تحقيقات

محمد السيد أرناؤوط :حلول عملية وواقعية لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح خلال عامين

4-5-2021 | 11:58

د.محمد السيد أرناؤوط

منى عبد العزيز

*الفاقد فى محصول القمح رهيب يصل إلى 25 % على أقل تقدير

*ضرورة توفير تقاوى القمح الموثوقة لجميع المزارعين
*إعلان سعر الضمان قبل الزراعة بوقت كاف يساهم فى زيادة مساحات القمح


يعتبر القمح أحد أهم محاصيل الحبوب، إذ أنه يعد مصدراً رئيسياً للغذاء، وتعانى مصر من فجوة بين إنتاجها من القمح وحجم الاستهلاك، حيث تعد من أكبر الدول استيراداً له.
وتسعى مصر جاهدة خلال السنوات الأخيرة للوصول إلى الاكتفاء الذاتى من القمح، من خلال التغلب على هذه الفجوة والتصدى لها، عن طريق زيادة الإنتاج والنهوض به، حفاظاً على أمنها الغذائى، غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تضافر الجهود.
وقد التقت "الأهرام الزراعى" بالدكتور محمد السيد أرناؤوط أستاذ الإرشاد الزراعى المتفرغ بمركز البحوث الزراعية، للتعرف على أهم أسباب هذه الفجوة، وكيفية معالجتها، وإمكانية وصول مصر إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح.

ماهى أهم الأسباب التى أدت إلى حدوث هذه الفجوة؟
أسباب عديدة منها ارتفاع تكاليف زراعة وإنتاج القمح، وإلغاء الدورة الزراعية، مما أدى لتراجع دور وزارة الزراعة فى تحديد مساحات القمح، ما جعل الزُراع يحجمون عن زراعة القمح بزراعة محاصيل أخرى أكثر ربحاً، وكذلك نقص كميات تقاوى القمح عالية الإنتاج بما لايتناسب مع المساحات المطلوب زراعتها، مما يضطر بعض الزراع لزراعة تقاوى غير جيدة تعطى إنتاجاَ أقل، هذا فضلاً عن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، مع عدم حصول المزارع على كل مقرراته السمادية لمحصول القمح أثناء زراعته، وعدم رغبة بعض الزراع فى شراء أسمدة من السوق السوداء.


عدم تحديد سعر مجزٍ لشراء إردب القمح من الفلاح، والإعلان عنه قبل زراعة القمح بوقت كافٍ لتشجيعه على زراعته، وزيادة الفاقد من محصول القمح الذى قد يصل إلى 30 %، خصوصاً أثناء عمليات الحصاد والنقل، والتخزين فى شون ترابية ومكشوفة ومعرضة للحشرات والفئران والعصافير وغيرها.


تدهور خصوبة بعض الأراضى الزراعية بسبب عدم تجديد شبكات الصرف المغطى وارتفاع منسوب المياه وملوحة التربة وخلافه، وعدم القيام بتجديد خصوبتها سواء بالتسميد العضوى، أو بالحرث العميق، أو إضافة الجبس الزراعى، أو بالغسيل، أو بتجديد شبكات الصرف المغطى وخلافه، مع الاعتداء عليها بالتبوير، أو التجريف، أو البناء فوقها، هذا إلى جانب ارتفاع أجور العمالة الزراعية بسبب هجرة الفلاح المصرى من القرية إلى المدينة بحثاً عن عمل أفضل، وقلة مياه الرى لبعض مساحات القمح، وإصابة القمح ببعض الأمراض مثل صدأ القمح والصدأ الأسود، وإهمال المزارع فى مكافحتها، وبالطبع كل ماسبق يؤثر فى النهاية على الإنتاج.

من المعروف أن هناك فاقداً فى محصول القمح، حدثنا عن أسباب هذا الفقد وعلاجه؟
تحدث نسبة الفاقد فى القمح أثناء الحصاد أو مراحل ما بعد الحصاد خلال النقل أو تخزين الحبوب، أو بسبب الاستهلاك غير الآدمى 25 % نتيجة استخدامه كعلف للحيوانات والطيور، وللنهوض بمحصول القمح يجب القضاء على هذا الفاقد، وذلك من خلال عدم زراعة أصناف قمح رديئة، أو مصابة بالأمراض، أو الحشرات، ومقاومة حشائش القمح، وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، حتى لا يتم استخدام القمح أو الخبز فى تغذية الماشية والدواجن، واستخدام الميكنة الزراعية فى الحصاد، وزيادة عدد الصوامع لتخزين القمح.

هل جهاز الإرشاد الزراعى يعتبر مسئولاً عن حدوث هذه الفجوة؟
نعم.. فبسبب النقص فى إمكانيات جهاز الإرشاد الزراعى وفى أعداده التى تتناقص عاماً بعد آخر، حدث قصور فى تطبيق التوصيات الفنية الحديثة فى زراعة وإنتاج محصول القمح لدى الزراع، ولم يكن تقليص الميزانية الخاصة بوزارة الزراعة له تأثير على قطاع الإرشاد الزراعى بها فحسب، بل امتد ليشمل مركز البحوث الزراعية، حيثُ قلل من دوره أيضاً فى استنباط سلالات من تقاوى الأقماح عالية الإنتاج، والمقاومة للجفاف والحرارة والإصابة بالأمراض والحشرات، وذات مواصفات الخبيز العالية، ودراسات استزراع الصحراء وخلافه.

هل ارتفاع أسعار الأعلاف كان له تأثير فى زيادة الفجوة؟
بالطبع ارتفاع أسعار العلف وعدم توافرها بالأسواق، دفع الزراع إلى شراء الخبز المدعم وتقديمه كغذاء للماشية والدواجن.

ترى إلى أى مدى يمكن أن يؤثر الإسراف فى استهلاك الخبز بالسلب على تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح؟
الإسراف فى تناول الخبز يعد نمطاً غذائياً خاطئاً، حيث وصل متوسط استهلاك الفرد فى مصر من الخبز إلى 200 كيلو جرام سنوياً، وهو أعلى استهلاك للخبز فى العالم، حيث يقدر متوسط الاستهلاك العالمى للفرد من الخبز بين 80 – 100 كيلو جرام سنوياً، ومع زيادة عدد السكان كل عام يزيد إجمالى معدل استهلاكنا من القمح، ويجب التوعية بأضرار الإسراف فى تناول النشويات وخصوصاً الخبز على الصحة، هذا إلى جانب تحول القرية المصرية إلى قرية مستهلكة للخبز المدعم من المخابز بدلاً من طحن القمح وخبزه وذلك بسبب رخص ثمنه.

وهل نحن قادرون على التغلب على كل هذه الأسباب لسد الفجوة؟
بالتأكيد إذا ما حذونا حذو الدول التى استطاعت تحقيق الاكتفاء الذاتى لها من القمح مثل سوريا والبرازيل والهند، والاستفادة من خبراتها.

وكيف كانت تجارب هذه الدول فى تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح؟
لقد حققت سوريا الاكتفاء الذاتى من القمح خلال ثلاث سنوات فقط، وتوقفت عن الاستيراد، وذلك بعد أن وضعت خطة قامت من خلالها باستنباط أصناف جديدة مقاومة للجفاف والأمراض وذات إنتاجية عالية، واستخدام الرى التكميلى، وتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعى للفلاحين، وبذلك استطاعت أن تنهض بإنتاجها بعد أن كانت فى صفوف الدول المستوردة للقمح.

واستطاعت البرازيل أيضاً تحقيق الاكتفاء ذاتى من القمح بعد أن وضعت برنامجاً تحت عنوان "الجوع بدرجة الصفر" فأعطت أولوية مطلقة للقطاع الزراعى، ووفرت المدخلات الزراعية للفلاحين، وحسنت البنية الأساسية للزراعة، وأنشأت الصوامع، وأقامت أسواقاً جديدة، ونشرت ثقافة الاقتصاد الأخضر فى مناهج المدارس والجامعات، وخصصت نسبة ثابتة من الدخل القومى للاستثمار فى القطاع الزراعى، وهكذا نجحت البرازيل فى تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح وبدأت فى تصديره للخارج.


وكانت الهند تستورد كل احتياجاتها من الحبوب وخاصة القمح، والآن أصبحت تصدر كميات مماثلة لما تستهلكه، وذلك بسبب تضاعف إنتاجها.

ماهى طرق الوصول لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح فى مصر؟
عموماً منظومة الاكتفاء الذاتى من القمح لابد أن تشتمل على 4 عناصر أساسية وهى: التوسع الأفقى فى زيادة المساحات المزروعة بالقمح، والتوسع الرأسى فى الإنتاج باستخدام التوصيات الفنية الحديثة وخلافه، وتقليل الفاقد من المحصول أثناء إنتاجه بالحقل وحصاده و نقله و تخزينه، وضبط الاستهلاك من رغيف الخبز سواء بالوعى الثقافى للمواطنين أو بالحد من استخدامه كعلف للحيوانات والطيور.

وكيف يمكن النهوض بإنتاجية القمح وتقليل الفجوة؟
بالقيام بحملة قومية للنهوض بإنتاج القمح، وتقليل الفاقد وترشيد الاستهلاك، مع حشد الجهود لتحقيق هذا الهدف من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والتفكير فى الزراعة على أنها مهنة مربحة، وتحديد سعر عادل للمحصول يحقق هامش ربح مناسباً للفلاح، والإعلان عنه قبل الزراعة بوقتٍ كافٍ، وعودة الدورة الزراعية وتحديد المساحات التى تتم زراعتها من القمح كل عام لمواجهة الزيادة السكانية واحتياجاتها من الغذاء، استنباط أصناف محسنة من الأقماح ذات إنتاجية مرتفعة تلائم الظروف المناخية فى مصر، وتقاوم الملوحة والجفاف والأمراض، وتوفير مستلزمات الإنتاج بالسعر المناسب فى الوقت المناسب وبالكميات الموصى بها، وتطبيق الزراع للتوصيات الفنية الحديثة فى زراعة وإنتاج محصول القمح.

وماهى رؤيتك للتوسع فى زيادة إنتاجنا من القمح؟
زيادة مساحات القمح المزروعة عن طريق زراعة القمح فى شمال سيناء على ترعة السلام، كما يمكن زراعته فى الساحل الشمالى وامتداد ترعة الحمام، ومن النوبارية إلى مرسى مطروح والتى بها أكثر من 1.5 مليون فدان، وهى منطقة غزيرة الأمطار ويمكن تجميع المطر بها وإعادة استخدامه فى الرى، وتقليل مساحات البرسيم المزروعة قدر الإمكان واستبدالها بالقمح.

كما يجب أن تكون هناك سياسة تكامل بين محاصيل الحبوب وهى القمح والذرة البيضاء والرفيعة والأرز، بحيث لا تزيد مساحة الأرز عن 1.1 مليون فدان، وذلك لتوفير كمية من المياه تسمح بزراعة من (3 - 4) ملايين فدان ذرة صيفاً بنوعيها البيضاء والرفيعة، وهذه المساحة من الذره تنتج ما يتراوح بين ( 12 - 16 ) مليون طن، وذلك يؤدى إلى أن تستغنى مصر عن استيراد 5 ملايين طن ذرة صفراء، يتم استيرادها من الخارج لتأمين صناعة الدواجن، كما يمكن أن توفر 4 ملايين طن ذرة بيضاء لاستخدامها بالخلط مع القمح لإنتاج الخبز البلدى، وفى الوقت نفسه يمكن استخدام الثلاثة ملايين طن الباقية من الذرة البيضاء فى صناعة رغيف الخبز من الذرة بالكامل مثل المكسيك وبعض دول أمريكا اللاتينية، والباقى من الذرة يستخدم كعلف، مما يساعد على تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح.
والتوسع فى تحويل المخلفات الزراعية لإنتاج أعلاف غير تقليدية، وتشجيع الزراع على الزراعة التحميلية للقمح، مثل مشاركة محصول صيفى مبكر مثل القطن مع محصول شتوى مثل القمح فى نفس المساحة فى فترة زمنية معينة تبدأ من الشهر أو الشهرين الأخيرين من حياة القمح، وتشجيع الزراع أيضاً على الزراعة فى مخاليط للقمح مثل استخدام البرسيم المصرى كمخلوط مع القمح بغرض الحصول على تقاوى فقط من البرسيم، وكذلك تشجيعهم على زراعة الشتل للقمح، وزراعته تحت الظروف المطرية أيضاً.

 


محررة الأهرام الزراعى خلال إجراء الحوار

نقلاً عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة