ذاكرة التاريخ

في ذكرى سيد مكاوي.. كيف قدم شيخ الملحنين شخصية المسحراتي عبر أثير الراديو؟

22-4-2021 | 16:52

سيد مكاوي

فاطمة عمارة -هبة سعيد سليمان

شيخ الملحنين، وأحد عمالقة الفن ومبدعيه، جمع بين موهبة التلحين والغناء، ولد سيد محمد مكاوي بحارة قبودان فى حى الناصرية بالسيدة زينب بالقاهرة في في 8 مايو 1927م، إلا أن الأوراق الرسمية تسجل عام 1926، كان ترتيبه الثاني بين ستة أبناء، وعاش حياة بسيطة، عمل والده كعامل تركيب البلاط والقيشاني، فقد بصره في الثانية من عمره بعد أن أصاب عينيه الرمد الصديدي وعالجه حلاق الصحة بالعلاجات الشعبية، عوضه الله بحاسة سمع قوية فانتبه لكل تفاصيل الحياة الصاغة من حوله من أصوات البائعين المتجولين بكلماتهم المنغمة إلى صخب الأطفال ولعبهم، بالإضافة إلى أصوات العصافير والحيوانات فتعرف على الحياة من حوله رافضاً أن يُعامل أو يتعامل كصاحب عاهة وعاش وهو طفل صغير كباقي الأطفال الطبيعيين بل واستطاع أن يقنع من حوله كباراً وصغراً أنه مبصراً.


التحق بكُتاب الحي المجاور لمسجد أبو طبل، ثم انتقل منه إلى كتاب الشيخ حنفي السقا الذي ميزه لحلاوة صوته واختاره ليكون مساعده، فأتم حفظ القرآن تجويداً وترتيلاً في عمر التاسعة، وطلب شيخه من أبيه أن يُنادي من وقتها "بالشيخ سيد".

توفي والده وهو في الحادية عشر من عمره، فتحمل مسئوليته أمه وإخوته الخمس، فعمل مقرئاً بالمأتم والاحتفالات التي يحييها منشد وقارئ القرآن، وزادت شهرته والطلب عليه، فاختاره أهالى الحي ليكون من قراء وخدام ومؤذني مسجد أبو طبل، فحمل على عاتقه الأذان لصلاتي الفجر والعشاء وإقامة الشعائر وقراءة القرآن كل اثنين، وعشق الإنشاد وكون فرقة من المشايخ الصغار وأنشد في الموالد.

ذاعت شهرته إلى خارج الحي حتى التقى إسماعيل رأفت وشقيقه محمود اللذان شجعاه على الغناء، واستفادوا من مكتبة إسماعيل باشا الموسيقية الضخمة يسمعوا الأغاني ويحفظونها ويعيدوا غنائها، وأحضرا له الأستاذ جاويش ليعلمه العود بعد أن لاحظا حبه له، وما أن أجاده بسرعة أدهشت الجميع حتى كونوا يشبه فرقة غنائية، حيث عزف إسماعيل الكمان ومحمود القانون والشيخ سيد العود والغناء، كما ضم إليه لطفي إبراهيم عازف ناي، فهمي عوض عازف قانون، والمنشد الشيخ مصطفى، وكانت أول تجربة حقيقية في أحد الأفراح بالمنيرة الذي نجح فيه وصفق له الجمهور بشدة، ليحترف الغناء بعده رغم اعتراض والدته وانتقادات أهل الحي.

والتقى الشيخ أحمد زكريا، الذي وجهه إلى تعلم النوتة الموسيقية ولا يكتفي بالتعلم السماعي، فتعلم الكتابة بطريقة برايل، ثم تقدم إلى المعهد الملكي للموسيقى العربية وأبهر لجنة القبول لما يمتلك من معلومات نظرية وقدرات فريدة في العزف والغناء مما دفعهم لرفض قبوله، ووجهه رئيس اللجنة للتقدم للأذاعة.

توجه بنفسه لمبنى الإذاعة بعد أن أرسل عدة خطابات يطلب موعد للأختبار، والتقى بعبد الحميد يونس وكيل الإذاعة الذي ساعده لتوفير فرصة لاختبار كمطرب بشرط أن يدفع للفرقة في حالة فشله، إلا أنه فاق التوقعات وإجازته اللجنة كمطرب في منتصف الأربعينيات، وأول ما سجل فيها دور لسيد درويش "مليك الحسن في دولة جماله" ، وتقاضى أجراً شهرياً 20 جنيهاً، حرص على إحياء التراث فغنى الموشحات والأغاني القديمة على الهواء مباشرة في مواعيد ثابتة، ولتميزه كلفه محمد حسن الشجاعي رئيس الإذاعة بغناء أغنية خاصة به فقدم أغنية "محمد نبينا" من ألحان صديقه الفنان الناشئ عبدالعظيم عبدالحق، وكانت بدايته كملحن بالإذاعة مع الأغنية الوطنية بدمي يا مصر أفديكِ في 1952.

بلغ إجمالي إنتاجه الموسيقي ما يقرب من 2800 لحن على مدى 4 عقود، فلحن الأغاني الدينية للشيخ محمد الفيومي، وكانت انطلاقته لحن أغنية "مبروك عليك يا معجبانى" لشريفة فاضل، تبعه عمله مع محمد عبد المطلب في أغنية "اسأل مرة عليا"، وأصبح من بعده مطلوباً لكل المغنين، فلحن لليلى مراد ونجاة وشادية وصباح، كما قام بتلحين اغنية "يا مسهرني" لأم كلثوم، كما قدم العديد من الأغاني الوطنية في معظم المناسبات، وفى نفس الوقت أطلق عدة أغاني مثل "آخر حلاوة" و أغنية "حدوته"، والعديد من المقدمات الغنائية لمسلسلات الإذاعة والتليفزيون مثل "شنطة حمزة"، و"رضا بوند" وغيرها، ولحن للمسرحيات مثل "مدرسة المشاغبين"، و"سوق العصر"، و"وأوبريت الليلة الكبيرة"، والتي بدأت في الأذاعة ثم تحولت إلى المسرح، ولم تكن التعاون الوحيد مع صلاح جاهين الذي رافقه الدرب فقدم الرباعيات بصوته في إذاعة صوت العرب على حلقات، كما لحن لفؤاد حداد "من نور الخيال وصنع الأجيال " والذي يصف القاهرة خلال ألف عام، ليكون له السبق في تلحين الدواوين الشعرية الكاملة.

قدم مع فؤاد حداد المسحراتى في الإذاعة 1964 وهو من أشهر برامج رمضان من 1939م، إلا أنه غير من طريقته المعتادة فقدمه بدون فرقة موسيقية، ولكن بالطبلة فقط محاكياً للشكل التقليدي للمسحراتي، وظل يقدمها بنفس الأسلوب حتى وفاته ويعتبر بصمة فنية هامة فى تراث الموسيقى الشرقية، ويعد ثانى من قدم شخصية "المسحراتى" بعد الموسيقار محمد فوزى.

تزوج من الفنانة التشكيلية "زينب خليل" عام 1961 بعد أن تعارفا في أوبريت الليلة الكبيرة، ورزقا بابنتين إيناس وأميرة.

ومن أبرز أعماله "اوقاتى بتحلو"، "لو انك بعيد عنى"، "قال ايه بيسألونى"، "الرباعيات لصلاح جاهين" وغيرها، حصل على وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، ووسام صدام للفنون من الدرجة الأولى، وأطلق على الشارع الذي سكنه بالعجوزة اسمه، وتوفي في 21 أبريل 1997م.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة