تنص وثيقة الشراكة الشاملة والتعاون على مواصلة تعزيز التعاون بين روسيا ومصر فى المجالات السياسية والتجارية الاقتصادية والثقافية وغيرها من المجالات، وتحدد آليات لتعميق التنسيق بين موسكو والقاهرة على مختلف المستويات.

كما دخلت العلاقات المصرية - الروسية مرحلة جديدة من التعاون بعد أن تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسى، مكالمة من صديقه الرئيس فلاديمير بوتين، أكد فيها عودة السياحة الروسية بالكامل إلى المنتجعات المصرية، وعودة حركة الطيران كاملة بين البلدين بعد توقف دام 6 أعوام، وذلك بعد التعاون المشترك الناجح بين الجانبين فى هذا الإطار، وبناء على ما توفره المطارات المصرية بالمنتجعات السياحية من معايير الأمن والراحة للسياح والوافدين، كما تم التوصل إلى اتفاق نوعى وفريد من نوعه أيضاً تمثل فى إعلان موسكو أنها أبرمت عقدا كبيرا لإنتاج عشرات الملايين من جرعات اللقاح الروسى " سبوتنيك" مع مصر من خلال الاتفاق بين الصندوق الروسى للاستثمارات المباشرة وإحدى الشركات المصرية الرائدة فى تصنيع اللقاحات، وذلك لإنتاج 40 مليون جرعة سنوياً كمرحلة أولى، بالإضافة إلى سعى مصر وروسيا لإطلاق عملية نقل لتقنية تصنيع اللقاحات فى المستقبل القريب من أجل الشروع فى إنتاج اللقاح الروسى في القاهرة اعتبارا من الربع الثالث فى العام الحالى، وهو أول عقد وشراكة بين روسيا ودولة كبيرة فى الشرق الأوسط لإنتاج اللقاح خارج روسيا.

مصالح وقيم مشتركة

يعد الحفاظ على الزخم فى العلاقات المصرية - الروسية برهانا واضحا على قدرة الدولة المصرية على صياغة علاقات "متعددة الأطراف" تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وضبط مساحات الاتفاق والاختلاف بين مصر وجميع دول العالم، مما جعل القاهرة محط اهتمام جميع الدول سواء كانت قوى عظمى أم دولا إقليمية، وتحافظ القاهرة وموسكو على قيم مشتركة لعل أبرزها تفضيل البلدين للحلول السياسية والسلمية لحل أزمات الشرق الأوسط، والبحث عن مساحات التعاون الاقتصادى المشترك، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، كما ترى روسيا فى مصر شريكا مؤتمنا، وقد ثبت ذلك فى الكثير من المواقف والأحداث من خلال الدور الذى تلعبه مصر فى الشرق الأوسط، وأن القاهرة هى مركز التفاعلات السياسية الإقليمية، حيث يوجد مقر جامعة الدول العربية بها، ولهذا تدعم روسيا الدور المصرى فى القضية الفلسطينية الذى وصل لمطالبة روسيا بضم مصر للرباعية الدولية، كما أن هناك تطابقا فى الرؤية حول ملفات ليبيا ومكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة، حيث تنظر روسيا لمصر باعتبارها "محور استقرار" منطقة الشرق الأوسط، وأن الاستثمار فى مصر هو "استثمار فى الاستقرار" كما تعتبر موسكو القاهرة وجها مقبولاً فى المنطقة، لذلك تتكئ روسيا على هذه "المقبولية المصرية" لحل أزمات المنطقة.

صيغة 2 + 2

شهدت العلاقات السياسية بين البلدين طفرة عقب ثورة 30 يونيو، تمثلت فى زيارة وزيرى الخارجية والدفاع الروسيين إلى مصر يوم 14 نوفمبر 2013، وزيارة وزيرى الخارجية والدفاع المصريين إلى روسيا يومى 12 و13 فبراير 2014، حيث تم عقد المباحثات السياسية بصيغة "2+2" بما يجعل مصر هى الدولة العربية الوحيدة التى تبنت موسكو معها هذه الصيغة التى تتبناها روسيا مع خمس دول كبرى هى الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة واليابان.

وعززت زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسى لروسيا، والرئيس بوتين لمصر العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، حيث عكست حرص البلدين على تبادل الدعم السياسى على المستوى الإقليمى والدولى فى ظل ما يواجهه الطرفان من تحديات خارجية وداخلية، تستهدف النيل من الاستقرار السياسى وتهديد الأمن القومى لكلتيهما.

العلاقات الاقتصادية

يكشف نمط المشروعات المشتركة ذات الأثر البعيد سعى البلدين إلى تأسيس علاقات طويلة المدى، فتوقيع اتفاق الضبعة يمتد صلاحياته لـ90 عاماً، ويبدأ العمل به عام 2026، لتضيف عمقا إلى أكثر من 250 عاماً من العلاقات القوية بين الشعبين المصرى والروسى، منذ افتتحت روسيا القيصرية قنصليتها فى مصر عام 1784، كما أن توقيع اتفاقية الضبعة يضاف للمشروعات العملاقة التى أنشأتها روسيا فى مصر مثل السد العالى، ومجمع الحديد والصلب فى حلوان، ومجمع الألومنيوم فى نجع حمادى، ومد خطوط الكهرباء العملاقة بين أسوان إلى الإسكندرية، كل ذلك يتزامن مع شراكة مصرية روسية كاملة فى المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية، وبناء منطقة صناعية روسية فى محور قناة السويس باستثمارات تتجاوز 7 مليارات دولار.

وفقا لبيانات الجمارك الروسية تجاوز حجم التداول السلعى بين البلدين 4.6 مليار دولار فى عام 2014، بارتفاع قدره 80% عما كان عليه فى عام 2013، وشمل ذلك منتجات نفطية وحبوبا وأخشابا وحديدا وغيرها، وتواصل هذا التعاون فى السنوات اللاحقة ليرتفع حجم التجارة بين البلدين إلى 7.7 مليار دولار فى عام 2018.

وهناك أكثر من 400 شركة روسية تعمل فى مصر توفر عشرات الآلاف من فرص العمل فى مختلف القطاعات الصناعية والخدمية منها شركات النفط الروسية الكبرى بما فى ذلك "روس نفط" ولوك أويل" و"لادا" والتى تستثمر أكثر من 7.4 مليار دولار، كما يحرص الجانبان على استكمال جميع الإجراءات المتعلقة بإنشاء المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتى من المتوقع أن تجذب استثمارات روسية تفوق 7 مليارات دولار، وتوفر نحو 35 ألف فرصة عمل جديدة، ويستبشر القطاع السياحى المصرى خيراً بعودة السياحة الروسية، حيث زار مصر 2.99 مليون مواطن روسى فى عام 2014 بزيادة سنوية نسبتها 35%، فى حين زار روسيا نحو 15 ألف مصرى فقط فى 2014، وكانت مصر ثانى أكثر الوجهات التى يزورها الروس فى الخارج فى ذلك العام، كما ساندت روسيا مصر اقتصاديا من خلال تأكيد الرئيس بوتن على فتح الأسواق الروسية أمام السلع والخدمات المصرية، كما أن مصر من أبرز عملاء روسيا فى شراء القمح، وبلغ حجم التبادل التجارى بين مصر وروسيا خلال الـ 7 الأشهر الأولى من عام 2017 نحو مليارين و526.8 مليون دولار مقابل 2 مليار و221.4 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2016.

حلم المصريين

كان حلم بناء محطة نووية للطاقة السلمية، حلم مصر والمصريين منذ الستينيات، وشكل توقيع مصر وروسيا على اتفاق إنشاء محطة الضبعة النووية علامة خاصة فى العلاقات المصرية - الروسية، حيث كان العرض الروسى به الكثير من المميزات التى تعود بالنفع على قطاع الطاقة المصرى، وهو ما جعل مصر تختار روسيا كشريك إستراتيجى فى تنفيذ المرحلة الأولى من برنامجها النووى بقدرة 4800 ميجا وات، وتستطيع منطقة الضبعة استيعاب 8 محطات نووية على 8 مراحل، المرحلة الأولى تستهدف إنشاء محطة تضم 4 مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء بقدرة 1200 ميجا وات بإجمالى قدرات 4800 ميجا وات، ويتم تشغيل الوحدة الأولى فى 2022، والباقى تباعًا حتى عام 2026، ولروسيا تاريخ طويل فى دعم مصر، فهى من أنشأت مفاعل أنشاص، كما أن بنود العقد الروسى تشمل أن تقوم مصر بسداد قيمة المحطة النووية بعد الانتهاء من إنشائها وتشغيلها، وذلك من العائد الناتج من المحطة مع وجود فترة للسداد، علاوة على إنشاء مصانع روسية فى مصر لتصنيع مكونات المحطة النووية محليا، وهو ما سيعمل على تطوير الصناعة المحلية فى مصر، وأن نسبة المساهمة المحلية فى المفاعل الأول من 20 الى 25% ، كما تتزايد نسبة المساهمة المحلية مع الوحدات المتتابعة، حيث تصل إلى 35% فى المفاعل الرابع، وهذا الأمر مهم للغاية لأنها تسهم فى تحديث وتطوير الصناعة المصرية مما يساعد على إدخال صناعات جديدة سترفع من جودة الصناعة المصرية، خصوصا وأن الصناعات النووية هى أعلى جودة مطلوبة، كما يشمل العقد الروسى عقد دورات تدريبية للكوادر المصرية على استخدام التكنولوجيا النووية ونقل الخبرات الروسية فى هذا المجال للمصريين، وينص العقد مع روسيا على أن توفر روسيا 90% من تمويل المشروع، وتوفر مصر 10%، وسيتم تسديد القرض الروسى على 22 عاما فى 43 قسطا، بمعدل قسطين كل سنة، بفائدة بسيطة غير مركبة 3%، كما لن يتم تسديد أى قسط إلا بعد تشغيل المحطة النووية ودخول عائدها إلى الخزانة المصرية، ويحقق مشروع الضبعة للخزانة المصرية ما يفوق 264 مليار دولار صافى ربح ، لأنه سيسهم فى تخفيض أسعار الطاقة للمصانع وهو ما يجعل الصادرات المصرية أكثر تنافساً ، وقد استغرق الوفد المصرى المفاوض عاماً كاملاً ليختار العرض الروسى.

العلاقات العسكرية

تربط القاهرة وموسكو علاقات عسكرية تاريخية منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فقد كان للاتحاد السوفيتى الدور فى إعادة بناء وتسليح القوات المسلحة المصرية بعد نكسة 1967 وما حصلت عليه مصر من عتاد عسكرى مكنها من خوض حرب الاستنزاف وحرب 1973 تحريراً للتراب الوطنى. ولم يتوقف التعاون العسكرى بين البلدين منذ ثلاثين سنة، خصوصا مع استمرار وجود 30% من الأسلحة الروسية لا تزال فى الخدمة فى القوات المسلحة المصرية.

وتعددت الصفقات العسكرية المصرية - الروسية بعد ثورة 30 يونيو، وفى القلب منها دعم قدرات الدفاع الجوى المصرى من خلال ثلاثة محاور أساسية: المحور الأول: تحديث منظومة الدفاع الجوى قصيرة المدى إلى منظومة "تور ام 2" والمحور الثانى يتمثل فى تحديث منظومة الدفاع الجوى متوسطة المدى إلى منظومة "بوك إم 2".

أما المحور الثالث وهو الأهم: إدخال منظومة الدفاع الجوى بعيدة المدى ولأول مرة ضمن قوات الدفاع الجوى المصري، حيث أعلن فى 26 من أغسطس 2015 عن تسلم مصر لمنظومة "S300" الروسية والمعروفة أيضا باسم "أنتاى 2500"، وهذه المنظومة تعد الأقوى على الإطلاق فى التصدى للطائرات بجميع أنواعها والصواريخ البالستية والجوالة، مما شكل إضافة نوعية قوية لقوات الدفاع الجوى بشكل غير مسبوق.

وإلى جانب الصفقات العديدة التى تمت بين البلدين تخطى التعاون بينهما إلى الإهداءات، حيث نشرت الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع المصرية، فيديو للقطعة البحرية الروسية من طراز "مولنيا " b32، التى أهدتها موسكو لمصر فى إطار التعاون العسكرى بين البلدين، حيث ظهرت السفينة الحربية التى تعتبر من أحدث القطع البحرية الروسية، وهى تبحر فى قناة السويس الجديدة مع عدد من قطع القوات البحرية المصرية.

فى 9 سبتمبر 2017 أجرت عناصر من وحدات المظلات المصرية وقوات الإنزال الروسية فعاليات التدريب المشترك "حماة الصداقة 2" والذى تستضيفه روسيا، وشارك فى تنفيذ التدريب أكثر من 600 مقاتل من الجانبين إضافة إلى 100 معدة متوسطة وثقيلة، وتضمن تنفيذ العديد من الأنشطة التدريبية غير النمطية لمهام الوحدات الخاصة نهارا وليلا تحت مختلف الظروف، وكذلك التدريب على إدارة أعمال القتال داخل أحد المطارات المسيطر عليها من قبل مجموعات مسلحة، حيث قامت المجموعات القتالية من الجانبين بتنفيذ الإسقاط الجوى والتقدم للقضاء على المجموعات المسلحة والاستيلاء على المطار وتأمينه، وقد عكس التدريب المستوى المتميز للعناصر المشاركة وقدرتها على العمل الجماعى.

وفى أكتوبر 2016 استضافت مصر فعاليات "حماة الصداقة" للمرة الأولى، ويعد أحد التدريبات المشتركة المهمة لوحدات المظلات بما يمثله من بيئة خصبة لتبادل الخبرات التدريبية المختلفة، ويشتمل على العديد من الأنشطة والفعاليات من بينها تنفيذ أعمال الإنزال للأفراد والمعدات والمركبات المدرعة، كذلك التدريب على أعمال قتال القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب وفقا لأرقى النظم التدريبية الحديثة.

وفى نوفمبر 2015 وتعزيزاً لعلاقات التعاون والتفاهم بين القوات البحرية المصرية والبحرية الروسية قامت السفينة الحربية الروسية "الأدميرال فلاديميرسكى" بزيارة ميناء الأدبية بالسويس خلال الفــترة مـن 25 وحتى 27 نوفمبر2015 لتبادل الخبرات بين البلدين.

نقلاً عن

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة