آراء

أهرام مصر .. قلاع لا قبور

25-4-2021 | 13:37
Advertisements

كان موكبًا مهيبًا ذلك الذى أطل علينا مساء الثالث من أبريل، غادرت فيه 22 مومياء ملكية فرعونية محلها بالمتحف المصرى بميدان التحرير إلى المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط. مشهد أعاد للذاكرة حضارة فرضت نفسها، قديمًا وحديثًا، وأعاد للذاكرة بعضًا من تاريخ ما زال يثير شغف الكثيرين بالبحث والاستنتاج.

 
لم يدرك المهندس زهير شاكر أن رحلته مع أسرته عائدين من الإسكندرية، فى ذلك العام، سوف تفتح له بابًا جديدًا فى البحث عن تاريخ مصر الفرعونية. برز الهرم الأكبر أمامه فجأة وكأنه يدله على الطريق، استغرقه سؤال، هل يمكن أن يكون الهرم بمثابة منارة فى قلب الصحراء تهدي المسافرين. بدا السؤال بسيطًا وإن استدعى العمل عليه مراجعات تاريخية وهندسية امتدت لسنوات.
 
كان قد مضى على أول زياراته للأهرامات زمن بعيد، كان فى الخامسة والعشرين من عمره مرافقًا لأحد الأجانب. فرق كبير بين أن تسمع عن الهرم وأن تقف تحت سفحه، تتطلع إلى أعلى قمته، وحجارته، فإذا الإنسان جد ضئيل.
 
عكف زهير على بحثه؛ بدءًا من هندسة أهرامات الجيزة وتلك الممتدة على الجانبين، ومواقعها وأبعادها وزواياها، مستعينًا بالخرائط والوثائق والمخطوطات. انتظامها فى شكل قوس بالغ الدقة متدرج الارتفاع، يبدأ شاهقًا من الهرم الأكبر ثم ينخفض فى الارتفاع على الجانبين، أعطى بعدًا استراتيجيًا قفزت على إثره الأسئلة، ما الغرض من كل هذه الأهرامات؟ ولماذا تتفاوت ارتفاعاتها؟ وهل يمكن أن تبنى فقط لحفظ مومياوات الملوك؟
 
بنى المصرى القديم منازله بالطمى لما تتمتع به من سهولة في البناء وخصائص معمارية تتناسب مع البيئة الحارة والباردة. وبنى آثاره بأحجار الجرانيت والبازلت والحجر الجيرى تحقيقًا للخلود متبعًا قاعدة قلما خالفها؛ الجانب الغربى للمقابر، مستلهمًا حركة الشمس، والشرقى للإقامة. استثناءً من هذه القاعدة أقيمت مدينة منف فى الغرب، والأهرامات فى غرب الغرب، ومقابر هليوبوليس فى الشرق.
 
مع مزيد من البحث والدراسة، استنتج دور الأهرامات كبوصلة عملاقة فى كبد الصحراء، تحدد الاتجاهات كافة، وتسمح قممها الملساء فى عكس ضوء القمر ليلاً، والشمس نهارًا، فيهتدي بها المسافرون. فضلاً عن كونها نقاط مراقبة، يسمح تفاوت ارتفاعاتها على الجانبين فى فتح مجال الرؤية للمرابطين عليها، وألا يغطى إحداها على الآخر. كانت أقرب، من حيث التصميم والوظيفة، للقلاع والمنشآت العسكرية منها إلى المقابر. أيضًا وجد زهير شاكر فى عدم العثور -فى أى من الأهرامات- على مومياء ملكية واحدة أو أثاث جنائزى، ما يشكك فى بنائها بغرض الدفن فقط.
 
بغوصه أعمق فى التاريخ الفرعونى، راعه اعتماد الدراسين على فرضيتين أساسيتين؛ الأولى: أن الإيمان بالبعث والآخرة كانا وراء كل أعمال وآثار المصرى القديم، والثانية: علاقة الخضوع التام بين الشعب والملك. ويعتقد زهير أن تطبيق هاتين الفرضيتين على مسار التاريخ الفرعونى كله شوه الكثير من الأحداث التاريخية وأغفل دور التطور والتطوير. فالمجتمعات مثل البشر، تسعى لتحقيق الحدود الدنيا للحياة، ثم تتخطاها للتطور والتوسع تمامًا كما عبر عنها عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو فى تسلسل هرمى مكون من خمسة مستويات.
 
وبلا شك، أن المصرى القديم قد تركنا نتطلع فى صمت ودهشة لما أبدعه من آثار، شيدها ومضى هادئًا راسمًا على وجوه كل من جاء بعده نظرة تقدير وإعجاب.
 
وفى النهاية، يعرض كتاب «أهرام مصر قلاع لا قبور»، لمؤلفه المعمارى زهير شاكر، نظرة مغايرة، يتفق ويختلف عليها البعض، وإن ظلت محل تقدير، رغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا على نشر كتابه ورحيله في آن.

نقلاً عن الأهرام المسائي
اقرأ أيضًا:
Advertisements
حرب أكتوبر والطاقة

منحت العسكرية العالمية حرب أكتوبر 1973 قدرًا كبيرًا من التقدير. عبر الجيش المصري أكبر مانع مائي. وحطم خط بارليف. وتجاوز ذكرى نكسة بدت كابوسًا مفزعًا بلا نهاية. وبقدر الإيمان جاء النصر.

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: فيس بوك ... الإثنين الأسود

لم تكن المرة الأولى ولن تكون الأخيرة- التي تتوقف فيها بعض منصات التواصل الاجتماعي عن العمل، حدث هذا من قبل عدة مرات وإن اختلف من حيث النطاق والمدة.

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: التنمية البشرية والبيئة .. المياه

استعرضنا في المقال السابق شطر الفصل الخامس من تقرير (التنمية البشرية في مصر 2021)، وتحدثنا عن الهواء وأثره على التنمية البشرية، وما تؤدي إليه معدلات التلوث

د.محمد مصطفى الخياط يكتب: غسان كنفاني .. النقش بالسكين على لحم الوطن

تُذكرُني رواية عائد إلى حيفا ، للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، بقصيدة محمود درويش، (طباق)، مُخاطبًا فيها روح صديقه إدوارد سعيد، ( ألم تتسلَّلْ إلى أمس/

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: زوربا.. يونانيان ومكسيكي

عندما عرض الكاتب الكبير نجيب محفوظ على الناشر سعيد السحار، روايته (بين القصرين)، قال في نفسه (مين ها يقرا الداهية دي)، كانت أكثر من ألف صفحة، ثم تناولها

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: فنلندا .. الطريق إلى السعادة

تدور أحداث مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم في عصر المماليك، يكتشف الشعب أن السلطان ما زال عبدًا، وبالتالي لا يحق له تولي السلطنة إلا بعد عتقه، ورغم

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: كابول .. زوايا مختلفة

راوغت - قدر الإمكان- إلحاح الكتابة عن أفغانستان، فما كُتب ليس بالقليل، ومكتفيًا بمقال نُشر في ذات الزاوية، قبل أسابيع قلائل (حيفا 48 كابول 21 بغداد

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: الشركات ... وتحديات التطوير

خلال مأدبة عشاء مع مجموعة من قادة الفكر منتصف التسعينيات، مال بيل ميهان، العضو المنتدب، لأحد أكبر مكاتب الاستشارات العالمية، على الكاتب الأمريكي جيم كولينز

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: الطاقة المتجددة ... مفارقات تاريخية

لأسباب مختلفة وعبر عقود لُضمت حباتها في مسبحة الزمن، ارتبطت الطاقة المتجددة بمواقف فارقة في تاريخ مصر والعالم. فحين قررت مصر بناء السد العالي، كونها دولة

حيفا 48 – كابول 21 – بغداد؟

فجأة ومن دون سابق إنذار غادرت القوات الأمريكية قاعدة باجرام الجوية بأفغانستان ليلًا أوائل شهر يوليو الماضي، قبل شهر من التاريخ المعلن لبدء انسحابها وقوات

أوبك بلس.. آراء متباينة وهدف واحد

كنت على يقين أن أجواء أوبك بلس سوف تعاود هدوءها سريعًا، ومرد ذلك عدة أسباب، أولها، وجود مصلحة مشتركة تربط كل الدول ببعضها البعض، إما تحرك جماعي متماسك

الأكثر قراءة
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة