آراء

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (25)

21-4-2021 | 16:00

أنيس منصور وطائر الشوك والموت شموخا..!

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».
تحكي لنا الأسطورة أن طائرًا يغرد مرة واحدة في حياته، وعندما يغرد هذه المرة يكون تغريده رائعًا ساحرًا حتى إنه عندما يسمع نفسه وهو يغرد فإن هذا يقربه للموت، كأنه أحس أنه بلغ درجة الكمال، وليس بعد ذلك إلا الموت، تمامًا كالثمرة التي تسقط إذا نضجت، ويجد هذا الطائر قوة خفية تدفعه إلى أن يهجر عشه، ولا يزال يتنقل من شجرة إلى شجرة ومن غابة إلى غابة باحثًا عن شيء لا يعرفه، ولكنه مدفوع إلى حيث لا يدري، وأخيرًا يجد ما يريد، أو يجد ما قد أريد له، لقد وجد شجرة الشوك..

ويظل يتنقل بين أغصانها، حتى يعثر على أقوى وأطول شوكة فيها، ثم يلقي بنفسه عليها، أي يغمس الشوكة في قلبه وينزف دمًا وهو يردد أحلى أغنياته، حتى يتحول الصوت إلى صدًى، والجسم الرقيق إلى رفات، ولكن الكون كله يصغي إليه؛ فقد دفع حياته ثمنًا لأروع أغانيه، ما أفدح الثمن! ولكن الطائر لا يسقط، وإنما يموت أرفع موتة، فالشوكة التي قتلته لا تزال عالية شامخة ترفعه علمًا للجمال والجلال معًا، هكذا تقول الأسطورة.

أو.. هكذا كان يقول لي أنيس منصور في آخر 200 يوم من حياته - وأنا أسجل له شرائح من سيرته.. وصيرورته.. وكينونته، ومشاهد لم يعرضها في مؤلفاته إلا قليلًا.. وهذه الأسطورة ستلقي بظلها على موقف من مواقف أنيس منصور.

وكنت أتجادل معه سواء كنت أمكث معه في مكتبه بالطابق الخامس، الموصول روحيًا بالطابق السادس، أو قل: الإثنان طابق واحد.. ممكن! أم كنت أزوره في كهفه المنزلي الخاص، أم كنت أنزل معه على «سلم الأهرام» وهو يغادر المبنى المهيب ظهرًا، وكان يسبقني في القفز، مع أني كنت في عنفوان الشباب وكان هو في عنفوان الشيخوخة.. مفارقة!!

وكان يقول: «اللهم لا حسد منكم يا شباب هذا الجيل» رغم أني كنت أغبطه، فمع أن الشيخوخة قد ضربت له موعدًا، فإنه لم يعترف لا بها ولا هي تعترف أيضًا، وهذه هي العافية الحقيقية.

كانت خصبة وثرية وممتعة.. تلكم هي لقاءات أنيس منصور، بعذاباتها وعذوبتها، ومرجعياتها المعرفية والعرفية والجمالية والأخلاقية، تجعلك تتنقل بين عدة شواطئ كونية وفلسفية وأدبية وفكرية ووجدانية، لذا تجري حياته في مجراها الطبيعي، وهل يملك النهر تغييرًا لمجراه؟ ومن ثم كنت أوثر أن أجلس قرب مصب نهر أنيس منصور، حيث تنهمر عليك أمطار الفكر من كل صوب، وإذا كان الشاعر حافظ إبراهيم قال قبل مائة عام: «صح مني العزم والدهر أبى» فعند أنيس منصور: صح منه العزم والدهر أيضًا!

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».
كل العمالقة الذين حاولوا تقديم استقالتهم من الكتابة - وهم أولياء القلم الصالحون المصلحون كما كنت ولا أزال أسميهم وأصفهم وسأظل - استسلموا ضد غواية الإبداع، وتمردوا على نداهة الكتابة، إلا أنيس منصور...!.

كان أنيس «وضعية مختلفة»!
كان يؤرقه في الأيام الأخيرة علامة استفهام محملة بشيء من الحسرة: من يحمل أمانة الحفاظ على هذه الثروة والدعوة في مؤلفاتي؟ ليس لي ورثة، إذن لا بد أن أوصي بما أملك لأحد من الناس، فما هذه الثروة التي سوف أتركها عندما أموت؟ أنا أقول لك: مكتبتي وبها خمسون، ستون ألفًا من الكتب، إيه يعني؟! وقد تركت من المؤلفات 200 كتاب، وإيه يعني مرة أخرى؟! فعائد هذه الكتب ضئيل جدًّا، ولم يستطع كاتب مصري أن يعيش على كتبه: لا توفيق الحكيم ولا العقاد ولا طه حسين ولا نجيب محفوظ، ولولا أن روايات نجيب محفوظ تحولت إلى مسرحيات وأفلام لوجدت أول شحاذ يدق بابك هو نجيب محفوظ، إذن هذا الذي سوف أتركه لكلبي يكفيه غداء وعشاء، وكلبي يتغذى على العظم واللحم الذي لا آكله، ويتغذى على الخبز والجبن المالح، وأنا لا آكل الملح في الطعام أو خارجه، وسمعت من يقول في أذني بصوت مرتفع: يا أخي أسكت، إيه اللي حشرك بين هؤلاء الأغنياء؟! وتلفت حولي لأعرف من هذا الخبير بكل شئوني والفاضح لأمري. فلم أجد أحدًا سواي.. وسكت!

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».
يتوافق أنيس منصور مع صديقه الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا، في رؤيتهما أن الفنان الحقيقي هو الذي يكرر نفسه! وأنت أيضًا تؤكد ذلك القول بأن لديك لحنًا واحدًا تعزف أنغامه بطرق مختلفة؟ كل كاتب مثل كل طائر مغرد له لحن واحد يميزه عن بقية الطيور الأخرى المغردة، فالكاتب صاحب الرؤية له رأي واحد، أو نظرية واحدة، أو صيغة فكرية واحدة، يحاول أن يلف حولها ويعرضها بأشكال مختلفة.

مثلًا شاعر مثل شكسبير لديه خمس أو ست أفكار، وخمس شخصيات نمطية، يعرضها في مسرحياته في درجات حرارة في ظروف مختلفة، يعرض الحقد والخوف والسلطة والانتقام كل هذه المعاني، يلفها في جميع مسرحياته التي تركها.

فالفنان الحقيقي هو الذي يكرر نفسه فعلًا، والذي لا يكرر نفسه ليس فنانًا، فالفنان صاحب النغمة الواحدة أو صاحب اللحن الواحد، يتناوله من جوانب أو زوايا شتى وينادي بالفكرة الواحدة أو الصيغة الواحدة فيأتيها من زاوية فيكبرها ويصغرها ويكونها ويشخصها ليرى بوضوح.

* * ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».
لم يعتزم أنيس منصور تقديم استقالته من الكتابة، ولم يقدمها لكنه أقدم على الانتحار... كيف ولماذ؟

نلتقي في المشهد القادم...

إن كان في العمر بقية.

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (28)

حمل السطر الأخير من المشهد رقم 27 من مشاهد الطابق السادس في الأهرام، استغاثة أنيس منصور إلى طبيبه بصوت مذبوح: (والله يا دكتور اعفني من حياتي كلها.. اعفني

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (27)

كان القلم في يد أنيس منصور مثل عصا موسى.. يهش به على غنمه من الكلمات، يسوقها إلى المعاني، أو يسوق إليها المعاني، أحيانًا، تمشي وراءه وينفخ في عصاه كأنها

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (26)

أنهيت المشهد السابق في (شارع استقالات الكتاب الكبار من الكتابة) بقولي: لم يعتزم أنيس منصور تقديم استقالته من الكتابة، ولم يقدمها لكنه أقدم على الانتحار... كيف ولماذا؟

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (24)

كثيرون طلبوا - مشكورين - الاستفاضة في «ملف الاستقالة المستحيلة» في هذه السلسلة المستوحاة من وقفتي الطويلة للذكر والتذكير بلحظات مع عمالقتنا المفكرين في

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (23)

* أولياء القلم الصالحون... ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».. كل نبوءات زملائهم من المبدعين والنقاد والمنظرين عنهم.. تحققت وكل كلمات علماء النفس

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (22)

* الاستقالة المستحيلة * ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام». عرضت في المشاهد الثلاثة الأخيرة اعتزام الكاتب المبدع يوسف ادريس، اتخاذ قرار اللا كتابة

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (21)

** أين أنت يا نداهة يوسف إدريس؟ .. * ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».. في أجواء هذا المكان كان يوسف إدريس يحلم ويكتب حلمه الذي امتد إلى أكثر

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (20)

كان الكاتب العظيم د.يوسف إدريس إذا ضاق عليه الواقع، بأجنحته العنيفة، مثل شخصياته القصصية، وكان إذا أطبقت الظروف على أوتار قيثارته، التي ظل يدافع عنها طوال

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (19)

* عذابات الزمار بين أصابعه وموته.. * ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام».. كان الأمر صدمة.. حين أعلن يوسف إدريس من هنا .. من هذا المكان.. استقالته

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (18)

* ولا أزال في الطابق السادس بـ «الأهرام». في واحدة من الجدليات الذاتية والموضوعية، بين يوسف إدريس والكتابة: جدوى ومتعة.. رؤية ورؤيا.. حلمًا وقلمًا.. ألمًا

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام».. (17)

«أيوسف ما هذا السكوت»؟! هذا السؤال وجهه أستاذنا الجليل توفيق الحكيم في رسالة بخط يده إلى كاتبنا المبدع يوسف إدريس، باعتباره كما وصف نفسه (شيخ حارة الأدباء)

إلَّا.. الطابق السادس في «الأهرام» .. (16)

قل هي إبداع حتى في الحواريات التي كان هؤلاء العظماء يتبادلونها، ويتداخل فيها الخاص مع العام، ويتعاظم فيها الذاتي بالموضوعي، في تعادليات فكرية بعيدًا عن

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة